05 Dec 2015
الإنسان المعطاء...الأحسن عيشاً
الإنسان المعطاء...الأحسن عيشاً

خطبة صلاة الجمعة 5 كانون الأول 2015 الموافق ل 23 صفر 1437 هـ

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

عن أحد أصحاب الإمام الرضا(ع) علي بن شعيب قال: دخلت على الإمام الرضا(ع) فقال لي: يا علي من أحسن الناس معاشاً قلت يا سيدي: أنت أعلم به مني، قال: يا علي أحسن الناس معاشاً من حسن معاش غيره في معاشه... ثم قال: يا علي من أسوء الناس معاشاً؟ قلت: يا سيدي أنت أعلم به مني. ثم قال:"من لم يعش غيره في معاشه".

في هذا الحديث أراد الإمام أبو الحسن علي بن موسى الرضا(ع) ثامن أئمة أهل البيت(ع) أن يصحح الصورة التي ارتسمت في اذهان البعض في تقييمهم لمن هو أحسن عيشاً، ممن يعتبرون أن أحسن الناس عيشاً وأكثر الناس سعادة هو الذي يمتلك مالاً كثيراً أو موقعاً مميزاً أو بيتاً جميلاً أو من هو قادر على نيل ما يريد. فيما أسوأ الناس من لا يمتلك كل هذا...

إن الإمام الرضا(ع) ومن خلال هذا الحديث يبين لنا صورة الإنسان السعيد والأحسن عيشاً، إنه الإنسان المعطاء، الذي يفيض وجوده خيراً على الذين يعيشون معه بحيث يترك في حياتهم أثراً، يغير واقع حياتهم، ويجعلها أفضل من خلال ما يقدم إليهم ما يحتاجون اليه، أو مما يحتاج اليه الذين يأتون من بعدهم فيما أسوء الناس عنده هو الذي يستغرق في حدود ذاته، فذاته هي كل همّه وكل سعيه لا يبالي، إن عاش، بآلام الآخرين وحاجاتهم ومتطلبات حياتهم، يمر عليها مرور الكرام.

أيها الأحبة...
لم يكتف الإسلام في رسالته دعوة الناس للإكتفاء بقيامهم بواجباتهم العادية من صلاة وصيام وحج وترك الحرمات من غيبة ونميمة وكذب وسرقة وإساءة إلى الناس... بل دعا الإنسان إلى دور فاعل في مجتمعه أكان مجتمعاً نلتقي معه في الدين أو نختلف معه، على الإنسان المسلم أن يترك بصمته في الحياة من حوله بحيث يدخل إلى العقول والقلوب، ويتحول إلى حركة عدل وحرية وعمل وعمران.

ومن هذا الموقع يقول الإمام علي(ع): "عاشروا الناس معاشرة إن متم معها بكوا عليكم وإن عشتم حنوا اليكم"
يعني عيشوا بالصورة التي تتركون معها أثراً في نفوس الناس، يفتقدونكم إذا غبتم ويترحمون عليكم عند الموت، فلا يقولون بغيابكم ارتحنا، وصارت الأمور أحسن...

كونوا كما النحلة تغدو وتروح تبحث عن رحيق الأزهار، وليس أي رحيق، لتصنع عسلاً يكون للآخرين غذاء وشفاء وسرورا وحياة...

أيها الأحبة...
لقد اعتبر الإسلام العطاء من ميزات المؤمن. هو جزء من إيمانه وتقواه... ولذلك عندما تحدث عن المؤمن قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (الأنفال/2-3)
فالمؤمن لا يقف عند حدود العبادات بل يحول العلاقة بالله الى خدمة لعياله، فالخلق كلهم عيال الله وأحبهم الى الله أنفعهم لعياله... لهذا كان الإنفاق من ميزات المتقين: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (ال عمران/133-134)

هم ينفقون في كل الحالات، في اليسر والعسر، ينفقون حباً وعفواً وتسامحاً كما ينفقون مالاً وطعاماً... كلّه عطاء.
لهذا نجد في التشريع الإسلامي التأكيد على العطاء في الواجبات المالية من الخمس والزكاة:
{وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ...} (الأنفال/41)
إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير وعري إلا بمنع الأغنياء وان الله محاسبهم ومعذبهم عذاباً أليماً.

لكن هذا التأكيد لم يقف عند حدود المال فهناك زكاة القدرة وهو الإنصاف، وزكاة الجمال وهو العفاف، وزكاة الصحة وهو السعي في طاعة الله، وزكاة الشجاعة الجهاد في سبيل الله.
ولم يقف الإسلام عند حدود الواجبات، بل حثّ على المستحبات: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم... (التوبة/103) لكنه لم يرد للصدقة أن تبقى في حدود المال، ففي حديث لرسول الله(ص):"على كل مسلم في كل يوم صدقة، قيل ومن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال إماطتك الأذى عن الطريق صدقة، وإرشادك الرجل الى الطريق صدقة وعيادتك المريض صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة ونهيك عن المنكر صدقة..."

وورد أيضاً: "صدقة يحبها الله إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا"
" أفضل الصدقة صدقة اللسان"
"عونك للضعيف من أفضل الصدقة"
"أفضل الصدقة إبراد الكبد الحرى"
"تبسمك في وجه أخيك صدقة"

أيها الأحبة...
لم يرد الإسلام للعطاء أن يحد بحدود الزمان والمكان، ولا المذهب والدين: {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا } (النساء/36)
{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(الممتحنة/8)
إبذل لأخيك دمك ومالك ولعدوك عدلك وانصافك وللعامة بشرك وإحسانك هذا ما يعلمنا إياه إمام المتقين:
"يا كميل مر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم ويدلجوا في حاجة من هو نائم"

أيها الأحبة...
عندما تحدث الإسلام عن العطاء لم يرد له ان يكون عطاء الفرد بل دعا الأمة المسلمة أن تكون أمة الخير في تعاملها حتى مع الذين يختلفون معها: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ( ال عمران/104)
وأراد أن تكون الأمة التي تمد جسوراً مع الأمم الأخرى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}(آل عمران/64)
وأراد لها ان تكون الأمة التي تتفاعل مع بقية الحضارات: {...وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...} (الحجرات/13)
لا تتنافروا ولا تتحاقدوا...

أيها الأحبة...
إن الذين يملكون طاقات يستفيد منها الآخرون ولا يبذلونها، يجمدونها لحساباتهم الخاصة أو يفرطون بها، هم خائنون لأمتهم ولإنسانيتهم، سارقون لقدراتها لأن طاقات الأفراد هي طاقات للجميع، ولهذا سيقفون للحساب والمسؤولية بين يدي الله ... هكذا يريد لنا الإسلام أن نكون.

فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق: "إن الله لم ينعم على عبد نعمة إلا وقد الزمه فيها الحجة من الله فمن منّ الله عليه فجعله موسعاً عليه فحجته عليه ماله ثم تعاهده الفقراء بفرائضه ونوافله ومن منّ الله عليه فجعله قوياً في بدنه فحجته عليه القيام بما كلفه واحتمال من هو دونه ممن هو اضعف، ومن منّ الله عليه فجعله شريفاً في قومه جميلاً في صورته فحجته عليه ان لا يغمط حقوق الضعفاء لحال شرفه وجماله".

جاء رجل إلى رسول الله(ص) وقال له: "دلني على عمل إن أنا عملته دخلت الجنة، قال(ص): أنل مما أنالك الله، فقال الرجل: فإن كنت احوج ممن انيله قال انصر المظلوم قال: لا أريد الدخول بين المظلومين والظالمين، قال: اصغ للأخرق، قال فإن كنت أخرق ممن اصغ له، قال: أمسك لسانك الا عن خير، المهم أن تعطي أن تبدأه ولو بكلمة طيبة...

أيها الأحبة..
إن السعادة كل السعادة، عندما نزرع سعادة في قلب مهموم أو مغموم. عندما تغني عقلاً بالمعرفة. عندما تفتح قلباً على المحبة. عندما تساعد إنساناً وتقضي حاجة. عندما تغير واقعاً فاسداً. عندما تقيم عدلاً وترفع ظلماً. عندما تحول حياة إلى صدقة جارية تنفع الناس وكتاباً يُقرأ وولداً صالحاً.

هذه هي قيمة الحياة، وهذه هي السعادة الحقيقية. إذا أردتم أن تعرفوا ذلك عيشوا هذه القيمة، تأملوا في حياة كل الذين غادروا الدنيا، من هم الذين أبققتهم الحياة، ومن هم الذين لفظتهم ولم يعد لهم أثر فيها.

هذه الصورة هي التي نتمثلها في أجلى صورها وتعابيرها في ذكرى أربعين الحسين (ع) حين تشهد عليها ملايين الناس الذين قدموا من كل حدب وصوب شوقاً ولهفة يكابدون الاخطار ويتحملون المشقة ليعبروا بزيارتهم عن حبهم وعشقهم وولائهم لمن لم يبخل عليهم بعطاء الدم من أجل أن يكونوا أكثر وعياً ومسؤولية وفاعلية...لقد بقي الحسين حاضراً في الوجدان فيما الذين باعوا ضمائرهم وأحنوا هاماتهم لأجل دنيا لم تسلم لهم .. ها هم لعنة التاريخ وخارجه.

أيها الأحبة...
لقد حدد لنا الإمام الرضا الصورة التي نحيي بها ذكره وذكرى أهل البيت جميعاً عندما قال: "أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا" ولذلك سنبقى نحيي سيرة الحسين وكل الائمة وسنبقى نزورهم زيارة الواعين نزورهم بقلوبنا وعقولنا كما نزورهم بأجسادنا عندما نتشرف بمقاماتهم المقدسة.

السلام على كل السلسلة الطاهرة من أهل بيت رسول الله
السلام على الحسين وعلى يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل