29 Mar 2016
النّفس اللّوّامة تسمو بالإنسان إلى الخير والكمال
النّفس اللّوّامة تسمو بالإنسان إلى الخير والكمال

خطبة صلاة الجمعة 25 آذار 2016 الموافق ل 16 جمادى الآخرة 1437 هـ 

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته: 

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}[المؤمنون: 12-15]. صدق الله العظيم. 

التَّلاوم بين النّاس أمر طبيعيّ، بل هو ضروريّ ليفهم بعضهم بعضاً، وهو يرتبط بالنِّظام الاجتماعيّ. فعندما يلوم أحد منّا شخصاً آخر، فهو يحكم على أعماله الخارجيّة، لأنّه ببساطة لا يعلم نواياه ودوافعه وبواطنه، لذا هو يسأله ويستوضح منه هذه المسألة أو تلك، وقد يتّفقان أو يختلفان بعد الأخذ والعطاء والشّرح، واللّوم هنا، كما ذكرنا، أمرٌ طبيعي. 

ولكن عندما يرتكب أيّ منّا خطأً أو ذنباً بحقِّ نفسه أو بحقِّ الآخرين، فعند كلٍّ منّا صوتٌ داخليٌّ يلومه على ما فعل، ومن هنا كان تعبير "الشّعور بالذَّنب". هذا الشّعور الطبيعيّ لدينا، هو عندنا منذ الصِّغر، يخبو أحياناً، ويقوى أحياناً أخرى. ولعلّ هذا الصَّوت هو نفسه ذاك الّذي يدفعنا إلى التفكّر وتنمية الآداب والفنون، والتّطوير والإبداع... 

البعد المادّيّ في خلق الإنسان 

ولكن ما هو هذا الصَّوت؟ هل هي نفسناالّتي تلومنا؟ وإن كانت جزءاً منّا، فلم تلومنا؟ ما طبيعتها؟ وكيف أنها في لحظاتٍ تنفصل عنّا، وتشكّل رقيباً عتيداً علينا؟ 

وللجواب، علينا أن نفصِّل بالعودة إلى الآيات الّتي تلوناها وبدأنا بها خطبتنا، والّتي تتناول خلق الإنسان وتركيبته {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ...}. إلى آخر الآيات. 

وهنا للإشارة، يحاول الكثير من المادّيّين أن يبنوا على التّشابه التّكويني للإنسان مع باقي الكائنات، لينفوا عنه أيّ تميّزٍ معتبرٍ. فالإنسان على الصّعيد التّكوينيّ والجينيّ ليس بدعاً فريداً من المخلوقات، فخريطته الجينيّة لها ما يماثلها بنسبٍ تفوق ال95%، وهو ليس أقوى المخلوقات ولا أسرعها ولا أرشقها. نعم، هو لا شكّ أذكى المخلوقات. ولكن حسب النّظريَّة الماديَّة، يبقى الإنسان نتاج مادَّة الطَّبيعة الصمَّاء، مثله مثل باقي الحيوانات، ومن هنا ادّعاء المادّيّين أن لا مكانة مميَّزة للإنسان، ثم يقفزون قفزةً أخرى لينفوا من خلال ذلك وجود الخالق الّذي ميّز الإنسان وكرَّمه! 

والقرآن، أيّها الأحبَّة، لم يأت يوماً ليقول إنَّ الإنسان كائن من نور، أو إنّه خلاف الطّبيعة والمادَّة، بل أكَّد في العديد من المواضع، أنَّ الإنسان من طين (ومن ماء مهين)، (ومن حمأ مسنون، وهو طين أسود).. إذاً، فاعتبار الإنسان مادّةً (من التراب)، فهذا صحيح وليس بجديد، أمَّا سرّ الله في تكوين هذه المادّة، فهذا عنده، وخاصّ به وحده سبحانه: {صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}[النّمل: 88]، ويريه للعلماء المتخصِّصين بعد تفكّرٍ في الآفاق وفي أنفسهم {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}[فصِّلت: 53]. 

بعدان في تركيبة الإنسان 

إذاً.. هذا البعد المادّيّ (نطفة وعلقة ومضغة وعظام ولحم)، كلّ هذا يشترك فيه الإنسان مع جميع المخلوقات، لكن ما يميِّز الإنسان ويجعله مكرَّماً، هو ما يشير اليه القرآن الكريم: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ}[المؤمنون: 14].. هذا الخلق هو الرّوح التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الإنسان، والّتي أشار إليها في آيةٍ أخرى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}[الحجر: 29].. ومن هنا، يقال إنَّ الرّوح هي من مختصّات الإنسان ومميّزاته، فلا يقال عن بقيّة الكائنات الحيّة، كالحيوان، إنّ لها روحاً، بل يقال إنّ لها أنفساً. 

إذاً، تركيبة الإنسان تتشكّل من بعدين؛ البعد المادّيّ والبعد الرّوحيّ، وهو ما جعل النّفس الإنسانيّة نفساً مركَّبة: 

- نَفْساً تنشدّ من خلال فطرتها وارتباطها بالرّوح إلى السّموّ والكمال. 

- ونَفْساً أخرى تنشدّ إلى مادّتها المكوَّنة من طين، ومما هو في مفهومنا أحقر من الطّين، وهو الحمأ المسنون. 

ومن هذه الازدواجيّة ذاتها النَّاشئة داخل النّفس، يدور الصِّراع الدّاخليّ المحموم بين النفس الأمّارة بالسّوء ـ والسّوء هنا تعبير اصطلاحيّ، ويعني الغريزة الّتي تدعو الإنسان إلى أن يخضع لأهوائه وشهواته ومادّيته ـ وبين النّفس المرتبطة بالرّوح، وهذه هي النَّفس اللّوّامة، الّتي تلوم الإنسان وتدعوه إلى أن يسمو إلى حيث يريد الله؛ إلى القيم الّتي يريدها للحياة، إلى الخير والكمال. وهذه النَّفس بحكم تكوينها ودورها، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، هي زاجرة للشّرّ، دافعة للخير، لتعبِّر بذلك عن الفطرة السَّليمة التي أودعها الله في النّفس. 

تكريم النَّفس اللّوّامة 

من هنا، كرَّم الله سبحانه وتعالى النّفس اللّوّامة، ورفع منزلتها، وأرادها أن تكون خياراً أساسيّاً في بناء الشخصيّة، فأقسم بها، وقال عزّ وجلّ: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}، و(لا) هنا جاءت للتّأكيد، لا للنّفي كما قد يتصوّر البعض. 

وقد قرن الله سبحانه وتعالى بين القسم بها والقسم بيوم القيامة، ليبيّن مدى الارتباط بينهما، فالمحاكمة الدّائمة للإنسان الّتي تتولّاها النفس اللوّامة، ويريدها الله أن تجري في الدّنيا عند ارتكاب الأخطاء والتّقصير، تمثّل صورةً مصغَّرة عن تلك المحاكمة التي تجري في الآخرة، حين يُسأل الإنسان عن تقصيره وانحرافاته. 

وقد بيّن رسول الله أهميّة هذه النّفس، حين جعل منها مرجعاً يرجع إليه في تمييز الحلال من الحرام، والخير من الشّرّ، فعندما جاءه رجل ليسأله عمّا يقيس بهالحلال من الحرام، قال له(ص): "استفتِ قلبك، استفتِ نفسك. البرُّ ما اطمأنّتْ إليه النَّفس واطمأنَّ إليه القلب، والإثم ما حاك في النَّفس، وتردّد في الصّدر، وإن أفتاك النّاس وأفتوك". 

وقد قال رسول الله(ص): "وإذا أراد الله بعبد خيراً، جعل له واعظاً من نفسه يأمره وينهاه". 

فلاح الإنسان بتزكية نفسه 

أيّها الأحبَّة: في سورة الشَّمس، أقسم الله سبحانه وتعالى بأحد عشر مظهراً من مظاهر الخليقة، وبذاته عزّ وجلّ، تأكيداً أنَّ فلاح الإنسان يتوقَّف على تزكية نفسه وعلى تطهيرها، وعلى نوع الخيار الّذي يأخذه، فقال: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}[الشّمس: 7-10]. 

والفجور يشمل كلّ العوامل والأسباب والطّرق الّتي تؤدّي بالإنسان إلى المعاصي والذّنوب، وصولاً إلى الكفر واتّباع خطوات الشّيطان. 

والتّقوى هي حصن الإنسان الَّذي يقيه من الوقوع في المهالك والذّنوب والانحراف ععن خطّ الله، وتزكية النّفس وتطهيرها تتمّ عبر النّفس اللّوامة، أي الضّمير الحيّ، والقلب السّليم، والفطرة الصّادقة. 

أيّها الأحبّة: كم نخشى على أنفسنا عندما يخبو هذا الصَّوت، حين يتعطّل دوره وفاعليّته، أو عندما يخرس أو يصاب بالشَّلل الدَّائم. 

كم نخشى على المجتمع عندما يُبتلى بأفرادٍ مات الشّعور بالذَّنب لديهم، وكلّ ما يفعلونه يرون أنّه هو الصَّواب وأنهم فوق النّقد. 

كم نخشى على بلدٍ يُبتلَى بمن هم في مواقع المسوؤليَّة واتخاذ القرارات، ويرتكبون أشدّ الأخطاء والقبائح بحقّ النَّاس والوطن.. (حتى ولو وصل الأمر كما حصل، أن تمتلئ الشَّوارع بالنِّفايات، ويعجّ الهواء بالتلوّث، في مشهدٍ لا نراه حتّى في عالم الحيوان، الّذي لا يمكن أن يتعايش مع نفاياته بالطّريقة الّتي حصلت عندنا). ثمّ علينا أن نفرح لأنَّ الأزمة كما يُشاع حلَّت، متناسين أنها يمكن في أيِّ لحظة أن تعود. 

لقد أصبح الفساد تشاطراً، والمصالح فوق كلّ اعتبار.. تراهم لا ترمش لهم عين، ولا يرفّ لهم جفن، ولا يساورهم للحظات أيّ شكّ في أنّهم في الموقع الخطأ، وأنَّ النّاس يعانون ويتألّمون مما تجنيه أيديهم. لو كان لديهم نفس تلومهم وضمير حيّ يحاسبهم، لكنّا على الأقلّ سمعنا بتنحّ هنا أو باستقالات هناك. ولكن للأسف، صار الضّمير مدجّناً ومغلّفاً بألف تبرير وتبرير، وهذا الصّوت الدّاخليّ أعفوه من مهمّاته، أعطوه إجازات طويلة، تماماً كما يعطون العديد من محاسيبهم في إداراتهم إجازات طويلة ومفتوحة ومدفوعة الثّمن. 

إنَّ حديث تغييب الضّمير وإسكات الصّوت الدّاخليّ، هو حديث يطول في أيّامنا هذه على المستوى السياسيّ والمذهبي والدّينيّ والاجتماعيّ، حيث الفقر الإنسانيّ على أشدّه، وفي حالات يندى لها الجبين. 

أيّها الأحبّة، إن لم يكن باستطاعتنا إيقاظ ضمائر العالم، فعلى الأقلّ، على كلّ منّا أن يعي ويكون صاحياً لنفسه. وندعو الله أن يعيننا بما يعين به الصّالحين على أنفسهم، وندعو من أعماق قلوبنا: اللّهمَّ ألهمني القدرة على الإمساك بزمام نفسي، والقدرة على التّمييز في كلّ كلمة وموقف ورأي وسلوك، بين ما يحطّني إلى الأرض، وما يسمو بي إلى الأعلى. 

"اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، فلا حول لنا إلا بقدرتك، ولا قوّة لنا إلا بعصمتك".

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل