13 May 2016
رموزنا الرسالية: قدوة في التضحية والعنفوان
رموزنا الرسالية: قدوة في التضحية والعنفوان

خطبة صلاة الجمعة 13 أيار 2016 الموافق ل 6 شعبان 1437 

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته: 

يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، في رحاب هذا الشهر المبارك، التقينا بالعديد من المناسبات ممّن اصطفاهم الله سبحانه وتعالى، من بين خلقه ليكونوا نماذج وقدوةً نتأسى ونحتذي بهم، ومن خلالهم نحدد بوصلة حياتنا حتى لا نضيِّع الطريق الصحيح ونحدد المسار الأسمى، كما قال رسول الله(ص): "إني تاركٌ فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يرِدا عليَّ الحوض". 

فقد مرت علينا في الأيام الماضية في الثالث من شهر شعبان، ذكرى ولادة الإمام الحسين(ع)، وفي الرابع منه ذكرى ولادة العباس(ع)، وفي الخامس منه ذكرى ولادة الإمام زين العابدين(ع)، وهناك الكثير مما يجمع بين هؤلاء، ولكننا سنتوقف عند جامع كبير بينهم، وهو العنفوان وروح التضحية والاستعداد لبذل الغالي والنفيس من أجل الله، من أجل إنسان حرّ وعزيز، ولتكون الحياة أكثر عدلاً واستقامة وحيوية. 

هذه الروح هي التي عبّر عنها الإمام الحسين(ع) عندما انطلق بثورته وهو حدّد أهدافها عندما قال: "أيها الناس من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهده، يعمل في عباده بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بقولٍ أو فعل كان حقاً على الله أن يُدخله مدخله، ألا وأنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن وأحلّوا حرامه وحرّموا حلاله، واستأثروا بالفيء وعطّلوا الحدود، وأنا أحقُّ من غيّر".. 

وقال(ع): "إني لم أخرج أشِراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليَّ أصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين". 

كان الحسين(ع)، ومنذ أن انطلق بمسيرته هذه، واعياً لحجم الصعوبات التي تعترضه والتحديات التي ستواجهه والتي قد تصل إلى أن يبذل نفسه وكل الذين معه، وأن تُسبى نساؤه، ولكنه ما كان ليهادن أو يتنازل أو يسكت، فيما الحق لا يُعمل به والباطل لا يُتناهى عنه، وهناك فاجر وفاسد يتحكّم برقاب الناس ويتسلط عليهم.. 

ولذلك لم يتراجع عن هذا الطريق، ولم يتردد في الاستمرار فيه، وكان قادراً على ذلك بمجرد أن يبايع، عندها تُفتح له أبواب الدنيا بكل خزائنها، ولكن ليس هذا منطق الرساليين، الذين لا يفكرون بمصالحهم بقدر ما يفكرون بمصالح أمتهم. 

لقد قال للذين حاصروه وحشدوا الجيش لمواجهته وأرادوا قتله وقتل أصحابه: "لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ لكم إقرار العبيد"، وعندما خُيِّر بين الموت والإقرار بالأمر الواقع، قال(ع): "ألا أنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون"، ولم تكن الحياة تمثل بالنسبة له شيئاً سوى أن يقرّ حقاً ويدفع باطلاً، لذلك قال(ع): "إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما". 

وهذه الروح هي التي تمثّلت في العبّاس حين وقف في كربلاء مع أخيه الحسين(ع)، لم يتركه رغم كل الظروف التي تهيّأت له لينجو بنفسه، حيث تذكر السيرة، أن الشمر بن ذي الجوشن نادى يوم كربلاء: أين ابن اختنا، أين العباس؟ لوجود قرابة بينه وبين العباس لجهة أمه، يومها لم يستجب العباس، لكن الحسين(ع) قال له: أجبه، فإنه بعض أخوالك، فقال الشمر: أحمل لك الأمان من عبيد الله بن زياد، فأنت تستطيع أن تنجو بنفسك ويُترك لك المجال للخروج من أرض المعركة آمناً، قال العباس: لا، أتعطيني الأمان ولا أمان لابن بنت رسول الله؟.. 

ووقف العباس في كربلاء، يمثّل أعلى درجات الإيثار والنبل والتضحية، لم يتراجع رغم كل ما أصابه، وقال: "والله إن قطعتم يميني، فإني أحامي أبداً عن ديني، وعن إمامٍ صادق اليقين، نجل النبي الطاهر الأمين". 

وقد عبّر الإمام زين العابدين(ع) عن هذه الروح المتفانية المضحية حينما قال: "رحم الله عميَ العباس، قد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه". ويقول الإمام الصادق(ع): "كان عمنا العباس نافذ البصيرة، صلب الإيمان، لا تأخذه في الله لومة لائم".. 

وقد تجلّت روح البطولة والاستعداد للتضحية في الإمام زين العابدين(ع)، الذي نستذكره في عبادته، هو زين العابدين وسيد الساجدين، وفي حلمه وعفوه وهو الذي كان العفو سجيّته، وفي سموّ أخلاقه وفي عونه للفقراء وهذا كان دأبه، وهو الإمام الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلِّ والحرمُ، يخرج في الليالي الظلماء يبحث عن فقير خشية أن يبيت الليلة خاوياً من جوع.. 

كما نستذكره في كربلاء، وهو يتثاقل على نفسه ليخرج ويقاتل في كربلاء، نستذكره وهو يقف بكل عنفوان وعزّة، أمام عبيد الله بن زياد في الكوفة، وهو مصفد بالأغلال ليقول له بعدما راح يهدده بالقتل إن بقي يرفع صوته أمامه وأمام الناس: "أبالقتل تهددني يابن الطلقاء، أما علمت أن القتلل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة". 

وقوله(ع) ليزيد في الشام: "ويلك يا يزيد إنّك لو تدري ماذا صنعت وما الذي ارتكبت من أبي وأخي وعمومتي إذاً لهربت في الجبال وافترشت الرماد فأبشر بالخزي والندامة". 

وعاش الإمام زين العابدين(ع) بهذا العنفوان وهو يتابع مسيرة كربلاء ليغرس معانيها من خلال إثارة الوجدان والعاطفة ومن خلال كلماته ومواقفه، وقد استعمل الدعاء كأسلوب يربط الناس بهذا الخط، ويكفي للدلالة على ذلك دعاؤه، في كل صباحٍ ومساء، والذي ضمن فيه البرنامج اليومي، الذي لأجله جاء الإسلام ولأجله بّذِلت كل التضحيات: "اللهم وفقنا في يومنا هذا، وليلتنا هذه، وفي جميع أيامنا، لاستعمال الخير وهجران وشكر النعم واتباع السنن ومجانبة البدع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحياطة الإسلام وإعزازه وانتقاص الباطل وإذلاله، ونصرة الحق وإعزازه وإرشاد الضالّ ومعاونة الضعيف وإدراك اللهيف"، "اللهم إني أعتذر إليك في كل مظلوم ظُلِم بحضرتي فلم أنصره". 

أيها الأحبة، إنّ رسالتنا في الحياة ينبغي أن تبقى هي رسالة محبة وانفتاح ومبادلة الإساءة بالإحسان، ومدّ الجسور وردم الهوات، فهذا ديننا وقيمنا، ولكن هذا للذين يعون لغة الحب، فلا يشهرون السلاح ويعلنون الحرب، ويستبيحون الدماء، ويظلمون ويطغون في الأرض بغير حق، حيث المنطق هنا ما قاله الله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}، {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ}، {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}. 

لقد مثّل أهل البيت(ع) في حياتهم هذا التوازن بين الحب الذي عاشوه والذي تحوّل دموعاً وعفواً للمسيئين إليهم، وفي الوقت نفسه عنفواناً وعزةً في مواقفهم ضد الطغاة والمستكبرين والباغين، هذه الصورة هي التي رسمها الإمام زين العابدين(ع) بقوله: "وحق من ساءك أن تعفو عنه وإن علمت أن العفو يضر انتصرت" "وَسَدِّدْنِي لأنْ أعَـارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْـحِ، وَأَجْـزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ وَأُثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ وَأُكَافِيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ"، "وَاجْعَلْ لِيْ يَداً عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي وَلِسَـاناً عَلَى مَنْ خَـاصَمَنِي وَظَفَراً بِمَنْ عَانَدَنِي وَهَبْ لِي مَكْراً عَلَى مَنْ كَايَدَنِي وَقُدْرَةً عَلَى مَنِ اضْطَهَدَنِي". 

هذا التوازن بين قلوب مفتوحة ممتلئةً إنسانية وبين إرادات قوية تتطلع إلى تحقيق العدل، هو ما أراده الله وهو ما تُبنى به الحياة.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل