10 Dec 2015
فضل الله في كلمته الافتتاحية في مؤتمر " المواطنة واقع وتحديات" يزعجنا الحديث عن حقوق الطوائف.. ونطالب بحقوق المواطن الإنسان

نظم ملتقى الأديان والثقافات للتنمية والحوار مؤتمر "المواطنة واقع وتحديات" في قرية الساحة التراثية ــ طريق المطار. حضرته شخصيات دينية وسياسية ودبلوماسية وفكرية واجتماعية وثقافية واجتماعية واقتصادية وإعلامية من لبنان والعالم العربي .

آيات بينات من القرآن الكريم ثم النشيد الوطني اللبناني، وقدم الدكتور وجيه فانوس المؤتمر في الجلسة الافتتاحية فألقى العلامة السيد علي فضل الله كلمة جاء فيها:

أرحّب بكم أيّها الأعزاء في رحاب هذا المؤتمر، لا سيما الذين قدموا من الخارج لمناقشة موضوع المواطنة وعلاقتها بالأديان، ومدى قدرتها على التحقّق في هذا البلد والمنطقة من العالم.

إنّ قضيَّة المواطنة بقدر ما هي حسّاسة، وقد يراها البعض غير واقعيّة، في ظلّ تنوع الأديان ونزاعات الطوائف، وسيطرة الحزب الواحد أو الدّين الواحد أو المذهب الواحد أو القوميّة الواحدة، فإنّنا نراها ضروريّة وملحّة في هذه المرحلة العصيبة التي تعيشها أمّتنا، حيث يتنامى الانقسام بكلّ تلاوينه، والذي بات يهدد نسيج المجتمع والأوطان، حتى أصبح الحديث عن التقسيم ظاهراً في العلن بعدما كان قائماً في السر.

إننا نرى أنّ المواطنة هي الوسيلة الأمثل لحفظ الأديان والمذاهب والأحزاب وكل الفئات.. فهي صمام الأمان من كلّ الفتن الّتي تعصف بواقعنا وتكاد تودي به... فلا يمكن لمن يرى إنسانيّتنه مقهورة وحقوقه مهضومة، أو يرى نفسه من الدّرجة الثّانية، فيما شريكه في الوطن في الدّرجة الأولى يتنعّم بامتيازات، أن يقبل ويرضخ ولا يبالي، بل إنّه سيتوتّر وسينفعل ويثور ويستجدي من يمدّ له يد المساعدة.. وغالباً ما لا تكون مساعدة الغير له لسواد عيونه، بل تكون توطئة لقدم له.. وعندها لن تبقى هناك وحدة إسلاميَّة، ولا وحدة وطنيّة، ولا تلاقي أديان...

إنَّ التوترات الّتي نشهدها في واقعنا قد يكون سببها الظاهر هو التدخّلات الدوليّة والإقليميّة، أو الجهات التكفيريّة أو التطرّف.. أو العدوّ الصّهيونيّ.. أو الاستكبار العالميّ.. ولكن يبقى السّبب الحقيقيّ، وهو السَّبب الّذي يقف وراء كلّ هذا الأسباب، هو شعور البعض بالانتقاص من إنسانيّته، لكونه ليس ابن طائفة معيّنة أو مذهب معيّن، أو لكونه ليس صاحب السّطوة والقوّة أو ابن هذا الموقع السياسيّ النافذ أو ابن هذا الحزب أو التنظيم أو ذاك.

إنَّ الغبن اللاحق بأيّ طائفة أو مذهب أو موقع سياسيّ، هو مشروع فتنة أو حرب، عاجلاً أم آجلاً، وهو مشروع تهجير من الأوطان.. فالذين يهاجرون إلى أوروبا، ولأجل ذلك يعرّضون هم وعوائلهم وأطفالهم للخطر.. إنّما يهاجرون لأنّهم شعروا بأنَّ أوطانهم لم تعد تلبي احتياجاتهم، ولم تعد تشعرهم بإنسانيتهم، فغادورها بدون نية العودة إليها..

لقد ربط عليّ(ع)، وفي أكثر من حديث، بين الوطن والإنسانيّة، فاعتبر أنّه لا يمكن أن يطلب من إنسان أن يحبّ وطنه، وأن يضحّي لأجله، وأن لا يبيعه، ما لم يحفظ له الوطن إنسانيته ولم يشعره بكيانه، إلا إذا كان قديساً أو ملاكاً.. فقال(ع): "الغنی في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة.. ليس في الغربة عار، إنما العار في الوطن الافتقار"... وهو ترقّى ليقول(ع): "ليس بلد أحقّ بك من بلد، خير البلاد ما حملك". وقال(ع): "لا خير في الوطن إلا مع الأمن والسرور".

لذلك، نحن هنا نؤكّد هذه القيمة لنتدارسها ونزيل كلّ التساؤلات التي تطرح حولها..

أيها الأحبة: قد يرى البعض غريباً أن أتحدث أنا رجل الدين عن المواطنة.. وأن يسوّق لها.. وأنا أنتمي إلى دين، والأديان تتجاوز الأوطان.. لأنها عالمية.. والمسلم أخ المسلم يعضده أينما كان.. والمسيحي أخو المسيحي.. والمسلم كما المسيحي إذا آمن بالوطن فهو لا يراه إلا على صورته، والآخر فيه من درجة ثانية.

قد يكون هذا الحديث منطقياً وصحيحاً إذا لم نربطه بزوايا ثانية، فلا يعني أن تكون لي علاقة شعوريّة تربطني بأبناء ديني أو بمرجعية دينية، أن يكون ذلك على حساب المصالح العليا لوطني.. فالالتزام بالمواطنية يتم في ضوء المقاصد الكبرى للدين، والتي هي بالتّحديد مقاصد أخلاقيّة وإنسانيّة عنوانها العدل والحريّة وكرامة الإنسان {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}، {ولقد كرّمنا بني آدم}.

ويقول الإمام علي(ع): "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.. فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الّذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه وصفحه"، وإذا كان البعض يتحدث عن صيغة أهل الذمّة أو صيغ أخرى يراها البعض تخلّ بالعلاقات بين المواطنين المختلفين، فإنها لم تعد الصيغة المتعارفة، بل باتت هذه الصّيغة هي العهد والميثاق الوطنيّ..

أيّها الأحبّة: لقد كنا ولا نزال نريد للبنان أن يقدّم أنموذجاً يحتذى في إحساس الإنسان بإنسانيته، ما دام هذا البلد ولد من رحم الأديان والقيم.. وسنبقى نصرّ على أن يكون لبنان هو مهبط هذه القيم ومنطلقها إلى العالم.. وإلا فلنكفّ عن الحديث عن الأديان، ولنتحدّث عن العشائر الَّتي تسمى باسم الأديان.

إنّنا ارتضينا ونرتضي أن تكون صيغة لبنان هي بالشّكل الموجودة فيه، ولو في الحدّ الأدنى مرحلياً، ما دامت هذه الصيغة تمّت بموافقة اللبنانيين، ولكن ما نريده وحفظاً لهذا الوطن ليكون أنموذجاً، أن نضع الأطر الكفيلة بمنع من هو ابن طائفة أو مذهب أو محور سياسيّ من أن يتصرّف انطلاقاً من موقع طائفيّته، عندما يكون رئيساً للجمهوريّة أو لمجلس الوزراء أو للمجلس النيابي، أو وزيراً أو نائباً أو مواطناً من طائفة أو مذهب.. فعندما يكون في موقع، فعليه أن يكون ابن الوطن لا ابن طائفة.

أيها الأعزّاء، يزعجني كثيراً ويزعجكم الحديث عن حقوق الطوائف.. لكن، ومن موقع الحديث عن حقوق المواطن، يمكن أن نطالب بحقوق طوائفنا من موقع مواطنتنا.. من موقع حقوق الإنسان في هذا الوطن.

إننا نريد للبنان، وكما نريد للمنطقة، بناء دولة الإنسان، ولو كان ذلك من باب الاعتراف بالطوائف والمذاهب.. وهذا لا يتم إلا إذا جرَّدنا الطوائف والمذاهب من عصبياتها، وأدخلنا إليها روح الدين.. دين القيم والإنسانية والتسامح..

إن الطائفية بمعناها الموجود هي عشائرية مقنّعة بقناع الدين وبغطائه.. وهي أبعد ما تكون عن الدين والإيمان.. إنّ الطائفية تستغل الدين وتستثمره وتشوّهه، بحيث معها يبدو الدين عامل كراهية وحقد وانقسام.. وهذا طعن في الدين... إن المواطنة أيها الأعزاء، هي ليست كما ينبغي أن تكون خيار النظام فحسب، بل ينبغي أن تكون خيار المواطن الذي عليه أن يتصرف من موقع أنه ابن وطن ويقيس من يختارهم أو يؤيّدهم أو يرفعهم على الأكتاف بمقدار إخلاصهم لوطنهم، لا إخلاصهم لطوائفهم ومواقعهم السياسية.. إن هذه التربية هي مطلوبة في البيوت والمناهج الدراسية والكنائس والمساجد والمراكز الثقافية، فالتغيير لن يكون إلا بتغيير النفوس، فالله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

فالمواطن هو من يصنع المواطنة عندما يرفع القيادات المؤمنة بالمواطنة على حساب الطائفيين..

إننا، وانطلاقاً من هذا المؤتمر، ندعو إلى بناء دولة المواطنة في مواجهة دولة العصبيات الطائفية، لا في مقابل الأديان، لأننا نرى المشكلة ليست في الدين، بل في تطييفه وتسييسه، فالدين هو قيم لا تستغني عنها الحياة، بل نريدها في بناء دولة الشفافية والقانون في مواجهة دولة الفساد... دولة القانون في مواجهة دولة المحسوبيات... دولة العدالة في مواجهة الاستئثار.. دولة التخطيط في مقابل دولة الارتجال.. الدولة الموحدة القوية في مقابل الدولة المتشظية بتشظي طوائفها، والضعيفة بانقسام شعبها.. الدولة التي تحدد العدو من الصديق بناء على معايير وطنية، وليس لحساب هذه الطائفة وتلك، وارتباطات هذا الفريق السياسي أو ذاك.. بحيث تنتظر كلمة السر الآتية من وراء البحار.. أو تذهب إلى هذا البلد أو ذاك حتى يحل مشاكلها.. الدولة القادرة على استيعاب طموحات مواطنيها، لا الدولة الطاردة لهم.

إن المهمة ليست صعبة إن قررنا أن نخرج من أثوابنا البالية التي لم تعد تتناسب مع تحديات العصر وطموحات أبناء هذا الوطن.. إلى لبس أثواب جديدة...

إنَّ أمام هذه الدولة؛ دولة الإنسان؛ دولة المواطنة؛ دولة اللافساد واللااستئثار؛ عقبات لا بدّ من السعي لإيجاد حلول لتقاربها...

الأولى تتصل بدور النظام الطائفي في زراعة الموانع الكبيرة أمام هذا المشروع، فهذا النظام، وعلى الرغم من كل تناقضاته وصراعاته، تراه يقف موحداً تجاه أية عملية تغيير لقواعده، باعتباره يهدد مصالح أركانه، وأول أسلحته إثارة الحساسيات الطائفية والمذهبية.. لكنه ليس بالقوة التي يدعيها، وهذا ما أكدته الحالات الاعتراضية على سياساته، بالرغم من نقاط ضعفها، قوته أنه محميّ من داخله ومن الخارج الذي لا يزال يريد لهذا البلد أن لا يكون وطناً، بل دوراً متأثّراً ومنفعلاً.

العقبة الثانية تتصل بموقع لبنان الجيوسياسي، والذي يجعله شديد التأثر بالمعادلة الإقليمية والدولية، وذلك بسبب الطموحات الإقليمية من جهة، وارتهان الطوائف للدعم الإقليمي، لتحسين نفوذها في الصراع الداخلي من جهة أخرى، هذا الدعم الذي يعزِّز سياسة الانقسام ويعمّقها..

العقبة الثالثة، هي شعور الإنسان في لبنان وخارجه أن أمانه لم يعد بالدولة بل بطائفته ومذهبه، وعدم ثقته بكل ما تدعو إليه.

العقبة الأخيرة، هي العقلية الإلغائية الإقصائية التي ترفض الآخر، والتي باتت سمة الواقع في بلادنا وحتى في العالم.

إننا لا نرى هذه العقبات مانعة وعائقة إن شعر الجميع أن لا خيار لهم إلا بالعودة إلى المواطنة، فهي أمان المجتمعات وبها يتحقق روح الدين.

إننا نأمل من هذا المؤتمر، الذي يضمّ نخبة من المفكّرين والباحثين والأكاديميين، أن يخرج بنتائج تزيل العقبات ويحقّق الطموحات التي يكون فيها خلاص لبنان وخلاص البلدان العربية، التي يراد لها، وللأسف، أن تستنسخ تجربة نظام المحاصصة الطائفية كحل لأزمات اجتماعها السياسي.. فيما هو مدخل لإنتاج المزيد من الأزمات...

الجلسة الافتتاحية

وفي الجلسة الافتتاحية كانت كلمة للأستاذ نعمة فرام، رأى فيها أن ما يصيبنا هو نتيجة خلل بنيوي، مؤكداً أن في الدخول إلى عالم المواطنة نمواً طبيعياً ترقى له المجتمعات من خلال وعيها وتجاربها.. وفي لبنان فاتنا الوعي المطلوب لاستنباط الحكم من تجاربنا.

إننا بحاجة لنظام تشغيلي يحقق نمواً اقتصادياً ويوزع الثروة الوطنية بعدالة، وإذا أردنا مجتمعاً فاسداً فلنستمر في تحفيز الفساد، أما إذا أردنا مجتمعاً وطنياً فعلينا تحفيز هكذا مجتمع، وختم مؤكداً على أهمية وجود عقد وطني يحمي الجميع. ثمّ كانت كلمة المهندس أمين محمد الداعوق، التي أكد أن على المسؤولين أن يكونوا هم مواطنين صالحين وأن يوفروا الأجواء للناس ليكونوا كذلك، فأين تبدأ هذه الدورة؟.. المهمة الأولى في هذه المعادلة تربية المربين، وجميع المربين هم قاصدو الخير.

وأكد أن المطلوب تربية المواطن على المواطنية.. أن يتساوى المواطن مع أخيه لا على أساس المذهب أو الدين أو المعتقد، بل على أساس المواطنة، والدين لا يفرّق بين الناس، فعلى المواطن أن يعلم بأنه واحد من إخوة له في هذا الوطن متساوون جميعاً بالمسوؤليات، والمربي هو الذي ينمّي روح المواطنة ليبني أشخاصاً متجانسين، والتربية هي ممارسة مستمرة، وعلى المربي أن يكون منفتحاً طالباً للخير وقاصداً له.

ثم تحدث القاضي عباس الحلبي فأشار في كلمته إلى أن الخوف ما كان يستعر في لبنان لو بقيت الدولة قوية بدستورها ومؤسساتها الدستورية وجيشها، وكانت قادرة على إعطاء الاطمئنان لجميع اللبنانيين.

مشيراً إى أن ضعف الدولة بجميع أجهزتها شكل فرصة للطوائف للاستقواء عليها فحدثت الفوضى.

وقال إن مستقبل هذه المنطقة هو في دولها الموحدة القائمة ليس على أساس ديني بل بالسعي لتحقيق الدولة المدنية التي تقر بالأديان وتحترمها.

واختتمت الجلسة الافتتاحية بكلمة للمفكر الدكتور طيب طيب تيزيني التي قال فيها: أن شأن المواطنة هو من الشؤون المتأزمة في الوطن العربي، فقضية المواطنة قضية عريقة ارتبطت بالتحول من الكائن ما قبل العاقل إلى الكائن العاقل، فهي مسألة مرتبطة بالتاريخ، وهي ذات أصل يتصل ببدايات البشرية، أن يخرج هذا الكائن من الطبيعة ويصبح سيد نفسه، وهذا يعني أن التاريخ هو الذي يدلل على ذلك.

وتساءل ما هو الدين ومن هو المتديّن، فالأديان التي نشأت كمطلقات، ولكن حين نخطو إلى الأمام لنتبين العلاقة بين المطلق والنسبي نجد علاقة قلّما نشأت في الفكر العربي إلا قليلاً.. فالعلاقة بين المطلق والنسبي هي ذات بعد واحد.. فالمطلق مطلق على كل أشكال الوجود ويتجلى فيها، والنسبي لا يستطيع أن يكون مطلقاً، فالله هو الذي لا شريك له.

ورأى أن حرائق العالم العربي ينبغي أن تبدأ بالانطفاء، وأن يكتشف الناس في العالم العربي أنهم بشر مختلفون ومتنوعون.. فالتربية الاجتماعية هي التي تؤسس للكائن الذي يتصل بالمطلق وهذا له حدود تفضي إلى التمايز بين المطلق والنسبي، وبالنتيجة الكل محقّون..كل المؤمنين محقّون.. متساوون من حيث هم.. وتأتي التربية لتشذب هذه العلاقة ولتكتشف أبعاداً لا تُحصى، والقدرة على المعرفة الدينية قدرة إنسانية، ولكن الخطر قائم بين المطلق إطلاقاً والنسبي.

ورأى أن فكرة المواطنة إنما هي إنتاج بشري بامتياز، ونشأت حينما بدأ الكائن التاريخي يفصح عن نفسه، وتصبح المواطنة هنا حالة ليست مستحيلة، إنها شأن البشر، كيف تربّوا، كيف عاشوا، ما هي مصالحهم، والشيء المثير أننا نضع أيدينا على اعترافات دينية من قبيل ما يُنسب للرسول(ص): أنتم أعلم بشؤون دنياكم.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل