22 Feb 2016
علي وفاطمة: نموذج الأسرة الرسالية
علي وفاطمة: نموذج الأسرة الرسالية

خطبة صلاة الجمعة 19 شباط 2016 الموافق ل 10 جمادى الأولى 1437 هـ

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

قال الله سبحانه وتعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}، صدق الله العظيم.

في الثالث عشر من جمادى الأولى من العام الحادي عشر للهجرة وقف علي(ع) مع ثلة محدودة من أصحابه وأهل بيته ليسجوا الزهراء سراً و ليلاً، لقد أرادت الزهراء(ع) أن يمثِّل دفنها موقفاً و هي التي كانت حياتها الطاهرة كلها مواقف و في مختلف المجالات .

لقد كان وقع هذه الوفاة كبيراً على قلب أمير المؤمنين(ع).. وقد عبر عن ذلك بدموعه وبكلمات الوداع ألقاها على قبرها الشريف: "السلام عليك يا رسول الله، عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك، والبائتة في الثرىٰ ببقعتك، والــــــمختار الله لهــــا سرعة اللحاق بك.. قلّ يا رسول الله، عن صفيّتك صبري، ورَقَّ عنها تجلُّدي، إلا أنّ في التأسّي لي بعظيم فُرقتك، وفادح مصيبتك، موضع تعزٍّ، فلقد وسّدتُك في ملحدةِ قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسُكَ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. فلقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينةُ!أما حزني فسرمَدٌ، وأما ليلي فمُسهّدٌ، إلى أن يختارَ الله لي دارك الّتي أنت بها مقيم".

وفي موقف مماثل وقف رسول الله (ص) بعد فتح مكة، عند قبر السيدة خديجة، وذرف الدمع و هو الذي كان في كل حياتها وبعد وفاتها يذكرها ويثني عليها ويجلها ويبين موقعها منه ومن الرسالة.. حتى كان من نسائه من يغار منها، وقد قالت إحدى زوجاته وهي عائشة:

كانَ رَسولُ اللَّهِ (ص)لا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنَ الْبَيْتِ حَتَّى يَذْكُرُ خَدِيجَةَ ، فَيُحْسِنُ عَلَيْهَا الثَّنَاءَ ، فَذَكَرَهَا يَوْمًا مِنَ الأَيَّامِ ، فَأَدْرَكَتْنِي الْغَيْرَةُ فَقُلْتُ : هَلْ كَانَتْ إِلا عَجوزًا ، فَقَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا ، فَغَضِبَ حَتَّى اهْتَزَّ مُقَدَّمُ شَعْرِهِ مِنَ الْغَضَبِ ، ثُمَّ قَالَ : " لا وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهَا ، وَقَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ ، وَصَدَّقَتْنِي وَكَذَّبَنِي النَّاسُ ، وَوَاسَتْنِي مِنْ مَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الأَوْلادَ مِنْهَا ، إِذْ حَرَمَنِي أَوْلادَ النِّسَاءِ".

هذان المشهدان من وقوف علي عند قبر زوجته الزهراء ووقوف رسول الله عند قبر زوجته خديجة، نافذة تطل بنا لتصحح نظرة مغلوطة حول موقع المرأة وأهميتها في الاسلام، تلك النظرة المتداولة، التي عادة ما تختلط فيها العادات مع الدين لتشي بنظرة دونية إلى المرأة في التراث الديني _ و لكن هذا مبحث آخر _ و لكن ما نريده في هذا المقام هو النظر إلى هذا البيت الرسالي , الى هذا الزواج (زواج علي بفاطمة)الذي غير مجرى التاريخ من خلال ذرية طاهرة ممتدة عبر الزمن، ذرية هي القرآن الناطق وهي عدل القرآن والاسلام.

ونحن أيّها الأحبّة.. كما نحن بحاجة لاستلهام علي وفاطمة كل منهما على حدة، ككقدوة ونموذج، فإننا أحوج أيضاً، أن نستلهمهما كقدوة في اجتماعهما لتشكيل نواة الأسرة الرسالية، فيكون زواجهما خير نموذج نفهم من خلاله، مترتبات العقد الزوجي ومتطلباته وفق ما يدعو اليه الاسلام.

وهنا نشير إلى مبادئ أربعة:

أولاً مبدأ الكفاءة والتكاف...والمقصود بذلك هو التّناسب المطلوب بين الزوجين و في هذا نظرة تؤكد على عدم تهميش المرأة وتحييدها في اتخاذ قرار الزواج فصفاتها وعناصر شخصيتها وطباعها تحدد اهلية المتقدم للزواج بها والعكس صحيح .. في زواج علي وفاطمة برز مفهوم الكفاءة في حديث رسول الله: لولا أن الله خلق علي لما كان لفاطمة كفوء.. ومعلوم كم تقدم للزهراء من عروض كثيرة للزواج بها وكانت ترفضها.. (ولم تنفرج أساريرها إلا لعلي)

المبدأ الثاني: هو التوافق حول الهدف الرسالي من الزواج و ماذا نبتغي منه وكيف نفهمه ؟ وما يشكل هذا الزواج في خط المسوؤلية أمام الله .. لقد تطابقت نظرة علي وفاطمة للزواج فقد اعتبراه موقعا لعبادة الله وطاعته وبناء ذرية صالحة تسير في خط الله.. لذا لم يسعوا للرفاه والعيش الرغيد وينسوا مسؤولياتهم ودورهم الرسالي .. بل حضر الاسلام والدين الى كل مفاصل هذا البيت ويستشهد القرآن بمشهد من داخله يوم مرض الحسن والحسين فنذرا لله ان يصوما لأيام ثلاثة إن شفيا {يوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}

المبدأ الثالث: الذي نستلهمه من زواج علي والزهراء هو على مستوى المفهوم والذي يصحح نظرة تقليدية هي ليست من الاسلام، المبدأ هو المشاركة في حمل أعباء الحياة والبيت وتكامل الأدوار فيها، فلا يقع العبء على الزوجة دون الزوج ويصبح العمل المنزلي من اختصاصها دونه. وكلنا يعلم كيف كانت الزهراء تطحن وتعجن وتخبز وكان هو يكنس ويستقي ويحتطب .

الرابع: المودّة والرحمة، والمقصود بها المحبّة الّتي تتمظهر بالكلام والسّلوك، فلا تبنى حياة زوجيّة بلا عاطفة، والتي تمثّل ركيزتها وعمقها والعنوان الأساسي لامتدادها. والعاطفة تستوجب الرحمة من الطرفين . تذكر السيرة كيف كان امير المؤمنين يشفق من تعبها في العمل المنزلي فلجأ لأبيها ليجد عنده الحل لما هي فيه من ارهاق .. وكانت الوصفة التي اراحتهما.. التسبيحات التي كانت زادا روحيا لهما ولاولادهما .. وما زلنا ننعم بهذه التسبيحات الى اليوم لتكون علاجا وزادا يعيننا على ظروف الحياة وصعوباتها ..

المهم أن هذه المبادئ هي الّتي ينبغي أن تحكم الزواج وفق اقتدائنا بعلي وفاطمة لأنه اليوم غالباً ما يتوفر عنصر من الأربعة و خاصة العاطفة الأولية و الإعجاب و هذا كما ذكرنا أمر مطلوب و لكنه وحده لا ديمومة له .. ينبغي ان يبنى الزواج على أعمدة متينة وركائز كي نضمن استمراريته، نعيش اليوم في وقت نلمس فيه فصلا بين الزواج كمشروع وبين الهدف الرسالي منه...

الزواج صار امرا دنيوياً محضاً وليس محط مسؤولية رسالية ، تُسأل عنها الزوجة كما يُسأل عنها الزوج يوم القيامة.. للأسف العلاقات داخل الاسرة الواحدة لا تشي كثيراً بحس المسؤولية الرسالية او الجدية نتيجة جهل او قلة وعي واهتمام.. جل الهم لدى الأسر هو تأمين المادة والحاجات والبحث عن الرفاه وفرص اللهو والكيف والانس بشكل مبالغ فيه ..في المقابل نصطدم بقلة الصبر على ظروف الزوج او في عدم رحمة الزوجة ونراه في ضيق الصدر من الاولاد والمسؤوليات لدرجة الهروب للأسف.. امثلة بسيطة هي امام اعيننا .. لذا نقول وننصح كحل لكثير مما تعانيه اسرنا وصولاً للطلاق الذي ترتفع نسبته لأتفه الأسباب، ان عودوا لأجواء الرسالة فلننهل من اجواء بيت علي وفاطمة حيث الصفاء والطهر والتعاون .. وليكن الصبر والمودة والرحمة والنظر الى مشروع الزواج بعين الجدية والمسؤولية من الطرفين لينعموا بالنتائج بعد ذلك.

هذه المبادئ وغيرها مما نستلهمه من دروس البيت النبوي يجب ان نحولها الى خلفية تربوية في البيوت والمدارس لتهيئة الشابات والشباب للزواج ونقولها للأهل بشكل أساسي وللمجتمع بشكل عام ان هذه الدروس هي أولى من كل التحضيرات المادية والطقوس والشكليات التي غرقنا بها و باتت تطبع واقع الزواج ومفهومه مبتعدة به شيئاً فشيئاً عن المفهوم الحقيقي الذي اراده الاسلام..الذي ننشده كدين حياة وبناء.

أيها الأحبة:

تعالوا نتمثل بيت الزهراء وعلي نتمثله حبا وعملاً هذا البيت الّذي كان يحبه رسول الله(ص) ويأنس فيه، فعندما كان يسافر، كان آخر عهده هذا البيت، وعندما يعود كان هو أول بيت يطرقه. لتلقاه بضعته بالسؤال عنه والتخفيف والدعم والاحتضان.. أليست هي ام أبيها وقد اعلنها مرارا: "فاطمة روحي التي بين جنبي".

في ذكرى وفاة الصديقة الطاهرة نتمثلها مجاهدة صابرة عاملة فاعلة صادحة بالحق : "اعلموا اني فاطمة" - و نستذكر عليا و هو الذي كان ودع أخاه و ابن عمه و الآن يودع الزهراء، نستذكره بوحدته وحرقته ووجعه وهو يواري شريكته وام الأئمة في الثرى مختصرة الدنيا عن عمر الشباب لتلاقي ربها الذي عبدته حتى تورمت قدماها ولتجاور اباها...كان عمر فاطمة قصيراً على مستوى الزمن الا انه كان مليئاً وغنياً منتجاً وكان نبعاً فياضاً...غادرت فاطمة الحياة وهي لا تناهز الخامسة والعشرين باحسن الروايات الا انها بقيت وستبقى حاضرة في الوجدان والميدان ليستلهمها محبوها رجالا ونساءا ويقتدوا بها ويلبوها في ساحات الرسالة والدعوة والمسؤولية وفي ساحات الحق والوغى.

السَّلام على الزهراء يوم ولدت، ويوم تبعث زاهرة لأهل السّماء ، كما أزهرت لأهل الأرض... اللهم اجعلنا ممن يحظون بنورها في الدنيا وشفاعتها في الاخرة يا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل