11 Mar 2016
سيل الحق وزبد الباطل
سيل الحق وزبد الباطل

خطبة صلاة الجمعة 11 آذار 2016 الموافق ل 2 جمادى الآخرة 1437 هـ

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز
{أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ}
ما اختلف اثنان أو جماعتان، في أي عصر حول قضية ما، أو أمر مادي أو غير مادي، إلا وكان جوهر هذا الخلاف أو الصراع إدعاء كل طرف أنه هو صاحب الحق، ومن يُمثّل جانب الحق، وأن الطرف الآخر مُعتدٍ وأنه على باطل. والمتأمل في صراعات العصر، يجد من النماذج ما لا عدّ له ولا حصر، ويصدق هذا على أي فترة من عمر البشرية. فما هو الحق، وهل من معيار أو ميزان يُعيننا على تمييز الحق مما هو غير الحق؟

تقول اللغة إن الحق هو الأمر الثابت والمؤكد، فالحق يحكي عن واقع الامور وحقائق الأشياء. الحق هو نقيض الباطل، وينافي النفاق، وهو خلاف الظلم والفسق والفساد والطغيان وكل ما يُحدث خللا في حركة الحياة، فالعدل حق، والصدق حق، والإحسان حق، والتواضع، والأمانة والأخوة وكل ما هو من عند الله سبحانه حق، لأنه مصدر القيم الخيرة والبنّاءة والراسخة والمثمرة، خلافاً لقيم الباطل التي هي معول هدم وتخريب.

والقرآن الكريم أطلق الحق على أكثر من معنى سنمر عليها سريعاً:
- على الذات الالهية المقدسة لكونه الحقيقة التي لا شك فيها ولكونه مصدر الخير والنفع للانسان والوجود: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ}

- ويطلق القرآن مصطلح الحق على الإسلام كدين للهداية وصناعة الحياة الخيّرة:
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.

- ويطلقه ايضا على الصواب والهداية:
{… قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.
{...لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

- ويطلق الحق على الصدق والوضوح:
{إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

- وعلى العدل والإنصاف والمساواة:
{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}

- وعلى اليقين أيضاً:
{‏وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً‏‏‏‏}.

- وعلى الواجب المفروض:
{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}.
{وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا}.

-وعلى الحكمة والقدرة والعلم في الخلق:
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}

ومن خلال ما استعرضنا يتبيّن لنا لماذا سمى الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم بالفُرْقان، فهو الكتاب الذي يفرق، أي يُميّز الحق من الباطل، والهداية من الضلال، والمولى يضع هذه الحقائق أمام الإنسان ويخيّره: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}.

وهذا انما يعني أن اتِّباع الحق خيارٌ، وليس فرضاً وجبراً وقهراً، وأن مسيرة الحياة يحكمها خياران: خيار الحق المتفرّع من خط الإيمان وخيار الباطل الذي يجسد الكفر والشرك واتباع الشيطان وأهواء النفس.

أيها الاحبة :

لقد اقتضت سنن الله سبحانه وتعالى أن يستمر صراع الحق مع الباطل ما دام ميدان الإبتلاء مفتوحاً. وقد يحقق الباطل انتصارات هنا وهناك، لكن القرآن الكريم يحدثنا عن وعد قاطع من الله سبحانه بهزيمة الباطل أمام الحق: { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}.
{ ....وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} { لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}

لكن نصر الحق لا ينزل على أهل الحق بسلة من السماء. فللنصر شروط، فهو يحتاج إلى رافعة، ودعم، وجنود مؤمنين بأحقيّة قضيتهم.
قد يربح الباطل جولة أو جولات والسبب غفلة أصحاب الحق وأهل الحق عن حقّهم، أو لضعفهم وتفرَق كلمتهم، أو لأنهم تخلوا عن تكاليفهم.
يقول الإمام علي(ع): «حين سكت أهل الحق عن الباطل توهَّم أهل الباطل أنهم على حق» ... كي ينتصر الحق ليس بحاجة إلى كثير من التنظير، وإلى كثير من ناقدين يتربعون على منابر الفضائيات، ليقولوا ما يجب وما لا يجب كي ينتصر الحق.

لقد قص القرآن الكريم الكثير من قصص انتصار الحق على الباطل بالصبر والثبات على الحق، منها أول نصر حققه المسلمون على مشركي قريش في يوم الفرقان: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
ومنها انتصار موسى على سحرة فرعون:
{وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

مثل هذا النصر الذي كانه ينزله الله سبحانه على أهل الحق، كان وعداً والله تعالى لا يخلف وعده مع المؤمنين الصادقين الثابتين على الحق:
{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}.
{فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ}.

والباطل ايها الاحبة ايها الاخوة والاخوات مهما ساد وتمكّن من قواعد في الأرض فإنه يحمل بذور فنائه في جميع منظوماته التي يؤسسها. وقد يبدو ظاهرياً، خصوصاً لمن هم في خدمته، أن أركان الباطل راسخة وثابتة، ولا يُمكن زعزعتها، إلا أن سنة الله لا تبديل لها:
{ ... إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

وفي الوقت نفسه فإن علو الباطل، والفترة التي يسود فيها، تكون امتحاناً وإبتلاء لأهل الحق، لإن الباطل لا يُعدم أن يجد أنصاراً يعملون في خدمته، حتى داخل أهل الحق، فيُجرب معهم أسلحة المال أو القوة أو الإرهاب أو أساليب ومغريات أخرى فيسقط الكثير من الناس من جادة الحق الى مهاوي الباطل.. مرات عن وعي وإرادة، ومرات عن جهل وغفلة وعدم وضوح رؤية وغياب البناء الذاتي.

لذا على كل فرد أن يعد نفسه ويستعد دوماً من أجل ان يضطلع بمسؤولية هي على رأس الصفات التي تجعل منه انسانا.. ان الوقوف الى جانب الحق هو ليس خياراً في فضاء الانسانية بل هو شرط لازم ..هو واجب..وهو ما يحقق غنى إنسانيته ويبعد عنه الفقر... هذا الفقر الانساني المدقع الذي بات سمة الحياة في هذا العصر

لذا من هذا الباب لا يجوز التذرع بأي حجة للوقوف على الحياد عند تشخيص الحق من الباطل:
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}.
وفي حديث للرسول(ص): «الحق ثقيل مرٌّ والباطل ضعيف حلو».

أيها الاحبة إن الحق واضح، والإنسان قادر على تمييزه من الباطل بالفطرة، والله أوضح طرقه، وسبله وأعطى الإنسان ما يمكنه من معرفته (عقل، رسالات سماوية وانبياء). إذاً لماذا يضل الكثيرون، وينحرفون عند جادة الحق.
يجيب الإمام علي(ع) محدداً لنا ما يصدّ الإنسان عن الحق واتباع الحق ونصرة الحق فيقول: «أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم إثنان: إتباع الهوى وطول الأمل. فأما إتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسى الآخرة».

فمتى جعل الإنسان مصالحه ومنفعته وأهواءه وملذاته هي البوصلة، فإنه يسلك مختاراً سبل الباطل، ويبيع الحق، والعدل، والأخلاق والإيمان مختاراً طائعاً. هكذا إنسان فإن الحق أثقل ما يكون عليه حتى ولو كانت كلمة ينطق بها في موقف. الميزان عنده المصلحة والمنفعة.

أما الصادعون بقول الحق، والممسكون بحبل الحق، فهم العاملون بوصية إمام الحق(ع): «اصبر على مرارة الحق وإياك أن تخدع لحلاوة الباطل». هؤلاء يتمسكون بقول الحق، والعمل بالحق في الرضا والغضب عملاً بقول رسول الله(ص): «السابقون إلى ظل العرش طوبى لهم. قيل: يا رسول الله من هم؟ فقال: الذين يقبلون الحق إذا سمعوه، ويبذلونه إذا سُئِلوه، ويحكمون للناس كحكمهم لأنفسهم».

أيها الاحبة
ان موضوع الحق متشعب ومتشابك ويحتاج ان نخصص له اكثر من خطبة وسنتابع ذلك ان شاء الله ..
وأخيراً لا يسعنا ونحن في محضر بيت الله بيت الحق..إلا ان نعلن ولاءنا للحق ان نكون معه نسعى لمعرفته ونتثبت منه ندور معه كيفما دار ونتحمل لأجله..
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه..
اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه وما قصرنا عنه فبلغناه
اللهم ثبتنا ما أحييتنا على طريق الحق ولو قل سالكوه..
انك سميع مجيب
والحمدلله رب العالمين

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل