12 Feb 2016
الاصلاح في الاسلام
الاصلاح في الاسلام

خطبة صلاة الجمعة 12 شباط 2016 الموافق ل 3 جمادى الأولى 1437 هـ

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

قال الله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.

عندما نتحدث عن عظمة رسول الله(ص)، وعن عظمة هذا الدين واعجازه، فشهادتنا غالباً هي مجروحة...ومع هذا نجد أنفسنا للأسف ومنذ زمن نضطر إلى خطاب تبريري، ندافع به عن الاسلام وعن سماحته ومنظومة القيم التي أتى بها رحمة للعالمين، وهذا لا يلغي أن الكثير ومنهم رجال دين، يأخذون من الإسلام القشور ليسيئوا إليه ويشوهوا صورته باسمه، أو هناك آخرون يأخذون أيضا بالقشور والسطحيات، لينفوا عنه عظمته و يجعلوه في قبالة العلوم الوضعية أو الطبيعية بكل بساطة او سذاجة.

ومن إعجاز هذا الدين طرحه لكثير من المفاهيم بطريقة تراكمية وواقعية، تنسجم مع الفطرة الانسانية جمعاء.. وأين ما كانت. وسنأخذ كنموذجٍ مفهوماً كمفهوم الاصلاح، لنرى كيف قدمه الاسلام وما هي المساحة التي يتحرك فيها، وسترون اهمية الاسلام كدين يتحرك بفاعلية في الحياة كلها وليس كمن يخاطبمن برج عاجي.

ففي مفهوم الاصلاح، اعترف الاسلام بأن المشاكل والخلافات بين الناس هي حالة طبيعية، ما داموا كائنات اجتماعية تحتاج إلى الجماعة والتواصل فيما بينها، من هذا الباب يبدو الإصلاح حالة طبيعية وأساسها الحاجة إلى الأمن و الأمان وهدوء البال والسلامة.

فالإصلاح ضروري وطبيعي بين البشر وهو موجود، ولكن توسعة دائرته أو تضييقها هي الأساس. فمن السهولة أن نجد من يدعو إلى الإصلاح ما بين أهل البيت الواحد أو الشارع الواحد، ولكن الصعوبة هي في تحقق الاصلاح بين الدوائر الأوسع والأكبر والأشمل. وهذا ما فعله رسول الله عندما كان يؤسس لدعوته ودولة الاسلام حيث كان التناحر الاصعب الذي يحتاج الى مجهود اصلاحي اكبر ،بين العشائر والقبائل، حيث الضغائن والصراعات وما كان يؤدي الى قطيعة وصراع دام يستنزف قدرات الطرفين على مدى عشرات السنين (حرب داحس والغبراء بين الاوس والخزرج وغيرها).

لهذا كان هم رسول الله أن يوسع دائرة الاصلاح إلى حدها الأوسع لا على أساس ديني أو عرقي أو جغرافي بل على أساس انساني( بعد ان كان يحكمها قاعدة انا وخيي على ابن عمي وانا وابن عمي عالغريب) كان صلوات الله عليه ينظر الى أبعد من ذلك لتكون المسؤولية الاصلاحية عن المجتمع او الدولة و الأمة هي الأساس في النظرة إلى مفهوم الإصلاح، وكان هذا الطرح يومها جديدا بهذا البعد الاستيعابي .. ولا يزال العالم إلى اليوم يسعى إلى تحقيق هذه المسؤولية عبر اجراء المصالحات واطفاء النيران والحرائق، و إن كان الغرب للأمانة، سبقنا في ذلك حاليا تحت مسميات عدة دولاً أو مؤسسات أو بعثات ( بغض النظر عن فاعليتها واثمانها).

لقد قدم رسول الله(ص) نظرة انسانية استراتيجية واسعة إلى الإصلاح ولكن أعطاه بعداً إضافياً، ولعل هذاالبعد هو ما يفرق الإسلام عن النظريات أو الأديان و الأيديولوجيات التبشيرية الأخرى وما يجعله يتفوق عليها .. حيث من الممكن للمنظِّر العادي، أن يدعو الى المحبة و التسامح و الإصلاح بالمطلق و كيفما اتفق(حبوا بعضكم وحلوها) .. هذا البعد الاضافي هو ما نجده في القرآن الكريم في الآية التي تلوناها...لتقول:
إن الإصلاح لا يعني الحيادية و أن المصلح يقف بالوسط لا لون له، ولا موقف، بل الاصلاح يعني الوقوف ضد الباغي إن هو استمر في غيه، حتى لو كان مسلماً، فلا صلح يؤدي إلى تثبيت ظلم أو إضعاف حق..

هذا تطبيق خاطئ، لا بل استخفاف في فهم فكرة الاصلاح وفي نظرة الدين إليه...لأن الخطورة كل الخطورة تقع هنا والاستغلال يقع هنا...فغالبا وتحت عنوان السعي الى الاصلاح، ما تميع المفاهيم وتضيع الحقوق، فيُشمل الظالم مع المظلوم وصاحب الحق مع المعتدي والمخطئ مع المصيب ويصبح كلا المتخاصمين على صواب...او كلاهما عنده وجهة نظر، بغض النظر من منهما المحق او من منهما الذي بدأ او الذي فجر...
الاصلاح لا يكون أعمى والا هو اصلاح سلبي وليس كما هو مطلوب اصلاحا ايجابياً ..

للأسف ايها الاحبة اننا نعاني قصوراً في فهم فكرة الاصلاح ، بالرغم من أن الأمر في الآية شديد الوضوح، وهو أن على المصلح ليس فقط الإشارة الى الجانب الحق في القضية بل أيضاً القتال ان احتاج ذلك، نعم ان المصلح مأمور بقتال المسلم الباغي ولا يشفع له إسلامه مع الحق.

{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا بِالْعَدْلِ وَأأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *}

وهنا يتميز الاسلام عن غيره بأنك اذا أصلحت فعليك ان تكون عادلاً لإحقاق الحق، لا لتمييعه او للقفز فوق الحقائق التي تكون بوضوح الشمس (وهذا ما نعانيه في أيّامنا هذه وفي اوضح قضية يتعامل بها الغرب معنا لادعائهم حل الصراع العربي الاسرائيلي : انسوا الحق ولمن ملكية الارض اقفلوا هذه الملفات وعندها يتم الصلح).

ايها الاحبة: إن تركيز الاسلام على توسعة دائرة الاصلاح بالنسبة لنا اليوم يعني ان لا ندير ظهورنا لما يجري حولنا من فتن ونقول لا شأن لنا وليس لنا علاقة او اي من المقولات التي تبرر الانكفاء، وعدم الاهتمام والتبلد، فلا نتداعى كالجسد الواحد كما نحن مأمورون ونقول الحمى لم تصل إلينا بعد...
إن الإصلاح في الإسلام يحتاج منا الوعي الذي ينفصل عن الغرائز ويحتاج منا التفكير البعيد و الإستراتيجي وايضاً يحتاج منا الصدع بالحق والصبر عليه...

ايها الاحبة، لقد اعطى الاسلام موقعاً وحيزاً مميزاً للمصلحين والحكماء، هم جزء من البنى الاجتماعية الفاعلة التي يجب ان لا يخلو منها المجتمع. هذه الفئة التي للأسف بتنا نفتقدها عدداً وان وجدت نفتقد الى قسطها وعدالتها وحكمتها وبعد نظرها... لقد اعتبر القرآن الكريم الاصلاح واجباً و ليس خياراً او استحباباً يمكن الأخذ به أو عدم الأخذ به، بل هو من أوجب الواجبات.. {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}، وفي آية أخرى {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}.

ثم لا ننسى ان الاصلاح يشكل على مستوى المجتمعات، الضمانة او الورقة الاخيرة قبل ان يستشري الفساد ويحل غضب الله حسب منطوق الآية: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}..

أيها الأحبة: "الله الله في صلاح ذات بينكم" قالها علي عليه السلام، فمن أراد ان يتصدق فليصلح ذات البين.. هي وصية رسول الله لأيوب الأنصاري: "يا أبا أيوب، ألا أدلك على صدقة يحبُّها اللهُ ورسوله؛ تصلح بين الناس إذا تباغضوا وتفاسدوا".

ومن اراد عملا يفوق اجر الصلاة والصيام فعليه بالاصلاح "فاصلاح ذات البين (كما قال رسول الله ) افضل من عامة الصلاة والصيام"
فهنيئاً لمن وفَّقه الله لأن يصلح ولا يفسد، وان يعمر ولا يهدم، وان يجمع ولا يفرق وان يزيل حواجز ويؤلف قلوباً وله مقابل ذلك الخير الكثير خير الدنيا وخير الآخرة، {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}. اللهم وفّقنا لأن نكون من الصالحين المصلحين الداعين الى الاصلاح وتقريب القلوب إنك سميع الدعاء...

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل