10 Jul 2013
كلمة مدير عام جمعية المبرات الخيرية د.محمد باقر فضل الله في مجلس المديرين
كلمة مدير عام جمعية المبرات الخيرية د.محمد باقر فضل الله في مجلس المديرين

خلال اجتماع مجلس المديرين الذي أقيم في مبرة الامام الخوئي بتاريخ 6 تموز 2013، ألقى مدير عام جمعية المبرات الخيرية الدكتور محمد باقر فضل الله كلمة جاء فيها:
قطار الزمن يمضي بنا من محطة إلى أخرى ليكون له في كل محطة عمرية ذكريات مآسٍ وأفراح نعيشها ملء أرواحنا وحين تفلت منا نحاول استعادتها بأكثر من طريقة ولكن القطار يكمل دورته الطبيعية ولا نستطيع إلا محاكاة الفكر والروح في محطات الذكريات بما يشكّل محطة جديدة تحفّز على إكمال السفر في طريق الإنتاج والتأصيل والإبداع..
سيظل السيد(رض) ونحن نتذكره اليوم في الذكرى الثالثة لغيابه، سيظل في محطات لا تحصى من الذاكرة.. إيقاع كلماته تبقى تحفر في عقولنا فتقبل عليها بعبق المعرفة والروح.. ستبقى أفكاره مع بريق ابتساماته إشعاعات مضيئة ولامعة لا تغيب عن العين والقلب... سيبقى دفء المحبة التي تعلّمناها منه نحاكي فيها النفس فنأبى أن نجرح أحداً أو نجرّح بأحد..
صفات كثيرة تدفعنا إلى تحسسٍ أعمق بالخسارة في زمن نحتاج فيه إلى رؤيته الواضحة ونظرته الثاقبة وحسّه المرهف وآرائه ونصائحه التي كان يعطيها من دون حساب.. نفتقده ولكن أفكاره حاضرة اليوم وبقوة حتى في أشدّ الأزمات.. ونستعيد اليوم تأكيده لنا على أن نكتشف الشعلة المتوقدة في كلّ منّا، أن نقرأ أنفسنا وكل ما يكتنفها من آمال وأفعال وأحلام قبل أن نقرأ الآخرين..
ونحن اليوم في لقائنا الأخير لهذا العام الذي انتهى والذي يشابه المدة الزمنية التي نعيشها فوق هذه البسيطة التي إن طالت أو قصرت محددة –لا محالة- منتهية بانتهاء الدور الذي ينبغي أن يؤدّى.. وعندما نقرأ أنفسنا نرى أن ما من عدوٍ يتربص بالواحد منّا أشدّ خصومة وأكثر تغييراً من نفسه التي بين جنبيه تعميه عن رؤية قدرةٍ تفوق سلطته وتميل به إلى الجنوح نحو طرفي الإفراط والتفريط، فإذا به يرى الكون متمحوراً حوله فيجور ويطغى في التملّك والهيمنة أو يسيء التقدير ولا يعطي ذاته أو يوفّيها ما تستحق من تفعيل طاقات، وما من عقبات أشدّ وضوحاً وأكثر تعويقاً لحركة التقدم من التسويف وطول الأمل.
إن كل لحظة نُمنحها تهبنا فرصةً للتغيير والتجدد ومحاسبة الأعمال والنظر فيما أخفقنا للتصحيح وفيما أجدنا للإستزادة، ومن نصّب الآخرة مثولاً في مسار سعيه استطاع أن يحسّن المراجعة وخاف فوتَ الفرصة وشدّ الترحال نحو ما هو مسؤول عنه ومحاسب عليه.
ولعلّ أولى الناس بالمساءلة القادة والإداريون الذين تولّوا قيادة مَن دونهم وإليهم يرجع الأمر في الحكم وبهم يصلح شأن العام والخاص، وعليهم يتوقف حسن السيرة والصلاح والرشاد، وهم قدوة التقليد، وبهم تُحدّد وجهة المسار، وعلى شاكلتهم ترتسم نتائج الأعمال، أليس حريّاً بنا أن نحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسب وأن نسائلها قبل أن نساءل، وأن نقوّم كل اعوجاج قبل أن تستحكم ملكة الهوى والتردّي في ما يمكن أن يكون ظلم سواء كان عن سهو أو قلّة تقدير..
ها هي كتب أعمالنا بين أيدينا خلال عام كامل وأعوام سبقت، ألا فلنقرأها فهي لم تزل قابلة للمحو والإثبات لنمعن النظر فيما فاتنا تسويفاً أو إهمالاً وفي ما عقدنا وأبرمنا من قرارات وأوامر مجحفة لنرجع عنها ونفككها.. فالعقبة كؤود عندما يتبدّى الحق وتنقشع ظلمة الوهم مما حسبناه هيّناً وهو عند الباري كبير وما عددناه حقيراً فإذا بد لديه عظيم..
لا نستحقرنّ أمراً فلعل فيه خيراً عميماً ولا نستعظمنّ أمراً فعساه لا يساوي عند الله جناح بعوضة. إن المعيار الأوفى والمقياس الأعدل هو مراقبة رضا الله سبحانه وتعالى ألا إننا عن قريب موقوفون ومسؤولون لنجهّزالعدّة والعتاد ليوم قد أحصى فيه اللطيف ما صوّر فيه كل خائنة عين وما دقّ من مثقال ذرّة خير أو شرّ وهو كاشف ما تخفي الصدور وتنعقد عليه النوايا.
إن لبين أيدي إداراتنا إخوة لنا من عاملين وتلامذة وأيتاماً وعيالاً.. مشرفين ومنسقين ومعلمين.. وكلّ في موقعه مسؤول ومن من خطأ يصدر من أحدهم إلا ونحن جميعاً مسؤولون معهم عنه بمسؤولية المسؤول وما من إنجاز عمّ إلا وهم أصحابه ونحن معهم نشكر سعيهم وندفع بهم إلى مزيد من عطاء.. القائد الحق والمدير الأمثل لهو على الدوام لا يؤكّد على ذاته في الظهور مستقلاً عمله وإن عظم، مشككاً في ما قام به حيث يخشى أن لو كان بإمكانه أن يجعل فعله أكمل، ناظراً إلى من هم دونه نظرة شفقة ورحمة، يرى بقاءه من خلالهم ونجاحهم فوق نجاحه وبذلهم فوق بذله، يذوب فيهم ذوب الحنان الرفيق فإذا هو كأحدهم لا فرق بينه وبينهم إلا أنهم أياديه وهو رأسهم وهم فعله التنفيذي وهو عقلهم المدبّر بمشورتهم.
نحن أبناء الأمة الوسط والشريعة السمحاء.. نحن أبناء التعلم المستدام تحت جنح آية (وقل رب زدني علماً) فليس لنا أن نكتفي من عبء العلم بدعوى الريّ من العطش فأنّى لنا ذلك والعصر الذي نشهده يأتينا كلّ لحظة بجديد غضّ من حيث الأفكار والأنشطة والوسائل؟! فلا يوقفنا عن خوض غمار التقدم تقاعس بزعم أننا قد بلغنا من العمر ما لا ينفع معه علم وثقافة. إلا أن العلم هو الباب المشرّع لدخول الجنان العُلى وهو مفتاح النفس الذي نلج إلى كوامن طاقات تستجدي تفعيلها. إن كأسنا لم يُترع وطالما أن لنا أنفاساً فإننا مسؤولون عن بذلها في سبيل التطوّر والترقّي.
وفي هذا اللقاء أود التأكيد على أن لا نوقف مسيرة التنمية والتطوير تحت ضغوط واقعية كانت أم وهمية والشاهد أمامنا برنامج التطوير الإداري وآثاره اليوم خير دليل وبرهان.. وإن المعاناة التي يعيشها البعض في قياس أثر البرنامج والذي تخطّينا فيه مستوى مرحلة التفكّر التقني لنتفكر اليوم في مستواه الثاني ومستواه الثالث من التفكر الناقد إلى التفكر التحوّلي والإبداعي.. كلّ ذلك يؤكّد أن هدفنا في المبرات ليس تعزيز القدرات بالشكل التقليدي بل بتحقيق نقلة نوعية في أنماط التدريب وها هي إطلالته من خلال قياس الأثر بالتفكر الجماعي تبدو أكثر تفاعلية والتصاقاً بالواقع والحاجات.
دعوةٌ إليكم أيها الأحبة القياديون في المؤسسات للتحفيز والمبادرة والتشجيع ومواجهة الإحباط لتبقى الثقة متجددة بمستوى التربية والتعليم.
ونشير أيها الأحبة إلى الأزمات المتنقلة في أرجاء الوطن والتي جعلتنا وتجعلنا نعيش القلق والخطر أحياناً، فما هي مسؤوليتنا؟ أن نتراجع عند أول رصاصة أو صاروخ أو أن نتماسك ونصمد ونزرع الإصرار على التعلّم في كل الظروف.. أن نحفظ حقوق تلامذة أخذنا عهداً على أنفسنا بإيفائهم حقوق التعلم والتربية في كل ظرف وبأكثر من أسلوب..
كما نود الإشارة إلى دراسة نتائج التلميذ بعيداً عن ظلم يمكن أن يحصل وذلك بأن لا تأتي نتيجة التلميذ الراسب ضمن قالب جاهز من أرقام إذ لا بد من دراسة ملف التلميذ بشكل تفصيلي ودقيق هل كان هناك من فرص متكافئة له مع أقرانه مثلاً؟ أن لا نعلل النفس بضيق الوقت وكثرة الأعباء نهاية العام الدراسي.. وخاصة أن أعداد الراسبين في مدارس المبرات قلّة قليلة.. فدراسة متأنّية وواعية لملف التلميذ تشكّل مادة لتأهيل وتدريب خلال الصيف تركّز على نقاط القوة إضافة إلى إشراك الأهل في تأكيد النتيجة سوف يكون قيمة تربوية إنسانية مضافة نقدّمها واثقين أن الكثير منهم رسموا مسارات مماثلة.
ونحن اليوم نعيش أجواء الحقد والعصبيات فيي أجواء ضبابية قاتمة تخيّم على منطقتنا نحتاج إلى كلمات السيد(رض) بالتأكيد على الوحدة والكلمة الطيبة، أن نقارب عقولنا بالمحبة والألفة والإنفتاح بعيداً عن التعصّب والحقد والأنانية والبغضاء.. "إن المحبة مفتاح القلوب والحياة لا تتحمّل الحقد"، ما أحوجنا إلى أن نحرّك كل القيم التي تحدث عنها السيد(رض) ولم يُرد لها أن تتجمّد في دوائر العصبية والأنانية والذات.. أراد لنا أن نستجيب لنداءاته "تعالوا إلى المحبة بعيداً عن الشخصانية والمناطقية والحزبية والطائفية وتعالوا كي نلتقي على الله بدلاً من أن نختلف بإسم الله".
علينا أن لا نتوانى أيها الأحبة مع تطاول الزمان عن سعي حثيث وراء ما يمكن أن يتحقق على أيدينا وما زالت شهادة المرجع المؤسس(رض) فيكم حيث عهد أيديكم كما نعهدها اليوم بيضاء نقية.. كنتم وما زلتم موضع ثقة وفخر واعتزاز وقد قطعنا معاً أشواطاً كثيرة في رفع اسم مدارس المبرات ومؤسساتها وجعلها تضاهي إن لم أقل تنافس أو حتى تفوق أسماء بعض مدارس كانت في الطليعة. والتحدي اليوم أصعب والمهمة لم تنتهِ وما برحنا في بدايات الطريق طريق الكدح، والتراجع ممنوع، والتلكّؤ مرفوض، ومساءلة النفس واجبة، والمراجعة أمر مفروض، والتدقيق المستتبع بالتحسين مطلوب، والإستمرار في المسار ضروري والإستغناء عن المضحّين منكم مرّ لا يُستساغ طعمه ومؤلم لا يُحتمل أثره، لا تغادروا ساحة التفاني وأكثركم من الكوادر الأولى وباكورة التطوير.. وما زلنا نؤمن أنكم أهل لحمل الأمانة وأدائها وأهل الوفاء للإسلام على نهج المرجع المؤسس(رض) وأن الخير جارٍ ما دمتم السواعد العاملة المجاهدة سائلين الله أن لا تنقطع عروة توثقت على البر والتقوى ووصلٌ أُبرم على المحبة والخير.. لنقاوم معاً التحديات ولنتحمل الصبر في تخطي العقبات.. مرحلة العطاء كنتم بدءها آملين أن يستمر وأنتم ختمها المنفتح على استهلال آخر يأخذ عنكم ويستنير بكم نماذج قدوة وامتثال، آخر يلوح في المستقبل كما يلوح الظلام من الليل نعبر فيه من آفاق الدنيا إلى آفاق النعيم، وعدٌ من الله ولن يخلف الله وعده (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل