06 May 2016
في ذكرى المبعث النبوي: للارتقاء نحو افاق العلم والمعرفة
في ذكرى المبعث النبوي: للارتقاء نحو افاق العلم والمعرفة

خطبة صلاة الجمعة 6 أيار 2016 الموافق ل 29 رجب 1437 

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته: 

بسم الله الرحمن الرحيم 
ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ*مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ* وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ* وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ" 
صدق الله العظيم 

إختلف المفسرون في معنى القلم فمنهم من قال أنه القلم الذي تخط به صحائف أعمال البشر أو القلم الذي تخط به الملائكة العظام الوحي السماوي. ولكن كون هذه السورة مكية.. لذا قد يرجح القلم هنا، ما كان متعارفا عليه عند العرب. وما هو متعارف عليه لدينا للكتابة...و هذا المعنى فيه دلالة عميقة و بالغة لا يمكن تجاوزها، كون الله أقسم به أولاً وقدمه على ما سواه ، و ثانياً كون الكتابة عند العرب في مكة كانت صنعة نادرة لم يدركها إلا القليل في مكة وكان مجتمعهم مجتمع ( الأميين: هو الذي بعث في الأميين..) و على كل فالأمم كانت في ذلك الزمن بأكثرها أمية فمن هنا الأهمية. 

و لكن هذا المعنى و إن كان ثوريا نسبة إلى المجتمع الذي نزل به ومعنى تغييرياً.. و لكنه متناسق ومنسجم مع عمق القران وظاهره ومع آياته التي كانت تتوالى على الرسول ومنذ بدئها إلى اكتمالها. 

في السابع والعشرون من شهر رجب الحرام نزل جبريل على رسول الله وهو في غار حراء يتعبد ويتفكر ويتأمل، ليبلغه الآيات التي ستكون الأساس في فتح القلوب على الدعوة التي أمره الله بتبليغها للناس كافة.. فبدونها لن تبلغ الرسالة أهدافها ولن يتحقق مشروعها: 
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. 
تعالوا نتأمل في مدلول هذا التوقيت والاختيار .. ​

فمن اللحائظ اللطيفة هو هذا التناظر بين الإيذان بنبوة محمد(ص) و بتكريم آدم من نفس العنوان من عنوان العلم {عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} و حتى أن الملائكة عندما وضعوا عبادتهم و تسبيحاتهم، وهي مهمة طبعا، كأساس لسؤالهم عن سبب خلق آدم و هم موجودون, وضع الله علم آدم كمفاضلة.{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ* } إلى أن قال عز من قائل: {... يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ..} 

والسبيل إلى العلم هو القراءة وهو من علامات القوة وهذا أيضا بادٍ في القرآن في عدة مواضع منها ما ورد في سورة النمل: " قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ،قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ..}, فالعلم هو السلاح الأمضى هو العلامة لتقدم الأمم و تأخرها و القوة التي تُبنى بغير العلم هي قصيرة المدى لا يعوَّل عليها كقوة حقيقية وثابتة ومستقرة. 

وهذا المعنى واضح و جلي في واقعنا تمام الوضوح، فالأمم التي تملك مفاتيح العلم و تُطبع فيها الكتب و تقرأ وتؤلف وتنتج علوماً ومعارفهي التي تتسيد هذا العالم، و تسيره وفق ما تريد. ولذلك فإن ما تخشاه القوى الإستكبارية هو أن تملك الدول التي تتعارض مع مصالحها، للقدرات العلمية أولاً وآخراً ويظل هذا هاجس استخباراتها، من هنا عمليات اغتيال العلماء من فترة الى أخرى في بلدان العالم العربي والاسلامي وآخرها كان اغتيال العلماء للطاقة النووية في الجمهورية الإسلامية في إيران . 

ايها الأحبة: 
إن فعل القراءة كأساس لبناء المعرفة والوعي والثقافة، هو ما توجه به الله سبحانه وتعالى إلى رسوله في أول خطاب له بالوحي، وهو ما أراده الله لأمته أن تكون: الأمة القارئة والأمة الواعية. 

ونظرة إلى الماضي الإسلامي تؤكد هذا المعنى فالمنهج القرآني المُفتَتَح بإقرأ والاهتمام الذي أولاه الإسلام بالكتابة و القراءة ومحو الأمية واضح و جلي من خلال عتق الأسارى لقاء التعليم وهذه البذرة التغييرية هي التي نقلت العرب من مجتمع جله أمي (و إن كان يتقن فنون الشعر) إلى أمة متعلمة انتشرت فيها المكتبات العامة و حتى المقاهي الثقافية ودور الأوراق و الترجمة التي كانت حركتها نشيطة و مكافأتها جزيلة – طبعاً نحن لسنا من دعاة تقديس التراث والزهو بالتاريخ بغير عين ناقدة- و لكنه في موضوع النتاج الثقافي عند فإن النقلة من حال إلى حال كانت بسرعة سبقت الأمم في حينه، بشكل كبير ويشهد لذلك العدد الهائل من الكتب و المطبوعات التي أنتجتها تلك المرحلة. 

ذلك كان في الماضي، أما اليوم فإننا نحن الذين تأخرنا عن الأمم و بشكل مخز، وها هي الاحصاءات تنذرنا بتدني معدلات القراءة اليومية والترجمة وهي في تراجع.. 

و لنعد إلى إقرأ مجدداً، وللأسف، فإن تأملاتنا القرآنية لا نسيّلها نقدا ً لواقعنا، بعمق يتناسب مع عمق مففاهيم القران، ف"إقرأ" التي خاطب الله بها رسوله هي ليست إقرأ في الإطار الشرعي فقط بل هي "اقرأ" مقرونة بمفاهيم متناهية وغير محدودة كالخلق – {إقرا باسم ربك الذي خَلَق خلق الإنسان من علق إقرا و ربك الأكرم }– قرن الله بين القراءة و الأفق الأوسع.. أفق الخلق الطبيعي (العلق و الآفاق والسموات والأرض) و الخلق الذاتي (الروح و علّم الإنسان ما لم يعلم). أراد الله ل"إقرأ" أن تكون نافذة واسعة، للإنسان على الإنسان و على الطبيعية و على الخالق لينهل من العلوم و التجارب و الظواهر و الأفكار من علوم الناس على اختلافاتهم العقدية و الفلسفية والفكرية وغيرها من العلوم التي نحن مدعوون لنقرأها ... 

و من هنا عندما نتحدث عن كمية أو إحصاءات عن عدد الساعات أو الدقائق التي يقرأ بها الفرد فهذه على فرض صحة الإحصائيات، مهمة، لكن الأهم هو نوع القراءة و تنوعها وعمقها وجديتها، فإن قرأ المرء الساعات الطوال يومياً بما لا يُخرج العقل من حدود الدوائر الضيقة التي يعيشها الإنسان فهذه قراءة لا توصلك الى الفضاءات الرحبة، بل المطلوب القراءة الموسعة التي يراد منها تكسير الحواجز وردم الهوات و توسعة الآفاق و التعرف على الآخر لا الخوف من نتاجه الفكري ومن كتبه وحرمانه من حقه في أن يُقرأ وصولاً إلى منعها ومصادرتها فنحن للأسف ثقافتنا لا تزال تعيش في إطار محارق الكتب ومصادرتها لمحتواها أو حتى لهوية مؤلفها و خلفيته... 

ايها الاحبة 

نحن مطالبون بأن نقرأ بوعي و دون أفكار مسبقة كذلك من دون استسلام و تلق أعمى وحفظ ببغائي. مطلوب أن نحرر عقولنا ونطلقها في الفضاء الرحب أن نخرجها من السجون الاجتماعية و الفكرية والسياسية والدينية.. ان للعلم عدة سبل ووسائل ويبقى أوسعها مدى وغنى وأكثرها موضوعية هي القراءة ولذلك نحن أحوج إلى تدريب أنفسنا وتعزيز قيمتها بيننا فهي ليست خياراً بل فرضاً. 

ايها الاحبة 

في ذكرى المبعث النبوي الشريف نحن مدعوون لنرتقي نحو افاق العلم والمعرفة ونترفع عن الضحالة والهوامش الضيقة التي تثقلنا الى الارض وتحرمنا الهواء النقي في الاعالي. 

رسول الله جاءنا بالعلم والاخلاق وفتح قلوب الناس بالقراءة والتعلم واستطاع أن ينقلهم من ظلام جاهليتهم الى نور رسالته 

ان من يأتي بالقراءة والتفكر والتعرف والتأمل لا يمكن أن تشمل رسالته ما يغلق العقولوالقلوب وكل ما يؤدي إلى الاقصاء والالغاء والتدمير...علينا كعلماء وباحثين أن نعيد النظر بالموروثات التي أدت إلى كل هذا الواقع السيء الذي نعاني منه وأن لا نكتفي باعلاء الصوت بل بإكثار العمل تعبيرا عما بعث به رسول الرحمة والعلم والايمان والحمدلله الذي من علينا بنبيه ليكون هدي وبشيراً ونذيراً وسراجاً منيراً والحمدلله رب العالمين

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل