22 Jan 2016
الخشوع روح الإيمان
الخشوع روح الإيمان

خطبة صلاة الجمعة 22 كانون الثاني 2016 الموافق ل 12 ربيع الثاني1437 هـ

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

قال الله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }.
حث الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يعيشوا حالة الخشوع أمامه والخشوع للحق وقد جعله بمقابل قسوة القلب، والخشوع في اللغة هو الانخفاض والسكون والخضوع. وخشع يعني سكن وذل. والخاشع هو المستكين والراكع، والمنقاد للحق. والخشوع لله يعني الاحساس بالرهبة والخوف والوجل المقترن بالتعظيم.

وصُور الخشوع في القرآن وأنواعه كثيرة قد لا يتسع المجال لذكرها.ولكن مجالنا هو خشوع العبودية لله ، الخشوع الذي يملأ القلب سكينة وطمأنينة, والنفس عزة وفخراً . انه خشوع الايمان واليقين برحمة الله تعالى. وتعبيراته حسب القرآن في الصلاة وفي قراءة القرآن:{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} ،{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }.

من هنا ومن التعريف القرآني للخشوع التعبدي، يكون معيار الإيمان ، وعلى كل منا اختبار إيمانه في ضوء ذلك، بمعنى أنك عندما تريد أن تعرف إيمانك لا بد أن تنظر إلى قلبك.. هل يهتز عند ذكر الله.. هل يشعر بالرهبة.. هل يشعر بالذل والانكسار والخضوع لله.. إذا لم يحصل ذلك فعلى الإنسان أن يعيد النظر في صدق إيمانه وحقيقته..

والخشوع هو حالة قلبية، وهو مقدمة لخشوع الجوارح، ومتى نفذ الخشوع في القلب وتوطن فيه كما ينبغي فإنه ينعكس على بقية الجوارح ويترك أثراً فيها ينعكس على سلوك الإنسان وعلاقاته...فالجوارح هي رعية القلب ، ومن هنا جاء كلام علي(ع): " فليخشع لله سبحانه قلبك ،فمن خشع قلبه خشعت جميع جوارحه"..

أيها الأحبة:

إن الإنسان المؤمن مطالب بتطهير قلبه من شوائب المعاصي القلبية والإعراض عن الله تعالى والغفلة واللامبالاة التي تنزع منه العبودية لغيره تعالى من مال أو بنين وغيرهما من الأصنام البشرية والأهواء المتعددة... ليكن القلب كما أراده الله سبحانه سليماً.. قال: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

ومتى ما سلم القلب عاش الإنسان حالة الخشوع ولسلم من الانحراف، ومن قسوة القلب، والحذر كل الحذر من الاعتماد على رصيد روحي سابق، فلا بد دوماً من أن نتعهد قلوبنا يومياً ومرات كل ساعة ودقيقة، بكل ألوان التربية والعناية والصيانة فكما الابدان تحتاج للصيانة كذلك القلب يحتاجها ، فإذا لم نفعل وطال علينا الأمد، كما تشير الآية: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي طالت المدة فقد يتلاشى هذا الرصيد الروحي..ونحن نظن أن لدينا منه الكثير (بناءا على أعمالنا السابقة من حج اوعمرة او زيارات واذكار) ولكن قد تجف مشاعر الخشوع وتقسو القلوب ونسقط بالتالي في امتحان الإيمان، كما حدث لكثير ممن نعرفهم من الأشخاص أو من الأمم السابقة التي لم يبق في قلوبها من الدين إلا العنوان الطائفي أو العادة الجامدة او الطقوس الفارغة التي لا تهز قلوبها ومشاعرها عظمة الله ونعمه...

وهناك مقاربة بديعة في القرآن الكريم وهي أن علاقة الخشوع والقلب تماما كعلاقة الماء مع الأرض الميتة فكما أن الأرض الميتة إذا بللها المطر ورواها تطهرت وعادت إلى الانتعاش والحياة، كذلك فإن الخشوع لله يطهر القلب و ينعشه ويلينه بعد القسوة:
{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ...}.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل