29 Jan 2016
الحقد...تخريب للحياة وتسميم لها
الحقد...تخريب للحياة وتسميم لها

خطبة صلاة الجمعة 29 كانون الثاني 2016 الموافق ل 20 ربيع الثاني 1437 هـ

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

قال الله سبحانه في كتابه العزيز:" إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ"

ورد في السيرة عن أحد أصحاب رسول الله أنه قال: "كنا جلوساً عند رسول الله(ص) في المسجد فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فأقبل رجل يتقاطر ماء الوضوء من وجهه فسلم علينا ودخلنا في الصلاة مع رسول الله(ص) وتكرر حديث رسول الله(ص) في اليوم الثاني وفي اليوم الثالث، ومن دون أن يبين رسول الله صفات هذا الرجل ..." ويكمل الصحابي انه ولمعرفة السبب ذهب إلى ذلك الرجل واستأذنه في البقاء عنده لثلاثة أيام ولكن لم يبلغه عن السبب الحقيقي لذلك.. وبات عنده هذه الفترة.

خلال مرافقته للرجل لم يتبين له انه يتميّز بشيء عن بقية الصحابة.. بل في الصحابة من يتميزون عنه... فقرر أن يصارح الرجل بما سمعه من رسول الله عنه فقال له: "يا عبد الله ما هو إلا ما رأيت ولكن وهذه خصلة وفقني الله بها.. وهي أني لم أنم ليلة وفي قلبي ضغينة على أحد".. فأدرك الصحابي أن هذه الخصلة هي التي أهلته إلى هذا الموقع في الجنة رابطاً اياها بما كان قد جاء به رسول الله وما ذكره الله عن اهل الجنة: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}.

وكانت هذه الحادثة هي واحدة من الدروس العملية الكثيرة التي استعان بها رسول الله لمعالجة أحقاد الجاهلية الاولى.. ولطالما كرر(ص) : "ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، إن شئت" قال(ص): "الذي ينزل وحده ويمنع رفده ويجلد عبده.. (أي الذين يعيشون الأنانية، ولا يهتمون بآلام الناس وحاجاتهم والقساة مع ضعفائهم..) ثم قال(ص): "ألا أنبئكم بشر من هؤلاء؟ فقالوا يا رسول الله، وهل هناك من هم أكثر شراً من هؤلاء الأنانيين والقساة.. قال نعم. الذين يبغضون الناس والناس يبغضونهم".. اين نحن اليوم من رسول الله الذي استنكر البغض من اتباعه ومن ارتكابهم ما يستوجب ان يبغضهم الناس وهو الذي ما فتئ يدعو الى المحبة ويعليها كقيمة مضافة الى انسانية الانسان . فعنه صلّى الله عليه و آله : "إذا أحَبَّ اللهُ عَبداً قَذَفَ حُبَّهُ في قُلوبِ المَلائِكَةِ ، وإذا أبغَضَ اللهُ عَبداً قَذَفَ بُغضَهُ في قُلوبِ المَلائِكَةِ ، ثُمَّ يَقذِفُهُ في قُلوبِ الآدَمِيِّين"

ايها الاحبة: لا بد لنا ونحن نقارب موضوع الحقد والغل من أن نتناوله بأبعاده الأخروية وأبعاده الدنيوية .

فحتى تكون من أهل الجنة وقد اخترت السير باتجاه الله فإن فالحقد هو عكس الطريق الى الله بمنطوق الآية { إلا من أتى الله بقلب سليم} لا مجال في الجنة لمن يحمل غلا في قلبه لأحد من العالمين.

وعلى مستوى الحياة الدنيوية: فإن سلوك طريق الحقد هو تخريب للحياة هو تسميم لها وتعكير صفوها. من جهة فإن الحقد اذا ما غلى في النفس تمظهر بفعل اعتداء او انتقام او تسلط او الغاء او أذية.. ولذلك نجد الأحاديث تتحدث عن الحقد، فتقول عنه أنه: "ألئم العيوب وألئم الخُلُق، وسبب الفتنوسلاح الشر...".

ومن جهة أخرى فإن الحقد إن هو سكن القلوب وتوطن فيها فإن تداعياته لا تقف عند حدود من يحقد عليهم، بل تمتد إلى نفس الحاقد...يربك حياته ،كما في الحديث: "الحقودُ مُعذَّب النفس، متضاعَفُ الهمّ" "ليس لحقودٍ أُخوّة". فالحقد على مستوى صاحبه يعطله هو لانه يجر معه كل الصفات السيئة من حسد وغيرة وكره ونميمة وفتنة ، فالشخصية لا تتجزأ، الحقد يعطل لدى صاحبه الابداع وطاقات الخير والجمال... هو يحفر في صاحبه يجعله يتآكل ويحجز معه مكانا لمزيد من الطاقات السلبية المعطلة كالتقوقع والانغلاق.

لذا كانت الضرورة للالتفات الى سلامة الصدر فها هو رسول الله وعلى عكس ما قد يتبادر الى الذهن، تصوروا كان يطلب من اصحابه عدم اخباره بشيء سيء من تصرفات او أقوال من هم حوله : فلان اخطأ فلان اساء .. كان لا يحب ان يعرف .. لماذا .. هو قائلها : "لا يُبَلِّغُنِي أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا، فإنِّي أحبُّ أن أخرج إليكم وأنا سَلِيم الصَّدر" ..صلوات الله عليه وعلى آله.

ايها الاحبة، اذا هما اثنان تقع عليهما المسؤولية في بعث وانعاش الكراهية والاحقاد وتأصيلها وتجذيرها : التربية في الصغر والتعبئة في الكبر..

فعلى التربية تقع مهمة تنشئة جيل متسامح محب ودود ومنفتح عبر تدريب الطفل ومساعدته على التغلب على مشاعر الانانية وكيفية معالجة الاختلاف والخلاف ومعالجة الغيرة لديه وغيرها من المشاكل في الصغر ولا نغفل هنا مسؤولية المدرسة في لحاظ هذا الجانب في مناهجها تطبيقا وليس تنظيرا حيث المنافسة تبدأ من هناك على مقاعد الدراسة حيث يقع المدرسون والمسؤولون كما الاهل في فخ المقارنة والتعيير وزرع الاحقاد حيث يتم تحميل الطفل اكثر من طاقته النفسية على التحمل من دون للحاظ قدراته الفعلية .. فلا يكون حل لديه للدفاع عن نفسه وحمايتها من التحطيم والتهميش الا بالحقد.. والأمر يجب أن لا يستخف به ابدا.. تماما كما في البيوت وموضوع مقارنة الاولاد بغيرهم او ببعضهم هذا مثال بسيط ما يمكن ان تفعله التربية .. ناهيك عن دور الاهل ليكونوا قدوة بنزع الغل من صدورهم قبل ان يطلبوا ذلك من صغارهم : "احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك..". ثم لا بد من توسل التربية الدينية التي ابرز ما تقوم عليه هو مجاهدة النفس أي محاربة وملاحقة ذرات الحقد التي تستغل ضعف المرء وتطفو على السطح..

والحقد خطورته الأكبر على البشرية عندما يتحول الى ثقافة سائدة تدمغ المجتمع او مكوناته بطابعها وهنا الطامة الكبرى. وهنا يأتي الحديث عن الدور الذي تلعبه التعبئة او ما يعرف بالتحريض او التجييش فإن خطورته مضاعفة بطبيعتها لان مساحة شغلها لها هم جماعات بأكملها تستجيب لزرع الأحقاد تجاه جماعة أخرى أو جهة، طائفة، مذهب، أو دولة..( هو تحريض خطر لأنه تحريض جماعات ضد جماعات) حيث من الممكن أن يفكك الشعور بالكراهية تجاه الأفراد.. ولكن قد يصعب ذلك تجاه الجماعة، لأنه يتسلل من الإعلام الذي يصوب على تلك الجماعة ويشوه صورتها أو من خلال تجييش المشاعر الدينية تجاهها أو بإظهارها بمظهر الدونية.

وتتوسل لذلك أساليب مباشرة او غير مباشرة فكم من المنظرين الذين اعلنوا حقدهم وفوقيتهم على غيرهم وعلى رأسهم اليهود الذين اعلنوا فوقيتهم الوجودية( هم شعب الله المختار) كم نسمع من المنظرين الذين يعلنون احتقارهم للاسلام كدين او للتشيع كمذهب وهم أنفسهم اذا أُتيح لهم الاختلاف مع آخرين لأي سبب كان في السياسة او الجغرافيا وحتى في داخل بلدانهم فسيحقدون عليهم لأن الحقد هو للأسف اللغة التي يتقنونها في التواصل بدل لغة التسامح او الرحمة او اللحمة.

أيها الأحبة: ولنا في رسول الله أسوة حسنة، ونختم باستحضارنا حادثة صغيرة هي خير معبر عن رحابة الدين الذي جاء به محمد من عند الله مهما حاول المشوهون وصم دينه بالانغلاق تعالوا نتأمل في طيات ما ورد في سيرته ونعلمه أجيالنا : تذكر سيرته أنه في أحد مجالسه دخل إليه رجل قال له: "أللَّهم اغْفِر لي ولمحمد ولا تغْفر لأحد بعدنا أبداً، فماذا كان رد النبي .. هل سر به وشكره وطبطب على ظهره مثلاً .. لا لقد قال له النبي(ص): (يا هذا) لقد حجرت ( أي ضيَّقت) واسِعاً.. قل اللهم اغفر لي ولمحمد ولكل الناس". هذا هو القلب الواسع الذي لا يعرف الا المحبة .

تعالوا نوسع ولا نضيق تعالوا نبشر ولا ننفر تعالوا نكن خير منفذ لوصية رسولنا عندما أوصى أصحابه قائلاً: "لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً.. كونوا أخوة بررة.

ولنتسلح دوما بالدعاء لمجاهدة النفس الأمارة بالحقد {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}. ...ولعلنا نحظى بما وعد الله عندما قال"{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا }

والحمدلله رب العالمين

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل