08 Jan 2016
مواجهة الظلم مهمة إنسانية مشتركة
مواجهة الظلم مهمة إنسانية مشتركة

خطبة صلاة الجمعة 8 كانون الأول 2016 الموافق ل 28 ربيع الأول 1437 هـ

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا * رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ}

وجاء في حديث قدسيّ: "يا عبادي، إنّي حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّماً، فلا تَظَالموا". والله أرسل الأنبياء وحمَّلهم هدفاً واحداً، وهو إقامة القسط والعدل..{ولَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}.
ونستعيد الحديث الذي يقول: "إنَّ الله أرسل نبيّاً إلى جبّار من الجبّارين، أن ائتِ هذا الجبار وقل له إني إنما استعملتك لتكفّ عني أصوات المظلومين، فإني لن أدع ظلامتهم وإن كانوا كفّاراً.. فلا تظالموا"
أما من يمس بقدسية هذه القيمة الحاكمة ويمارس الظلم فقد توعّده الله سبحانه بعذاب هو أشدّ العذاب حين قال: {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً}،{أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ}، {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}.

وعقاب الظالم يوم الحساب هو من أشد الأنواع لأنه من جهة عقاب للتجروء على الله ومخالفة أوامره.. ومن جهة أخرى هو عقاب تعويضي عن الحقوق المسلوبة لمن ظلموا .. فكل مخلوق حتى لو كان حيواناً وتعرض لذرة من عدم العدل في الدنيا فإن الله تكفل بأن يأخذ له الحق في يوم العدل الاكبر .. ولتتصوروا فداحة جرم الظالم فإن عقوبته تكون بمستوى أنَّ الظّالم يوم الحساب يصبح على استعداد أن يفتدي نفسه بالارض وما عليها مقابل الخلاص مما أُعدّ له: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ}
لكن هناك في محكمة العدل الإلهيّة لا مجال للرَّشوة وللواسطة ولا للتدخّلات.. ويوم العدل على الظالم هو أشدّ من يوم الجور على المظلوم، من هذه الزاوية نفهم الحديث الذي يقول : " ان تكون مظلوما خير لك من ان تكون ظالماً". لأن الأمر لا يُرى فقط من زاوية الدنيا، بل علينا ان نراه بحسابات الآخرة.

وفي موضوع فاتورة حساب الظالم هناك نقطة ينبغي إن نعيها وهي ان توعد الله الظالم بالعذاب الأخروي، فهذا لا يعني ان حسابه متروك في الدنيا، وان فكرة المحاسبة هي لرب العالمين يوم الحساب.. فموضوع المحاسبة والعقاب وتحمل نتائج الاعمال، سنها الله في الدنيا كمسار طبيعي للأشياء: فكل فعل يجب ان يقابل بردة فعل طبيعية، تبعاً للفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها ، فالحياة لا تبنى ولا تستمر الا بالعدل.

والله سبحانه وتعالى بالمرصاد لمراقبة أي خلل في مسار تحقيقه..عينه على المظلومين، يترصد الظالمين. حتى أنه سبحانه وتعالى وكما يخبرنا القرآن الكريم قد انزل العقاب والعذاب مباشرة على أقوام سابقين مثل عاد وثمود، بمعاجز وضربات قاضية واستئصال مباشر، وذلك حين حقّ عذاب الله على اقوام وافراد وعلى رموز للظلم التاريخي، من اجل إعادة التوازن إلى الحياة واستئصال الخلل من جذوره في بعض مراحل البشرية المختلفة، فكانت: كوارث وعواصف وريح صرصر عاتية، وزلازل وحرائق وحجارة من سجيل وطيور أبابيل، ووصلت مواجهة الظلم إلى حد انزال المعاجز كفلق البحر لموسى لصد فرعون وجنوده، وتبريد النار لابراهيم مقابل ظلم النمرود، وتنويم اصحاب الكهف ل309 سنوات لحمايتهم من ظلم ملكهم، وانزال جنود لا تُرى في معركة بدر مقابل طغيان وقوة قريش، والتي لو قُيِّض لها الانتصار لكان هلاك الرسالة (اللهمّ إنْ تهْلك هذه العِصابة لا تعبدُ بعدها في الأرض).

وذكرنا ما ذكرنا لنقول إنَّ المجال ليس واسعاً في الدنيا ليعبث فيها الظالمون بحياة الناس، بمعيشتهم، بكراماتهم، بفكرهم، بدينهم، بعقائدهم، وبمصيرهم ومستقبلهم، فالدّنيا مع عتوّ العاتين لن تظل ملاذاً آمناً ، فمن سُنَن الله الّتي لا تتبدّل ولا تتغيّر ولا تتحوّل، هلاك الظّالمين فقال: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} وبالمقابل فإن من سنن الله تعالى أيضاً تحصين حياة المؤمنين {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}

والسؤال الذي يطرح نفسه لم لا نرى في عصرنا الحالي أيّ تدخل إلهي مباشر كالذي حصل في الأحقاب الماضية مع شدة أنواع الظلم والطغيان وهو سؤال مشروع.

والواقع أنه خلال حياة رسول الله وبعده، ارتقت البشرية واكتمل الدين {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُلَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً} ووصل الانسان لمرحلة النضوج لتحمل مسؤولية خلافة الله على الارض واقامة العدل .. إن الإنسان سُلِّح برسول من خارج هو القرآن ورسول من داخل وهو العقل لهذا صارت سنة الله في كبح الظلم تجري على أيدي المؤمنين والمصلحين والباذلين دماءهم في مواجهة الظالمين لإسقاطهم وهزيمتهم...والله سبحانه هو الذي يسدّد المظلومين ودعاة العدل، ويؤيّدهم ويعزّهم ويقوي شكيمتهم، وينصرهم ويثأر لهم من ظالميهم، فالتّسديد والتأييد يبقى رهين جهاد العاملين للعدل والداعين له.. ويصل الامر، عندما يرتقي المخلصون بصفاء سريرتهم وعشقهم لبارئهم وصدق نياتهم،.....إلى أن يخصهم الله بكرامات وأنفحة نورانية وبركات من رحمته وألطاف هي دوما حاضرة في الكرم الالهي.

أيها الأحبة..

ان مواجهة الظلم مهمة إنسانية مشتركة بين كل بني البشر وهذه المهمة لا حدود زمنية أو جغرافية لها.. الظلم في أفريقيا وآسيا له نفس الطعم واللون والرائحة للظلم في أميركا وأوروبا وإن تغيّرت أسماء الضحايا. والطغاة هم أنفسهم، وإن غيّروا جلودهم وأسماءهم.
لذلك فإن المعركة واحدة، فمن كان منتفضا على ظلمه اينما كان ومن اي بلد كان فهو قدوة ورمز وايقونة، والكل في جبهة واحدة لا تعرف الحدود الآنية: الطايفة او المذهب او القومية.

من هنا دعوة الله سبحانه للمؤمنين، كل المؤمنين أن يقفوا في وجه الظّلم والطغيان جبهة واحدة.. أن لا يؤيّدوا ظالماً ولا فاسداً لأي سبب من أسباب التأييد، وأن لا يركنوا إلى ظالم.
قال سبحانه: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}. وقد ورد في الحديث: "إِنَّ الناسَ إذا رأوا الظاللم فَلَمْ يأخذوا عَلَى يديه أوشك أنْ يعمهم الله بعقابٍ منه".

وقد قال علي(ع): "لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله سبحانه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها".
إذاً، المسؤولية يتحمّلها الجميع، كل المجتمع، لا سيّما الذين يملكون مواقع العلم والتأثير والحضور والقوة.. أن يطلقوا لسانهم بالحقّ، أن يحركوا مواقفهم بالعدل، وأن يواجهوا بالقوّة حين تتوافر شروط القوّة لإسقاط الطغيان..

لقد أثبتت وقائع الحاضر والتاريخ القريب والبعيد، أنّ الظّلم يدوم لأنَّ هناك من يسكت عنه أو يقبل به. نعم، الانتصارات قد لا تكون سريعة.. لأنَّ الظالم عندما يتجذّر وجوده وتتجذر قدراته، يحتاج إلى زمن لإسقاطه..
فالنبيّ موسى(ع) بقي أربعين سنة حتى استطاع، وبعون من الله سبحانه، أن يسقط جبروت فرعون.. وقد عانى خلالها الكثير هو والذين معه.. وبقي رسول الله(ص) ثلاثاً وعشرين سنة يدعو ويعاني ويتألم ويجاهد، حتى تحقق له النصر على طغيان قريش وجبروتها، وراح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.

ولذلك، يؤكد الله سبحانه في القرآن الكريم ضرورة الثَّبات والصّبر لبلوغ الظروف الملائمة للنصر، وهي ستتحقّق في الوقت المناسب الذي لن يتأخّر أوان ظهوره، فقد قال سبحانه: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً}.

وأخيراً لا بد من التأكيد أن على الأمة أن ترفع على الهامات أولئك الذين يستلهمون كلمة رسول الله(ص): "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"... خصوصاً السلطان الجائر الذي يستغل عنواناً دينياً أو رمزاً دينياً لتبرير ظلمه وطغيانه..
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}.

اللهمَّ اجعلنا من الدّعاة إلى العدل، الرافضين للظلم، في وقت عز فيه العادلون وكثر فيه الظالمون...

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل