30 Nov 2015
تحريم الغيبة لحفظ الأمن الاجتماعي التواصلي
تحريم الغيبة لحفظ الأمن الاجتماعي التواصلي

خطبة صلاة الجمعة 27 تشرين الثاني 2015 الموافق ل 15 صفر 1437 هـ

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}

منذ نشأته، هدف الإسلام إلى تحقيق الأمن والأمان داخل المجتمع بشكل أساسي...الأمن النفسي و الجسدي والمادي، وبالتالي لم يُجز الاعتداء على النفس والمال والعرض.. وتوسع في ذلك إلى شعور الإنسان بالأمن المعنوي، وبالأمن على كرامته الشخصية الفردية، أن لا تُستباح كرامته ولا يساء إلى خصوصيتها مما يحقق الامن الاجتماعي لكل افراد المجتمع.. وساوى بذلك بين الغني والفقير وحتّى بين الحر والعبد. وتحقيق هذا الأمن هو ما يميّز الإسلام.

هذا الاهتمام وتلك الضوابط ،هي مما لا يتوافر في التّشريعات الوضعيّة(اي تلك التي من وضع الانسان) فقد اعتبر الإسلام الإنسان مسؤولاً عن كلّ ما يصدر عن لسانه وسمعه وبصره، وحتى ما يخفق به قلبه، وهو يسجل ضده ولحساب غيره في كتاب أعماله.

ومن هنا قوله سبحانه: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}، {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.. { لا يَسْخَرْقَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ...}، واللمز يعني تتبّع العيوب والظّنّ في الآخرين.. {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}. وغير هذا الكثير...

إن هذه القواعد المتعلقة بحقوق الآخرين بما يحفظ كراماتهم أجراها الإسلام على أي إنسان بغض النظر عن اللون والجنس والدين، فالجميع محفوظ الكرامة عند الله وانسانيتهم محفوظة حتى وان تخلوا هم عنها بتصرفاتهم وتقصيرهم.. فهم محميون عند الله.

ومن هذه الحقوق نذكر تحديداً تحريم الغيبة...إلا في بعض الاستثناءات عندما يكون هناك مصلحة في ذلك..النصيحة أو رد إنحراف..لكن المبدأ هو المنع. {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}..

ولأن الامور والمفاهيم قد تختلط (كما هو حاصل في ايامنا هذه كثيراً)، قد يكون من المفيد التذكير بتعريف الغيبة كي لا يشكل على احد فهمها: فالغيبة المرفوضة إنسانياً والتي حرمها الله واعتبرها اعتداءً على حقوق الآخرين هي ان تذكر أحداً في غيابه مما هو فيه من عيب او خطأ ارتكبه او اي شيء يمت له بصلة بما يكره أو يدخل الأذى الى نفسه. لماذا؟ لأن حقه محفوظ من الله ولا ينبغي لاحد ان يتناوله وتحت اي حجة: قد يقول البعض إنه تحليل أو نقد او توصيف لما جرى امامه او سمع به بنفسه والبعض يقول لك مجاراة في الحديث واجتماعيات...

ومهما كانت النية والمنطلقات: حسنة.. شريرة ..فضائحية.. استنكاراً او تعجباً او رغبة ذاتية لإظهار ما يميزه على الآخرين، فيما الآخرون ممتلئون عيوباً. انسان كهذا كيف يمكن ان يكون عادلاً او مؤتمناً، ومهما كان حكمه على من يغتابه فهو مرفوض بمجرد ان يقال في غياب الشخص وامام آخرين يعرفونه أو لا يعرفونه..

لماذا؟ لانها حرمة الاشخاص وسمعتهم وكرامتهم قبل كل شيء ..
فهل هناك رحمة أكبر من هذه الرحمة؟ وهل هناك حفظ لكرامة الإنسان أكبر من هذا الحفظ؟

للأسف،ايها الاحبة توسّعت في هذا العصر موارد الغيبة، وإهدار الكرامات ،وفضح عيوب الناس المستورة ونشرها، بتوفر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي ومختلف وسائل الإعلام ، التي بات جلّ همها أن تنشر الفضائح وتظهر خبايا الناس. والناس تتناقل ذلك بسهولة شديدة ومن دون اي تورع..

فأصبح الإنسان أي انسان غير آمن على نفسه أو على الّذين يحيطون به، فيصوّروا ويسجّلوا وينشروه بين الناس.. ومن من الناس لا عيب له او ليس لديه هفوات .. ان ارتكاب الخطأ والخطيئة ليس مبرراً لنشرها ابدا، بل الاولى الستر والمعالجة ان امكن...بأن يتوجه إلى الشخص ليتحدث إليه. وغير صحيح القول انه يجب الفضح للوصول إلى الردع.. هذا معول هدم وتدمير بدليل ان الفواحش تزداد أكثر وأكثر بعد نشرها... إن هذه الوسائل نقلت الغيبة من المجال الضيّق الّذي كانت موجودة فيه، والمجال الفرديّ والمحدود إلى المجال الواسع غير المحدود...ومن هنا تحذير الله: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ}

إن مرض تناول الآخرين بالألسن وهتك سمعتهم اصبح للأسف في مجتمعاتنا أمراً عادياً، فيما يفترض فيها ان تكون محصنة اكثر من غيرها نتيجة تربيتها على أدبيات دينية متعددة حذرت من هذه السلوكيات وتشددت في ذلك. ثم ان جميعنا يعلم كيف ان القرآن الكريم كان واضحا ومباشرا بصيغة النهي والأمر {وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ}..

نعم الغيبة تعني ان تنهش لحم اخيك ميتاً..وهذا التعبير القرآني الكريم عن فعل الغيبة لم يعبّر به القرآن عن باقي الفواحش، لأن الغيبة ببساطة طاعون يفتك بالمجتمعات متى انتشر فيها ويهدّد استقرارها وأمنها ويثير التوتّرات والأحقاد.. ويسيءكما ذكرنا إلى كرامات الناس..'

وفي الاحاديث لطالما سمعنا حديث: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم.. إلا حصائد ألسنتهم". وكلنا تربى على حديث : "فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا" رغم أنَّ الزنا فاحشة، والزاني قد يتوب وقد يقبل الله توبته اما المستغيب فلا يقبل الله توبته الا اذا سامحه صاحب الحق.

وفي تراثنا الكثير الكثير من الأحاديث التي هي كفيلة ان وعيناها ان تكافح هذا الوباء من بيوتنا واجتماعاتنا وجلساتنا وهواتفنا ورسائلنا.. فلنتق الله.. وكما نريد ان يعاملنا الاخرون فلنتعامل ...
ولنتذكر دائماً أن "المؤمن لا يكون مؤمناً حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكرهه لها"
وعلينا ان نتذكر ونذكّر بعضنا بالحديث الشريف : "من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه، وهدم مروته، ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله عزّ وجلّ من ولايته إلى ولاية الشيطان".

مع العلم ان القائم بالفعل والمستمع له والراضي به شركاء ..لأن السامع للغيبة كالمغتاب و"حقّ السّمع تنزيهه عن الغيبة وسماع ما لا يحلّ سماعه". كما ورد في رسالة الحقوق. نعم على المومن ، حتى ولو أحرج الاخرين .. لا يساير بل يصم أذانه ويعلن انه لن يجلس في مكان يجري فيه تناول الناسعملا بقوله عز وجل:
{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}.
والنتيجة ان الثرثارين ينسحبون وينكفؤون إن لم يجدوا آذاناً صاغية وأرضية حاضنة.. ولن يكون لهم خبز او رزق كما يقول المثل.

أيها الاحبة:
ان كل التعليمات الواردة إلينا بخصوص منظومة الامن الاجتماعي الخاصة باستعمال اللسان، هي بالنهاية منظومة أخلاق، يستفيد منها الانسان ويرقى في الانسانية ويكون اكثر نظافة وسلامة وطهارة. ان الطهارة مطلوبة ليس فقط على مستوى البدن والثياب انها مطلوبة بشكل أكبر في اللسان والقلب.. ونحتاج ان يتوسوس الانسان في هذه لا في تلك.. وسوسة النجاسات المادية من الشيطان. اما تلك فمن التقوى.

ان الثرثرة واللغو وتناول الاخرين كلها خصال معطِّلة ومدمِّرة، من الدوائر الصغيرة وحتى الكبيرة. ولأن القوانين الوضعية قد لا يمكنها متابعة هذه التجاوزات والمحاسبة عليها كلها لهذا تكفلها الله وضمنها لعباده وجميع خلقه على حد سواء.. انها حق الانسان على أخيه الانسان ...

لقد وقف رسول الله في حجّة الوداع ليقول: "أيّها الناس، إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إنّ الله حرّم الغِيبة كما حرّم المال والدم".. "إنَّ الله عزّ وجلّ فوّض إلى المؤمن أموره كُلّها ولم يفوّض إليه أن يُذلّ نفسه..".

جعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه سميع مجيب الدعاء..
واللحمد لله رب العالمين

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل