11 Dec 2015
الملأ الظالم... رئة المستبد
الملأ الظالم... رئة المستبد

خطبة صلاة الجمعة 11 كانون الأول 2015 الموافق ل 29 صفر 1437

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}
عندما نستحضر تاريخ البشرية، نجد أن من يتصدر التاريخ وصفحاته سلباً أو إيجاباً هم غالباً أفراد حكموا وفرضوا سلطتهم عدلاً أو ظلماً، وكانت لهم من المآثر أو الفظائع ما عُدِّد وضُخِّم وبُخِّسَ به حسب رواية المنتصر عادة، فيحسب المرء أن هؤلاء الأشخاص بمفردهم و بذواتهم كانوا يحركون التأريخ البشري بمختلف مفاصله وحسب ما وصلنا منه، أي التاريخ. ولكن هذا غير دقيق، نعم هناك أشخاص وأفراد برزوا، لكن فرعون مثلاً لم يكن وحده وكذلك كان معاوية وابنه يزيد وكل الطغاة لم يكونوا وحدهم، كانوا هم لا شك في صدارة منظومة الظلم والاستبداد إلا إنهم كانوا غالبا ما يحيطون أنفسهم ويحاطون بجهاز متنوع متكامل وهو ما يعبّر عنه القرآن بالملأ التي تكررت في أكثر من آية ومع كل الأنبياء.

وقد سموا بالملأ لأنهم يملؤون العيون مهابة، يثبتون سلطة الحاكم او الزعيم او العشيرة او الحزب.. والملأ قد يكون دورهم سلبياً أم إيجابياً فالملأ الذي كانوا حول فرعون شاركوه مواقفه وسياساته الظالمة فيما ملأ سليمان وملأ بلقيس كانا كفريق العمل المساعد والمستمع والذي يعطيالمشورة . {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} وعن سليمان{قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}

مع أنه وفي الغالب جاء هذا المصطلح - مصطلح الملأ - في القرآن الكريم مقروناً بالطغاة والجبابرة من الحكَّام والملوك، وبالتالي في معرض الذم باعتبار هؤلاء هم من يمد الظالم والطاغية والفاسد بالدعم والعون.. وهم من يوفر لحكمه كل أسباب الديمومة والبقاء... الملأ هم غير الجمهور وغير الاتباع والبيئة الحاضنة هم أشبه بالمحرك وأشبه بالهواء الذي يمد الظالم بأسباب بقائه وهم المعبر عن ارادته.

والقرآن الكريم سلط الضوء على هذه الظاهرة ودورها وموقعها تحديداً من رسالات الأنبياء من قوم نوح وصولاً إلى قوم محمد (ص)...وإن تعددت اشكال الملأ وتفاوت دوره من مرحلة الى مرحلة الا انه اتسم بأساليب متشابهة.
أولها أسلوب الازدراء، فيخبرنا القرآن كيف سعى الملأ المناهض للانبياء لتقويض رسالتهم عبر التقليل من شأنهم وشأن الأتباع وإشعارهم بالفوقية، مثلاً من مآخذ الملأ من قوم نوح على رسالته ما ورد في سورة هود: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا}.

وهذا ما قاله ملأ قريش: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ}. وقد تمثل ذلك أيضاً عندما طلبت قريش من رسول الله حتى يؤمنوا به أن يجعل لهم مجلساً خاصاً يجلس فيه معهم.. لمناقشة ما جاء به على أن لا يشاركهم فيه الفقراء كبلال وعمار وصهيب. وكذلك حكم الملأ في قوم صالح على من آمن برسالته نفس الحكم الذي أطلقه مستكبرو قوم نوح وقريش.. {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ}.

ويخبرنا القرآن الكريم عن اسلوب الاستهزاء بالنبي للتقليل من شأنه {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا}.
ولم يوفر ملأ قريش ترويج الإشاعات التي تشكك بأهلية النبي وسلامة عقله وتفكيره وبرسالته بهدف إبعاد الناس عنه..فراحوا يشيعون أنه يفسد العقول ويسحر الأتباع: ساحر ومجنون ويعلمه بشر وأنها أساطير الأولين {..تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً..} وكذلك ما قالوه بحق موسى: { قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}

ومن أساليب الملأ كما يخبرنا القرآن الكريم، اعتماد الطلبات التعجيزية والمرهقة وقد أشار القرآن إلى ذلك بشكل واضح عندما تحدث عن قوم صالح: {فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ }. أما ملأ بني إسرائيل فقد ذهبوا أبعد من ذلك حين قالوا لموسى(ع): {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}.

وسيتبين فيما بعد ان هذه الطلبات ما كانت إلا حججاً يتذرعون بها لإحراج الأنبياء وبالتالي إضعافهم والتشويش عليهم.

ثم يخبرنا القرآن الكريم كيف أن هذا الملأ يلجأ لاستعمال اسلوب القوة والعنف لإسكات صوت الانبياء والدعاة االذين يلتفون حولهم.. ويبقى فرعون في القرآن الكريم النموذج الأبرز للطاغية الذي استخدم ملأً أمثال: قارون وهامان وبلعم بن باعوراء ليرعبوا المؤمنين من اتباع موسى: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}، كذلك ما حصل مع نبي الله شعيب: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}.

وأسلوب الأذى والعنف هو ما شهده نبي الله عيسى والذي وصل إلى حد قتله لولا أن رفعه الله... وصولاً الى النبي الأكرم حيث قال "ما أُوذي نبي مثل ما أُوذيت".. وللعلم فإن الناس العاديين المستضعفين ليسوا هم من واجهوا النبي (ص) يومها بل كانت بطانة زعماء قريش من كانت ترسل وتستأجر من يلاحقون الرسول أينما ذهب بشكل مخطط ومدروس وليس عشوائياً او كردة فعل.. كان يُرمى بالحجارة وتوضع الأشواك في طريقه.. وصولاً إلى المؤامرة التي حيكت بدقة لإخراجه من مكة، والحروب التي أعلنت عليه وعلى أصحابه وحتى ارسال مبعوث من هذا الملأ القريشي إلى الحبشة حيث هاجر المسلمون الاوائل (ومعهم جعفر بن ابي طالب) للتضييق عليهم بدعاية مضادة عند ملكها كي لا يصدقهم ويضيق عليهم.

أيها الاحبة: ان إيراد القرآن لكل هذه التفاصيل عن الملأ الظالم هي ليست على سبيل التأريخ، انما لتركيز الفهم عن خصائص الملأ الذين يقفون بشكل دائم ضد توجهات الحق والعدل والايمان، لندرك انها ليست حبيسة التاريخ، بل هي تتكرر في كل حين ومكان، ما يحتم علينا ان نستحضرها ونعيها بمنظار الحاضر.

ان المتأمل في حركات الاستبداد والطغيان يظن للوهلة الأولى أن الجانب العسكري أو الأمني هو عماد الاستبداد هذا صحيح ولكنه ليس العمود الوحيد أو حتى الرئيس. ومن هنا فإن هذا الملأ قد صنفه المفكرون كالشهيد الدكتور شريعتي ثلاثي الأبعاد، سلطوي (ومنه العسكر والأمن) ومالي يشتري الذمم بشكل مباشر أو غير مباشر، والثالث ديني ثقافي يستجلب المقدس لخدمة السلطة.

ونحن قد نضيف إلى هذه الثلاثية عنصراً رابعاً وهو أكثر هذه العناصر حداثية وهو الإعلام الذي يساهم بتوسيع الملأ ليشمل العوام عبر اللعب على الغرائز ونقاط الضعف والعصبيات.فنصبح من خلال ذلك وعلى مدى التاريخ أمام شريحة متكاملة ومتنوعة الأساليب ويصبح الحاكم المستبد فيها جزءاً من منظومة هذه الشبكة.

إن التصدي للحاكم المستبد قد يسقط الملأ الموالي له و المساند له و لكن أيضا التصدي للملأ و على مختلف جبهاته هو الأساس للتصدي للحاكم المستبد وحاشيته ولذلك لم يكتف الله بأن يرسل موسى الى فرعون بل قال: إلى فرعون وملئه. لهذا ينبغي لمواجهة الحاكم الظالم ان نتعرف الى العناصر الفاعلة التي تشكل دعائم قوته.. فتشوا عن الملأ أو بمصطلحاتنا الجديدة فتشوا خلف الشخصيات والزعماء عن المنظرين والمفتين والداعمين والأدوات على الأرض.. في القديم كانت هذه الأدوات تظهر جهارة أما في عصرنا فيغلب عليها التخفي والمناورة.. وعلينا التسلح بالوعي والمعرفة لكشفها.

الملأ ايها الأحبة، نعم هو مفهوم اعتباري غير محسوس ولكنه في صلب واقعنا، فنحن إذا ما نظرنا إلى أساس المشاكل في عالمنا العربي والإسلامي لوجدناه عبارة عن تحالف السلطة مع المال والنفط والغاز مع المنظومة الدينية المتشددة والفاسدة مع الإعلام، وهذه الجبهة معركتنا معها وجودية. والخطورة أن الملأ في عصرنا الراهن وإن تغيّرت المسميات هم.. هم.. كما كانوا في التاريخ ليسوا ارتجاليين بل يخططون {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ }...

إن استحضار مفهوم الملأ كما طرحه القرآن هو استراتيجي وأكثر اتساقاً مع الواقع ويوزع مسؤولياتنا كلّاً في إطاره. فهلا وعينا وتحملنا؟ نسأل الله أن يجعلنا من ملأ الحق لنواجه طغيان الباطل وملئه.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل