09 May 2016
مدير عام المبرّات يشارك في حلقة نقاش حول "العمل الخيري في الزمن المعاصر"

نظمت جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية حلقة نقاش حوارية بعنوان: "العمل الخيري في الزمن المعاصر" لمناسبة الذكرى الـ 138 لتأسيسها، شارك فيها الدكتور خالد قباني المدير العام لمؤسسات الرعاية الاجتماعية - دار الأيتام الإسلامية، والدكتور محمد باقر فضل الله المدير العام لجمعية المبرات الخيرية، والأب بول كرم رئيس مؤسسة كاريتاس لبنان، وفيليب لازاريني نائب الممثلة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان، والكسيس لوبير رئيس قسم التعاون في بعثة الاتحاد الاوروبي في لبنان، وأدار الحلقة الدكتور ناصر ياسين مدير قسم الأبحاث في معهد عصام فارس للسياسات العامة والعلاقات الدولية، وأستاذ السياسة والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت. 

تخلل الحلقة كلمة للدكتور محمد باقر فضل الله حول العمل الخيري في الزمن المعاصر هذا نصّها: 


"حين تهاجر في رحلة التفكير وتعرج بك نحو المقاصد تشعر أنك في واحة لا تفوح منها رائحة التعصب، في زمن يمرح فيه التعصب... تشعر معها بصلة رحمية إيمانية فكرية أخلاقية ووطنية. 

تقرأ في كتاب المقاصد، خلال 138عاماً، تاريخ نهضة بكل الاتجاهات التنويرية والأحلام التطويرية.. تاريخاً ما زال يضيء ولم ينطفئ. وبما أنها تبادل الوفاء بالوفاء فها هي تكرّم اليوم قامة فكرية شجاعة آمنت بثقافة الوحدة والحوار وقبول الاختلاف والتنوع، وهي ثقافة مقاصدية بامتياز تلتقي مع فكر مؤسس المبّرات الذي كان يقدّر للمقاصد دورها الريادي، وللدكتور نشابه صداقته وحكمته وتواضعه ونضج تجربته. 

الدكتور نشابه، أحد أعلام الفكر والتربية والتعليم في لبنان والعالم العربي، والذي استضافته المبرات في مؤتمرها التربوي الرابع والعشرين، كان قد أشار هناك إلى أن كل واحد منّا يستطيع اذا عزم وتوكل، أن يكون أصدق الناس وأكثرهم أمانة ورحمة وتقوى. وهنا نرى اليوم تكريمه صادقاً أميناً تأسياً بنبيه الصادق الأمين... 

وفي مداخلتي حول العمل الخيري في الزمن المعاصر والتحديات التي يواجهها مع كل المشكلات التي تحدث في عالم اليوم فسوف أتحدث باختصار، أولاً، حول ما يتعلق بتغير تمويل الجمعيات الخيرية في السنوات العشر السابقة. وهنا يمكن القول أن النظرة المستقبلية لاستمرار أعمال الرعاية تستوجب تغيراً في عمل المؤسسات، إن من حيث التماشي مع التطوير المستمر وأنظمة الجودة، والتفتيش عن مصادر تمويل دائمة لا تتأثر بمزاج المتبرعين من أهل الخير أو بسياسات المنظمات المانحة، على أن تنبثق هذه المتغيرات من داخل المؤسسات التي ينبغي أن لا تتوقف عن المراهنة على الحس التطوعي وعوامل الخير وتنميتها في نفوس كل فئات المجتمع وبخاصة الشباب منهم. كما أن العامل الإيماني الوثيق الصلة بثقافة مجتمعاتنا الشرقية لا يزال من عواملالاستثمار المهمة في هذا المجال، لما للجانب الديني العاطفي والفكري من أثر في الاندفاع إلى الخير: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)... لا زال الإحسان إلى الخلق، باغاثة الملهوف، والتصدق على المحتاج، وإعانة العاجز، وإكرام اليتيم، لا زالت هذه المفاهيم تلامس أفئدة الناس، وتدعونا إلى العمل على استمرار استثمارها من أجل تنمية مساحات الخير والإحسان، من دون أن نغفل انعكاس الأوضاع الاقتصادية المتردية والصعبة على تمويل الجمعيات، وبشكل خاص، من طبقة الأغنياء الذين تأثر الكثيرون منهم سلباً بالركود الاقتصادي. 

أما فيما يتعلق بأثر الأزمات السياسية والاقتصادية والصراعات في لبنان والمنطقة على تمويل الجمعيات الخيرية، نقول أنه لا شك في أن حجم هذه الأزمات التي عصفت ببلادنا العربية والإسلامية كانت أكبر من أن تقوم المؤسسات الخيرية بحمل أعبائها المتراكمة، لأن هذه المؤسسات في الأصل وجدت كي تُحسن إلى الناس وخصوصاً الأيتام منهم، في الحالات العادية التي تتزايد فيها معدلات اليتم بوتائر طبيعية. 

ولكن مع ما شهدته بلادنا من مآسٍ مهولة فإنّ المؤسسات التي بذلت كل جهد مشكورة، ما عادت قادرة على القيام بالمهمات الإنسانية الصعبة بشكل طبيعي، نظراً للأعداد المتزايدة التي تفرزها الأزمات... وإن إمكانااتها العادية عاجزة عن القيام بمهمات إنسانية غير عادية وغير متوقعة وغير نهائية، ومع ذلك فهي استنفرت كل إمكاناتها لكي تستوعب ما يمكن أن تستوعبه من هذا الحمل الثقيل. 

وفي لبنان، لا زلنا نعاني من إفرازات الحروب الماضية التي خلّفت أزمات اجتماعية قاسية، وفي جمعية المبرّات الخيريّة منذ تأسيسها خلال الحرب الأهلية المفروضة، إلى أيام الاجتياح الاسرائيلي عام 82، إلى حروب الداخل، إلى حرب عام 2006 التي دمرت عدداً من المؤسسات، ورغم كل ذلك، وبمساعدة من أهل الخير، قامت مؤسسات المبرّات بواجبها تجاه مجتمعها، فنفضت عنها غبار الحرب، مستفيدة من تقديمات المنظمات الدولية للدعم النفسي لتلامذتها، ومن الدول المانحة لبناء مؤسساتها التي هدمتها الحرب. 

أما وقد انتشرت الحروب حول لبنان وفي محيطه ما جعل العديد من العائلات الآمنة في وطنها عائلات غير مستقرة وخائفة وقلقة على وجودها ومصيرها، وقد نال لبنان نصيباً وافراً من هجرات تلك العائلات التي نزحت طلباً للأمن، والسؤال المركزي هل باستطاعة لبنان القيام بهذه المهمة منفرداً، لن أخوض في هذا الموضوع هنا، ولكن بالعودة إلى السؤال أشير إلى أن الظروف الحالية لا تشكل بيئة مناسبة لاستثمارات جديدة أو توسيع للخدمات كمّاً، فكان التركيز على إعادة صياغة دور وأعمال ومجالات البنى المتوفرة حالياً... على سبيل المثال، فإنّ المؤسسات تعاملت مع دمج ذوي الاحتياجات الخاصة ممن تعرضوا لاضطرابات ما بعد الصدمات، أو عانوا اضطرابات سلوكية، فبدأت توسّع مساحة هذه الخدمات خارج ميدان الأيتام، وصولاً إلى الحالات الاجتماعية الصعبة، مع ما لذلك من كلفة مادية مرتفعة. وعليه ينبغي أن تتضافر جهود الجمعيات الخيرية مع المنظمات الدولية، وأن تتوزع المهام خلال الأزمات، وفي ذلك ترجمة عملية لمفهوم التكافل الإنساني الذي يجب أن يسود في الأزمنة التي تحصل فيها الأزمات لشعوب في العالم... 

يبقى أن نشير إلى الخطوات التي من المفترض أن تقوم بها الجمعيات لضمان الاستدامة، وفي هذا المجال نلفت إلى الكثير من الطروحات ومنها: 

- ضرورة نشر ثقافة الخير والإحسان، بالتركيز على العاطفة الدينية التي تفكّر في جزاء اليوم الآخر حسبما جاء في الكتب السماوية. 
- إبراز آليات عمل الخير، ودعوة المجتمع للاطلاع على الأعمال الخيرية أولاً والتطوع والمشاركة ثانياً، ليصبح العمل الخيري جزءاً من ثقافته. 
- إنشاء مؤسسات إنتاجية يعود ريعها إلى مؤسسات الخير وعمل الخير، على أن تكون نموذجاً في تقديم الخدمة. 
- مضاعفة الجهد عند أتباع الديانات السماوية لإفشاء ثقافة الخير... 
- تفعيل إنتاجية الأفراد في مؤسسات الخير وتغليب الفكر المهني المعاصر على منظومة العمل الخيري. 
- ترشيد الإنفاق وإدارة الجودة على مستوى الموارد المادية والبشرية بما فيها المكننة. 
- تسييد قيمة الشفافية، كونها تعزز ثقافة الجمهور لتقديم القليل الذي هو أقل من الحرمان والذي يربط المجتمع، كل المجتمع، بعمل الخير الذي يُرى أثره سريعاً على أرض الواقع. 
- الابتعاد قدر الإمكان عن المظاهر الاجتماعية التي لا تتطابق مع واقع المؤسسات وظروف المجتمع الصعبة. 
- إحداث شراكات مع منظمات المجتمع المدني، ولكن مع الانتباه إلى عدم الاعتماد على أحادية التمويل لإن ذلك سوف يعيق عمل المؤسسات عند أي إشكال مع الممول. 
- تبني الحيادية في العمل الخيري، في ظل الأجواء السياسية الخاضعة للمتغيرات والتي تتسم أحياناً بالفئوية، لتبقى المواطنة الهوية الجامعة للمجتمع، والضابطة للعمل الخيري. 

ختاماً، إنّ العمل على نشر ثقافة الإحسان وثقافة العطاء يجب أن يكون شغل المؤسسات الفكرية والثقافية والإنسانية الشاغل هذه الأيام، فمن دون هذه الثقافة لا يمكن أن يقوم الأفراد والجماعات والدول بما يتوجب عليهم القيام به، من التزامٍ أخوي وإنساني ووطني وقومي وديني، "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير...." وليس أجمل من أن نختم بقول الرسول(ص) "جِماعُ التقوى في قوله تعالى (إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسان).."

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل