05 Feb 2016
القضاء والقدر، واختيار الإنسان
القضاء والقدر، واختيار الإنسان

خطبة صلاة الجمعة 5 شباط 2016 الموافق ل 26 ربيع الآخر 1437 هـ

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} صدق الله العظيم.

يتردد كثيراً في أحاديثنا عند تحديدنا لمن يقف وراء الحوادث التي تجري في حياتنا والكون.. أنها حصلت بقضاء الله وقدره...فما هو المقصود من هذه الفكرة التي اعتبرها رسول الله من أساسيات الإيمان وأركانه حين قال: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة: حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّي رسول الله بعثني بالحق بشيراً ونذيراً، وحتّى يؤمن بالبعث (يوم القيامة) بعد الموت، وحتى يؤمن بالقدر".

وفي حديث عنه(ص): "قال الله عزّ وجلّ، من لم يرض بقضائي ولم يؤمن بقدري فليلتمس إلهاً غيري".

ثم هل يعني الإيمان بالقضاء والقدر أن كل ما جرى ويجري في الحياة عائد إلى الله كونه يتم ويحدث بقضائه وقدره، وليس كل ما يجري في الحياة خير ففي الحياة أيضاً مآسٍ وآلام وبلاءات وكوارث وحروب وفظائع.

القضاء في اللغة: هو الحكم، أما القدر فهو من التقدير أي التحديد، وهو وضع الشيء في مكانه المناسب، وضمن الحدود التي تضمن تحقيق الغاية منه . وبعبارة اخرى هي القوانين والانظمة التي اودعها الله في الكون، فما من شيء إلا ويتم بمشيئته النافذة وقدرته الشاملة وعلمه السابق .

وهو الأمر الذي يجري على الإنسان أيضاً.. فالإنسان يرتبط وجوده وقواه وأفعاله وجميع حركاته وسكناته بما قضاه الله وقدره له، فهو لا يملك أن يتحرك إلا في إطار الحدود وضمن القوانين التي رسمها الله له وقد ثبت الله ذلك في سجل محفوظ وهذا ما أشار إليه الله بقوله سبحانه: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير} {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}.

هنا نعود للتساؤل الذي طرحناه، ألا يعني كل هذا أن الإنسان لا يملك قراره واختياره، ما دام كل ما يجري في حياته قد رسم وكتب وحدد بمشيئة الله وإرادته مما يجعله غير مسؤول عن أفعاله وتصرفاته. هذا المنطق هو ما قاله المشركون فيما تحدث به القرآن عندما قال: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا}.

وهنا نجيب عن هذا السؤال، بالتفريق بين القضاء والقدر الذي يجري على الكون والأشياء والحيوان من جهة.. وذلك الذي يجري على الانسان من جهة أخرى. فالقوانين على الأولى تجري ولا خيار لها إلا الانصياع {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَأَنْ يَحْمِلْنَهَا}. والامانة حسب المفسرين هي الاختيار وتحمل المسؤولية.

أما بالنسبة للإنسان فهو يخضع للقضاء والقدر بالإجبار(او باللاإختيار) في مسائل محدودة.. فالإنسان لا يملك أمر اختيار وجوده في زمن معين،لا شكله، ولا المكان الذي ولد فيه، أو أن يكون من أبوين معينين، هذه الأمور كتب على الإنسان أن يخضع لمشيئة الله سبحانه فيها، لكن تبقى هناك مساحة واسعة جداً في حياة الإنسان تُركت أمورها لخياراته، تتم بالاختيار، هذه الأمور هي الأساس في انسانية الانسان فالله قضى وحكم وشاءت إرادته أن يملك الإنسان الاختيار في حركاته وتصرفاته، فله أن يفعل ما يريد، يأكل ما يريد ويشرب ما يريد، يؤدي واجباته أو لا يؤديها، يقوم بمسؤولياته أو لا يقوم بها.. يؤمن أو لا يؤمن.. وقد بين الله حرية الإنسان في الاختيار بكل وضوح عندما قال: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}.

لذا قال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً}.. فالله يمكنه أن يجعل الناس كما هو الكون خاضع له لا يملك اختياره.. ولكنه شاء للإنسان أن يعطيه حرية الاختيار..

إذاً، ليس صحيحاً القول أن القضاء والقدر يسلب اختيار الإنسان بالمطلق.. وليس صحيحاً أيضاً القول أن الله ترك الحرية للإنسان بالمطلق بالشكل الذي يخرج فيه عن إرادته.. ومن هنا القاعدة عند الامام الصادق (ع) : "لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين" اذا هو قضاء وقدر ولكن الله لا يجبرك عليه, انما رسم الطريق وقضى ان من يمشي في هذا الاتجاه يحقق الثواب ويحظى بالتأييد.. وعلى الانسان ان يقرر ويختار ويتحمل المسؤولية.

ومن خلال كل ذلك نستطيع القول إن من نعم الله على الانسان وتكريمه له أن جعله قادراً بمشيئته أن يصنع قضاءه وقدره بنفسه.. نعم، الإنسان قادر أن يصنع خيره وشره، أن يصنع نصره وهزيمته، وأن يصنع غناه وفقره، وقادر أن ينهي حياته أو يبقيها، لكن كل ذلك يحدث في سياق نظام الأسباب والمسببات الذي أوجده الله فإذا تحققت الأسباب حصلت النتائج وهكذا..

ولذلك ورد عن أمير المؤمنين(ع) أنه عَدَل من حائط مائل إلى حائط آخر فقيل له: يا أمير المؤمنين أتَفرّ من قضاء الله؟ فقال: "أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عز وجل"، فقضاء الله للحائط المائل أن يقع ما يسبب خطراً على الإنسان، لذا فإني أفر منه إلى وضعية أخرى قدر الله أنها آمنة..

أيها الأحبة..

ما يهمنا من هذا الموضوع هو ما يتعلق بحياة الانسان ومصيره، وبما سلحه الله من حرية وصلاحية ليغيّر القضاء والقدر حتى لو أُبرم.. نعم ان الله يجمد قضاءه وقدره، يعطل ويمحو او يثبت كما ورد :{ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} اما الوسائل الى ذلك فهي، تعود الى خيارات الانسان: الدعاء- بر الوالدين- الصدقة – صلة الرحم وغيرها مما شاء الله أن تغير مجرى القضاء . ولطالما شدد رسول الله" الصدقة تدفع البلاء وترد القضاء" : "الصدقة والدعاء يدفعان البلاء ويردان القضاء وقد أبرم إبراماً". ويكفي ما ورد في تأثير الدعاء لتغيير مسار الأمور في حياة الانسان واكبر محطة هي في ليلة القدر حيث يقدر الله من خلالها مصائر الناس واعمارهم وارزاقهم ويمحو مما كتبت الملائكة في صحائفهم ..

وقد ورد أيضا أن "صلة الرحم تنسأ في الأجل وتزيد في العمر".. فقد يكون عمر الإنسان محدداً ولكن الله يزيده بصلة الرحم مثلاً. نتيجة استجابة الله لدعاء ام او اب او رحم .. والله قد قضى بالاجابة : ادعوني استجب لكم.

ان هذا النظام الرحماني المتمثل في هذا المزج بين قضاء الله من جهة واختيار الانسان من جهة أخرى هو الذي كما اسلفنا ، ميز الانسان بإنسانيته عن باقي الكائنات، وجعل حياته متحركة وحيوية، يكدح فيها ويجرب ويتعثر ويقوم من عثرته، وبيده يغير مسار حياته ومصيره في الدنيا والآخرة ، كل هذا ضمن نظم وقوانين وضعها الله سبحانه لمصلحة الانسان، فهو خالقه واعلم بما يصلح له على وجه هذه الارض.

إن هذه المنحة من الله، منحة حرية الاختيار هي اغلى ما يملك الانسان، ولا يمكن لأحد ان يسلبه اياها تحت اي عنوان حتى عنوان الدين: فلا اكراه في الدين.. ابدا والله لو شاء لآمن من في الأرض جميعا .. ولكن الله قضى ان تكون العلاقة معه مبنية على الاختيار الشخصي المحض. وللأسف فقد ارتبطت التربية الدينية بصفات الجبر والضغط والاكراه مما يخلق اجيالا إما من المنافقين واما من المعقدين من الدين... والحقيقة أن الطريق الى الله لا تمر الا بارادات واعية وحرة.

أيها الأحبة:

لقد فتح الله لنا الباب، فلنكن ملحين على الله، نتوسل اليه بالدعاء والاعمال الصالحات لتغيير واقعنا الى الاحسن، ولا يكون هذا الا بوضوح الهدف وصفاء النية ونقاء السريرة والاخلاص...لنكن جديرين بالامانة التي اوكلها الله الينا فلا نختار الا ما ينسجم مع الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها. لنكن جديرين بصقل هذه الفطرة وتنقيتها وإزالة ما يعلق بها من أدران الدنيا وشوائبها ولنكن كما قضى الله وقدر خلفاء له على هذه الأرض نسير وفق هديه، وفي خط رضاه لنعمر الارض، بالخير والعدل والحق والجمال.

وآخر دعوانا أن الحمد د لله رب العالمين.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل