01 Apr 2020
المبرّات ملتزمة في دفع مستحقات شهر آذار كاملة
2346 مشاهدات
المبرّات ملتزمة في دفع مستحقات شهر آذار كاملة

 
تتوالى أزمات القطاع التربوي في لبنان منذ انقطاع التعليم لفترة وجيزة خلال انتفاضة 17 تشرين الأول، وصولاً إلى الإقفال التامّ جرّاء تفشي فيروس كورونا. سيحلّ الشهر الأول لتعطيل المدارس، ومصير العام الدراسي لا يزال في مهبّ الريح. الأزمة التي تفاقمت اليوم، دقّت جيوب الموظفين في المدارس الخاصة مع حلول نهاية الشهر وانتظار تقاضي رواتبهم.

"ضربة كتير بشعة". موقف يختصر حال معلمي ومعلمات مدارس "السان جورج" في لبنان أمس. الكادر التعليمي الذي واظب على التعليم اليومي للطلاب من بُعد، لم يكن يتوقّع أنّه سيتقاضى 35 في المئة فقط من راتبه. الموظفون يجهلون حقيقة ما حصل، والمشهد لا يزال ضبابيّاً لديهم بفعل حالة الغضب التي تركها قرار القطع المفاجئ.

حادثة "السان جورج"، والتي أثارت بلبلة عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ليست الوحيدة في المدارس الخاصة. الأمر ذاته تكرّر في مدارس أخرى، لكن بنسبٍ متفاوتة. وهذا ما يعيد إلى الواجهة الإشكالية حول مصير مستحقات الموظفين في المدارس في ظلّ استمرار الاقفال القسري. "النهار" استطلعت أحوال عدد من المدارس الخاصة.

"السان جورج": الحقّ محفوظ

يُجمع معلمو "السان جورج" – الحدث على سؤال موحّد: "ألَم تكن باستطاعة الإدارة تحمّل ضغط إضافي لشهر واحد؟ "نعم، طبعاً، شهر واثنان وثلاثة"، يجيب مصدر في المدرسة. للمؤسسة ثلاثة فروع في لبنان، طال الاقتطاع جميع موظفيها، وتشير المعلومات إلى أنّ رئيس مجلس الإدارة راغب علامة دفع رواتب الموظفين من نفقته الخاصة وليس من ميزانية المؤسسة.

بفعل البلبلة التي أحدثها قرار القطع، بات يُحكى اليوم عن قرار إداري عمّم على الأساتذة بتعليق التعليم الإلكتروني لمن لا يودّ متابعته منهم، ومن لم يعد باستطاعه دفع كلفة تشريج خدمات الإنترنت. في المقابل، يوضح المصدر أنّ "التعليم من بُعد لديهم ليس بالأمر المعقد ولا يتطلب وقتاً من المعلمين، باستثناء صفوف الشهادات الرسمية، إلّا أنّ عمل المراحل المتبقية يقتصر على توزيع الفروض على الشبكة الإلكترونية كل يوم بفترة لا تتجاوز الساعتين".

لم يكن يتوقّع المعلمون الاقتطاع من راتبهم لشهر آذار، لأنّ الأمور كانت تسير بطبيعتها منذ اليوم الأول للإقفال، ولم يأتِ أحد على طرح الفكرة خلال اجتماعات مجلس الإدارة الأخيرة. وماذا عن شهر نيسان؟ "قد لا نتقاضى قرشاً. الكارثة نهاية الشهر المقبل". وهنا ينقل المصدر عن الإدارة قولها إنّ "الأمور رهن حال البلد، فإذا "مشي البلد" بعد أشهر، تسدّد مستحقات الجميع و"حقّن محفوظ"، فنحن لسنا لصوصاً ولا نأكل حقوق أحد". يضاف إلى ذلك أنّ "الأهالي لم يسدّدوا أقساط أبنائهم أبداً وعليهم أيضاً تحمّل مسؤولياتهم، فمنهم من لم يدفع أيّ مبلغ منذ تشرين الأول الماضي".

يرفض مدير مدرسة "السان جورج" أحمد علامة التعليق. وفي اتصال مع "النهار"، يكتفي بالقول: "نحن ننتمي لاتحاد المؤسسات التربوية الخاصة وهم يتكلمون باسمنا. الحال ذاته في كلّ المدارس، وهناك مدارس اقتطعت 50 في المئة من الرواتب وأخرى لم تدفع كلياً"، مكرّراً: "موقفي هو موقف الاتحاد، وأخوّل الاستاذ نبيل الأسطا الكلام". "

النهار" تواصلت مع الأسطا الذي بدا حاسماً في رأيه: "الوقت ليس للتحديات بل للتعاون لاستمرار عمل المدارس ومواصلة تعليم الطلاب، وهو ليس وقتاً مناسباً لمطالبة الأهل بالأقساط". ويضيف: "التعليم عبر "الأونلاين" ليس الحلّ الأمثل لكنّه الوحيد الآن، ونتمنى إعادة فتح المدارس قريباً أو دمج العام الحالي ببداية العام الجديد". يشير الأسطا إلى أنّ "المدارس الخاصة تحاول تيسير الأمور بما استطاعت لأنّها لم تأخذ قرشاً من الأهل منذ شهرين، وقبلها خلال فترة الثورة"، مشيراً إلى أنّ "دفع نسبة 35 في المئة تتيح للإدارات الاستمرار في تلبية مستحقات موظفيها لأربعة شهور مثلاً، وهو أفضل من أن لا نعطي أيّ شيء أبداً. لن نترك الأستاذ، وسنحاول بالمقدّرات المتاحة ليبقى قادراً على شراء الخبز".

وعن المدارس الإنجيلية، يؤكد الأسطا، وهو أمينها العام، أنّ "الرواتب يتم تقسيطها للموظفين، وتقدّمنا بقرض مصرفي لمساعدة المعلّم، ومستمرون بالتعليم الالكتروني، فنحن زرعنا علاقة وثيقة مع أساتذتنا في السابق".

"الليسيه ناسيونال": أزمة رواتب طويلة

الأزمة في مدرسة "الليسيه ناسيونال" تعود إلى مرحلة انتفاضة 17 تشرين، حيث بادرت الإدارة حينها إلى قطع نسبة تراوح بين 10 و20 في المئة من رواتب موظفيها خلال فترة شهري تشرين الثاني وكانون الأول. في زمن كورونا، كان من المفترض أن يتقاضى موظفو "الليسيه" راتباً كاملاً في شباط، قبل أن يفاجأوا بنصف راتب فقط مع نهاية الشهر وبداية فترة التعطيل القسرية للمدارس. وفق رواية أحد المعلمين، فإنّهم "كانوا قد وُعدوا بتقاضي نصف راتب شباط المتبقي مع راتب آذار كاملاً، إلّا أنّ الوعد ضُرب عرض الحائط، حين علم الأساتذة أنّهم سيتقاضون نصف راتب أيضاً عن شهر آذار".

يتخوّف المعلمون اليوم من ضياع مستحقاتهم في الأشهر المقبلة، فـ"المدرسة سقطت عند أوّل تحدٍّ ماليّ". وهذا ما تكشفه المعلومات المتداولة في أروقة "الليسيه"، إذ إنّ "لا سيولة متوافرة لدفع رواتب شهر نيسان، فالأهالي لم يسدّدوا أقساط أولادهم منذ مدّة". يلفت مصدر إداريّ إلى أنّ "الخطة قد تقضي باللجوء إلى قروض ميسرة من دون فوائد من مصرف لبنان لسدّ العجز، فالمدرسة أمام أزمة رواتب حقيقية وأزمة تجديد عقود مع موظفيها للعام الدراسي المقبل". "

المقاصد": تكاتف لتخطّي المرحلة

ينتظر موظفو "جمعية المقاصد الإسلامية" قرار الإدارة في الساعات المقبلة. ثمّة توجّه لعدم دفع رواتبهم كاملة، فالأجواء لا تبشّر بإيجابية كبيرة في ظلّ العجر الذي يطال المؤسسة من ذي قبل. يبدأ المنسق التربوي في الجمعية محمد الأمين حديثه لـ"النهار" بالتأكيد على أنّ "للمقاصد مستحقات طائلة لدى الدولة، وإذا ما ردت إلى ميزانيتها لحلّت الأزمة فوراً. الديون ليست بقليلة، فمبلغ 13 مليار ليرة تقريباً يساهم حتماً في سداد رواتب الموظفين على أكمل وجه".

لم يتّضح حتى الآن مصير رواتب موظفي "المقاصد"، إلّا أنّ الأمين يؤكد أنّ "احتمال القطع وارد جدّاً، فأثناء الثورة وأزمة البنوك كنّا نواجه أزمة رواتب". لم ينقطع الأمين، ومعه ثلّة من الأساتذة، عن تعليم طلابهم من بعد. "التعليم عبر "الأونلاين" في هذه المرحلة هو الخيار الأنسب. التدريس من بعد ليس سهلاً، بل يتطلّب وقتاً وجهداً مضاعفين وهو مربك أحياناً، ولبنان لم يكن جاهزاً لهذه التجربة".

"المقاصد" من المؤسسات التي سهّلت التواصل مع طلابها خلال التعطيل لوجود قاعدة بيانات جاهزة ضمن نظام المدرسة، والأساتذة مدربون على استخدام برنامج Microsoft Schools. يشير الأمين إلى أنّ "بعض الأهالي يتحجّجون بعدم فاعلية التعليم الالكتروني للتخلّف عن سداد أقساط أولادهم، وهي حجّة سلبية". ويقول: "على عاتقنا مسؤولية تجاه طلاب الشهادات ولا يمكننا التوقف عن متابعة تعليمهم من جهة، ولدينا متطلبات حياة والتزامات يومية ككلّ المواطنين من جهة ثانية. فكيف يمكننا المواءمة بين الظرفين؟ رايحين على مأساة".

"يُشهد للكادر التعليمي في "المقاصد" تماسكه في الأزمات"، وفق ما يؤكد الأمين. "المدرسة وقفت إلى جانبنا في مراحل عدّة، واليوم أيضاً بادرت إلى توزيع حصصٍ غذائية على الأساتذة وأهالي الطلاب الذين يواجهون تعثّراً ماديّاً. وسنستمرّ في التعليم من بعد إذا طال الإقفال، وقد وضعنا خططاً جديدة لكافة المراحل التعليمية وليس فقط للصفوف العليا".

"المبرات" ملتزمة... وتدبير موقّت من "المصطفى"

بعكس المؤسسات الأخرى التي تواجه أزمة مالية مع استمرار إقفال المدارس، تستعدّ "جمعية المبرات الخيرية" لدفع رواتب موظفيها عن شهر آذار كاملة. ويؤكد مدير الجمعية الدكتور محمد باقر فضل الله لـ"النهار" أنّ "العمل جارٍ على تأمين مستحقات شهر نيسان كاملة أيضاً بخاصة مع بداية شهر رمضان"، آملاً أن "تمرّ الأزمة في الأشهر المقبلة بأقل ضرر على الجميع".

أمّا معلّمو "جمعية التعليم الديني" (مدارس المصطفى)، فقد تبلّغوا أنّهم سيتقاضون نسبة 70 في المئة من رواتبهم، فيما النسبة المتبقية محفوظة في حقوقهم، في حين سيتقاضى الموظفون (من خارج الكادر التعليمي) رواتبهم كاملة. ويلفت مصدر داخل المؤسسة إلى أنّ "الإدارة قدّمت شكرها للجميع لتقبّلهم الأمر، وأنّ بقية الراتب سيسدّد عند توافر السيولة، ولم يتم تسجيل أيّ اعتراض من قبل الموظفين على القرار".

يشدّد كلّ من استَطلعت آراءهم "النهار" في المدارس الخاصة على أنّ "المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدولة، فمن الضروري دعم المدارس في هذه المرحلة الصعبة، وأن تصبّ جلّ اهتمامها للقطاع التربوي إلى جانب الصحي". الأزمة تدور في فلك واحد: الأهل لا يسدّدون الأقساط، المدرسة لا تجني ربحاً فلا تدفع مستحقات موظفيها الذين هم أهل لطلاب في مؤسسات آخرى أيضاً، وهذا ما يؤدي إلى تفاقم المشكلة. يبقى الترقّب سيد الموقف في انتظار جلاء الرؤية حول مصير العام الدراسي ومعه مصير آلاف الطلاب والمعلمين في لبنان.

المصدر: جريدة النهار
الكاتب: بتول بزي 

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل