15 Jan 2016
المعركة الاعلامية ومسؤولية المواجهة
المعركة الاعلامية ومسؤولية المواجهة

خطبة صلاة الجمعة 15 كانون الأول 2016 الموافق ل 5 ربيع الثاني 1437 هـ

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

قال الله سبحانه وتعالى:
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ* فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ* فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ* وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ* قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} كما هو معروف، فإن النبي موسى هو الأكثر ذكراً بين الأنبياء في القران الكريم وقد عالج القرآن سيرته من زوايا عدة وفي مواقع مختلفة.

والمتأمل لهذه السيرة يجد أنه، ومن بين الأحداث الكثيرة من الصراع المحموم بين النبي موسى وفرعون و التي انتهت بفرعون إلى ما انتهى عليه، يتصدر مشهد "يوم الزينة" لائحة الأحداث المفصلية في سيرة النبي موسى، الذي شكل منعطفاً حاسماً في إعادة توجيه وعي المجتمع أنذاك ، الذي لطالما اكتوى إعلامياً بسطوة جهاز أمني و ديني و مالي، فالنبي موسى و هو الذي تربى ضمن هذه الجهاز كان يعلم أن مواجهة السلطة لا تكون الا بالنفاذ إلى أكبر شريحة ممكنة، وبطريقة تترك أثراً أبعد من أثر الكلمات أو الأفكار.

كان يدرك انه بحاجة للمواجهة بفعل يشكل صدمة تزيل ما حاول فرعون زرعه في أذهان الناس ان نبوءة موسى لا أساس لها وما هو الا ساحر صغير لا يصمد امام سحرة فرعون العظام .

لذا سارع موسى الى قبول تحدي فرعون ، بأن تكون المبارزة مع السحرة امام الحشد الكبير من الناس، في مناسبة اسمها "يوم الزينة" -وهو يوم عيد عند المصريين- يومها باختصار جيء ب (كل ساحر عليم) وسحروا أعين الناس {.... فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ* فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ* وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ* قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}

لقد استطاع النبي موسى بهذه المواجهة أن يعطل على فرعون مخططاته وأن يفقده أهم ورقة طالما استخدمها في مواجهة خصومه وهي ورقة السحر والخداع... لذا كان تهافت منطق السحرة وانهزامهم، ومن ثم انقلابهم الى مؤمنين بموسى ورب موسى. كان هذا بمثابة حدث إعلامي ضخم - بمقاييس اليوم- انقلب لصالح النبي موسى والمؤمنين برسالته وشكل فتحاً لها...

العبرة ان ما حصل في ذلك اليوم وفر على النبي موسى جهوداً كثيرة من العمل لتفكيك عملية تضليل للناس، كان يتبعها فرعون، وكانت أساس منهجه الطاغوتي ومنهج كل الفراعنة وعنوانه: { ما أريكم إلا ما أرى...}.

أدرك موسى أن من يربح هذه المعركة الاعلامية في مثل هذا اليوم، يستطيع فيما بعد ان يصبح مصدر موثوق به للحق والحقيقة... ولو فرضا - فرض المحال ليس بمحال - ربح فرعون المعركة الاعلامية لأغرق عقول الناس بالمعلومات الكاذبة والملفقة ولتسلط على الناس أكثر.

ايها الاحبة:
هذا كان أنموذج للتوجيه الإعلامي الهادف، وهناك بالطبع نماذج أخرى كثيرة أبعد من أن تحصى هنا. و في مقابلها كان دوماً استغلال السلطة المستبدة للإعلام المضاد، من أجل التضليل وإيصال الأجندة التي تضمن للقائمين عليها استبدادهم وطغيانهم واستئثارهم.

إن المشترك بين الإعلام الهادف و الإعلام التضليلي هو الوسيلة الإعلامية، وطبعا تاريخياً اقتصرت الوسائل الاعلامية على المنابر و التجمعات و الأعياد ، و من هنا كان سعي السلطة الدائم على أن تضع يدها على المؤسسة الدينية، من خلال ما يسمى ب "وعاظ السلاطين".

واكبر مثال على استبداد الحكام بالمنابر كوسيلة اعلامية كان سب علي من على منابر المساجد لدرجة حسب الناس ان عليا فتى الاسلام الموحد - لم يسجد لصنم قط - لم يكن يصلي.. لذا في الشام كان من يسأل بعد ان ضربه ابن ملجم في محرابه: وهل كان علي يصلي. وكما المنابر، كذلك كانت الحاشية والتجمعات ومجلس القبيلة والعشيرة، كلها كانت تستخدم كوسائل اعلامية لذا سعي المستبدون للامساك بها وتجييرها لحسابهم.

أما بالنسبة ليومنا الحالي فلا يبدو ان أساليب التحكم بوسائل الاعلام قد تغيرت، هي هي : المال و السلطة والقمع. و زد عليها: الاحتكار على مستوى الفضاء حتى الأقمار الاصطناعية.. ومن هنا نفسر رغبة السلطات المتعددة وسعيها الحثيث لقمع القنوات التي تمثل رأيا آخر مغايراً ومقاوما وبذل المجهود الاكبر على ما تملكه من قنوات لتثبيت مبدأ: {... مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى ...}

ونقطة أخرى أود أن أثيرها بعد وعي اهمية المعارك الاعلامية، وهي تتعلق بتوزيع المسؤوليات وللقرآن الكريم مقاربة متميزة في هذا الاطار، فصحيح أن القرآن قال {... إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} و هذا يعني ان صاحب الوسيلة الإعلامية المضللة هو فاسق وصاحب سلطة مالية ضخمة يتحكم ببث الانباء.

ولكن القرآن وضع المسؤولية و التبعات الدنيوية و الاخروية علىالمتلقي...وهو القائل بصيغة الامر {..فتبينوا..} و خاصة اننا في زمن أصبح المتلقي فيه غير سلبي، وغير بعيد عن التحقق او التأكد، بل هو صار جزءا من الوسيلة الإعلامية التضليلية.. فكم من الأخبار الكاذبة أو الفتنوية و خاصة المصوّر منها، ما كان لها لتنتشر او تتوسع دائرتها لولا أن الناس اخذت بها وزادت في مداها..... وقد حرص الإسلام على هذه التوعية عندما دعا الانسان: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}.

ومن ناحية أخرى فإن الانسان الواعي عندما يتلقى الخبر، هو ليس أداة يتم التحكم بها عن بعد، ولا صدى يردد ما يقال امامه، و لكنه هو من يختار أن يعطّل إنسانيته و عقلانيته ووجدانه فيمشي مع غرائزه.. لهذا نحن نقول أن الاستعداد و القابلية للتضليل هي ذاتية، و الانسان هو من يختار إما أن يعطل عقله و ضميره وإما أن يبقى واعيا فاهماً مميزاً....

المهم أنها علاقة مشتركة، المسؤولية فيها على ولاة الأمر الفاسقين المتحكمين بالإعلام والقابضين على رقبته و لكن أيضا وبشكل مواز إن لم يكن أكثر على المتلقي الطائفي او المذهبي الغرائزي، الذي لو حرك عقله قليلا وجمّد عاطفته لكنا جميعا في واقع أفضل غير الذي نعيش بالتأكيد ..

نعيش اليوم اعلاماً قائما على هيمنة الصورة واستغلالها عبر الفبركة والاختلاق والتشويه. وقائماً على اثارة الغرائز وتعليب الوعي والكذب المكشوف الذي لا يتحرك له رمش، او يعتذر منه إذا ما افتُضح او انكشفت حقيقته...فيما الرأي العام ساكن...لا يحرك له ساكن قد خضع لتأثير غسل الادمغة وسحر الاعلام..

أخيرا فإننا أمام القدرات الهائلة وغير المتكافئة التي يملكها الآخررون، قد لا يمكننا تقليص الفارق في الموارد والامكانات، فالمنافسة لن تكون في "حجم البث وكميته " انما علينا على مستوى جماعات، بناء استراتيجية اعلامية قائمة على البحث عن وسائل تأثير أخرى نتميز بها عن غيرنا كالمصداقية والاخلاقية المهنية والانصاف والحرفية اللازمة لإتقان الوسيلة ومعرفة المتلقي ودراسة المضامين والاهم أن نبني استراتيجية قائمة على الجهوزية وعلى الاستباق لا على الدفاع والاستلحاق والدخول في فلك التبريرات.

من جهتنا فإننا معنيون أكثر من اي يوم مضى وفي ظل احتدام الصراع الفكري والسياسي ان نثبت الوعي الاعلامي لدينا وان نربي عليه اجيالنا الصاعدة حتى لا نسمح لسراق العقول ان يجدوا ارضا خصبة لهم لنصنع مجتمعا اراده الله لنا ودعا اليه رسوله {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل