24 Oct 2014
كلمة المدير عام د.محمد باقر فضل الله في تخريج طلاب مدرسة رسول المحبة-جبيل
كلمة المدير عام د.محمد باقر فضل الله في تخريج طلاب مدرسة رسول المحبة-جبيل

من زيتونة عاملية لا شرقية ولا غربية نبري من أغصانها قلماً ومن زيتها نغمس حبراً، وبحروف هذه المدينة المعلّقة تاريخ مجدٍ في كتاب الحضارة الموغلة في الزمن، نخط لأبنائنا عبارات التهنئة والتبريك لتبقى أزلية الفرح أبدية التألق.. ومن أخشاب أرز جبالنا الشمّاء نصنع مراكب عبورهم إلى ضفاف العزة والكرامة والسعادة، وبأشرعة الخُلق وقيم الرسالة وثقافة الخير والمحبة تنطلق هذه الفُلك غير عابئة ولا آبهة بكل صنوف الموج والريح.. من هنا ومن ميناء مدينة إبداع الحرف جئنا نصدّر حروف المبرات إلى موانئ القلوب المشرعة على الحب لنكتب فوق صفحاتها بلاغة الكلمة السواء ونحكي لها بفصيح عبارات الصدق حكاية المودة للذين آمنوا.. وقبل ومن بعدُ لأجيالنا الذين سيقودون سفينة التواصل والتلاقي والتعاون بين أبناء الوطن كلّه علّهم يجيدون كتابة تاريخ جديد لوطن جديد يبدأ بقصة الإلفة لا بحرف الألف وتتزاحم حروف الزمن حكايات تنام على وقع تلاواتها عيون العاشقين للأمل المشرق والباحثين عن الأمن والطمأنينة والسلام..

حاجاتنا الوطنية

أن نُوَلّدَ للوطن تاريخ حضارة من رحم المآسي والآلام فتلك معجزة أو عجيبة في زمن ولّت معه المعجزات والعجائب، لكن أن نستسلم للقدر فتلك المصيبة والبلوى.. إن وطناً بهذا القدر من الجمال والإبداع يحتاج منا كل الاخلاص والوفاء والتضحية، وإن التفريط والافراط ببلد الأدب والثقافة والعلم والشعر والفكر الذي ملأ الدنيا والعالم شذىً من شذاه وعطراً من عطره يستحق العناء والعنت والتعب من أجل أن نعيده إلى أيام العز والفرح والسعادة..

ليس ضرباً في الرمل أو رجماً بالغيب أن ترى في الزمن الآتي إشراقات مضيئة في آفاق ملبدةٍ بغيوم سوداء كقطع الليل المظلم، لكنإذا نظرنا في عيون هؤلاء الفتية وحدّقنا مليّاً في جباههم الشمّاء لأبصرنا مشاعل هداية تضيء السبيل إن أحسنت إضاءتها وتكبر بقعة ضوئها إن تلاقت مع أقرانها في مدى فضاءات لبناننا الحبيب.

الإرادة والشجاعة

ما نحتاجه مزيداً من الإرادة والشجاعة في مواجهة العابثين في رماد الفتنة والذين ينثرونه في أعيننا لتعميها وتأخذنا تائهين حائرين في دروب الجهل والذل والجريمة. إن ما نعيشه اليوم نذير خطر بتدمير ماضينا وحاضرنا والمستقبل، وليس لنا من الحيلة إلا أن نعزز ثقافة الخير والمحبة والتلاقي في مجتمعنا ووطننا، في مدارسنا، في قرانا، في دساكرنا، في مؤسساتنا وفي كل موقع من مواقعنا الاجتماعية والتربوية والاقتصادية وما إلى ذلك. بغير التلاقي والتواصل والتحابب لا معنى للشعارات واللافتات ولا قيمة لكل الكلمات مهما كانت معسولة جزلة جميلة.. مقياس التعايش الحق والصحيح تجسيد المحبة عملاً لا مجرد قول نستهلكه في خطاباتنا وعلى منابرنا.. ما معنى أن ندعوَ إلى التلاقي وقلوبنا تمتلأ حقداً وكراهية للآخر.. وها هي كلمات السيد ما زالت تخاطبنا "لا تملكون أن تدخلوا قلوب الآخرين إلا إذا فتحتم قلوبكم لهم، أحبّوا بعضكم بعضاً، إن المحبة هي التي تبدع وتؤصل وتنتج". إن دفء المحبة التي علّمها لمريديه ونحن من مريديه تبقى حضوراً لا يمحوه الغياب، إيقاعات عطاءاته المرحبة بالعقل المفتوح والقلب المفتوح والباب المفتوح سوف تبقى تتسلل إلى عقولنا تحفزنا على إكمال السفر في ركب المحبة والترحيب لأي فئة في هذا الكون الرحيب لنغدو العالميين في نظرتنا والإنسانيين في أصل اشتراكنا بل الربانيين في جوهر وجودنا..

إن مدارس المبرات ومؤسساتها بكل تفرعاتها واهتماماتها تلتزم فكر مؤسسها سمااحة العلاّمة المرجع السيد فضل الله(رض)ونهجه في احترام الآخر وطهارة الآخر وإنسانية الآخر، هذا ما نعلّمه لتلامذتنا ولكل أسرة المبرات ونراقب بدقة كيفية تجسيده سلوكاً وممارسة ومنهج حياة..

الممارسة التربوية الرسالية والأخلاقية

لقد أثبتت المبرات حضورها القوي في الممارسة التربوية الرسالية والاخلاقية قبل التعليمية، ليس مجرد كلام نطلقه في هذا الاحتفال أو في الهواء الطلق.. نحن نؤمن وبكل صدق وبكل جدّية بأن إنسانية الانسان هي الأساس في تعاملنا ونظرتنا إلى الآخر، نظرة أخ لنا في الدين أو نظير لنا في الخلق كما قال عليّ عليه السلام الذي تغنّى به الأدباء والشعراء والمفكرون المسيحيون أكثر مما عبّر عنه شيعته من المسلمين، إنّ عليّاً الذي نعيش في هذه الأيام ذكرى تنصيبه إماماً في ذلك اليوم الأغرّ يفتح قلوبَنا على عالمٍ فيه من الرحابة ما يتّسع للناس كل الناس ويستصرخ ضمائرنا بأن نعود إلى قيم الدين وأن ندع عصبياتنا المذهبية والطائفية العمياء ليكون الخير عنوان العطاءات الكبيرة من هنا وهناك وبذلك نكون الأمناء على الوطن وعلى شعبه، والأمانة أمانة الرسالة رسالة الأنبياء والرسل وكلنا من آدم وآدم من تراب، يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم..

وفي هذا الاحتفال الأول الذي تقيمه مدرسة رسول المحبة لتكريم تلامذتها في نهاية المرحلة المتوسطة أود الاشارة إلى المؤسسة الأم المبرات المنظمة الانسانية الاجتماعية التربوية الرائدة بشهادة الكثير من الهيئات الرسمية والمنظمات الدولية والفعاليات المحلية والتي سوف تبقى رائدة في تطبيق مبادئ التعليم للجميع والتربية الدامجة لذوي الاحتياجات الخاصة من الصعوبات التعليمية أو الاضطرابات النمائية المختلفة حيث تحتضن في مؤسساتها تنوعاً وتعددية لجهة الاختلاف والتنوّع في الاحتياجات التعليمية والتربوية لتلامذتها وأبنائها.. وقد بدأت بعض مدارس المبرات ببرامج المتفوقين في تجربة مستندة إلى الأدبيات والتجارب العالمية ونعمل على تجذير ومأسسة هذه التجربة ببرامج موثقة وآليات واضحة للتطوير المستمر لتصبح معتمدة في كل مدارس المبرات.. مؤمنين بأن خوض التحديات في مجالات التفوق والابداع سوف يساهم في المسار التصاعدي لمسيرة الوطن الذي يحتاج إلى قادة مبدعين علماً وخلقاً وقدرة على التأثير ولإحداث التغيير المنشود..

التنمية الانسانية الرسالية

كما أود الإشارة إلى أن المبرات قد ترجمت رؤيتها في التنمية الانسانية الرسالية من خلال برنامج تطوير نظرية للتغيير التربوي تستمر فعاليتها على المدى البعيد، وها نحن قد احتفلنا في أسبوع المبرات منذ أشهر بمرور عشر سنوات على برنامج التطوير الاداري وأطلقنا خطة التطوير الاستراتيجية للعشرية الثانية تحت عنوان "برنامج التطوير المستمر والتقييم الذاتي" أملاً بالوصول إلى إصدار نظام اعتماد لشهادة الاعتماد المؤسسي.

وإلى أعزائنا الطلاب نقول: أنتم اليوم تحتفلون بنجاحكم بإجتياز مرحلة هي خط فاصل بين الطفولة والشباب.. بعضكم يجتاز هذه المرحلة التي تمثل قاعدة الإنطلاق إلى المراحل الأهم والأصعب، حواجزَ الأنا التي تنشدُ اللهوَ واللعبَ والعبثَ، إلى المحطة الأبرز في حياتكم التعليمية وهي المرحلة الثانوية، وهي الأبرز لأنها نقطة الإرتكاز التي تُبنى عليها كل المراحل الآتية الأخرى التي تتمثل بالتعليم الجامعي.

وكنا أيها الأعزاء ننتظر أن تفرحوا بالتفوق والتميز، ولكن هذا العام حُرمتم من تقييم هذا التعلم ونتساءل بمرارة من المسؤول عن الصدمة التي تلقاها المتفوقون من أبنائنا بانكسار أحلامهم على صخرة الاختلافات بين وزارة التربية وهيئة التنسيق واستبدال الشهادة بالافادة، ما يحرم أبناءنا من فرحة التميز على الرغم من ثقتنا الكبيرة بالمستوى التعليمي، ولذلك نحن نفرح ونعتز بكم وتبقى الفرصة أمامكم لإثبات الكفاءة والقدرة على التميز في المرحلة القادمة.. وأملنا أن لا يتكرر هذا المشهد مستقبلاً وأن تبقى كيمياء محبة الآخر والتضحية من أجله أقوى من كيمياء مصلحة الأنا والتقوقع في دهاليز الذات.

هنيئاً ..

هنيئاً لكم أيها المكرمون... وكل الشكر لهؤلاء الذين تملأ قلوبهم فرحة التكريم كما تملأ قلوبنا وقلوب القائمين على المؤسسة إدارة وهيئات تعليمية وإدارية لم تألو جهداً ولا همّة ولا طاقة ولا وسيلة إلا استحضرتها.. لأنكم أغلى ما عندنا ولأنكم أمانة الله التي نحملها ونحفظها بقلوبنا ومهجنا والعقول، لم ولن نألو جهداً من أجلكم ولأجل زملائكم في كل المبرات..

وإلى الأهل الأحبة، إنها الأمانة الثقيلة ثقل الجبال حملتموها راضين، أمانة أرادها الله أن تثمر إنسان الخير وإنسان الرسالة، أن تثمر جيلا متعلّما حكيما، قادرا على تحمّل مسؤوليات الحياة بحس عالٍ وإيمان صادق، شكراً لكم لأنكم أوليتم المدرسة ثقتكم، هنيئاً لكم اليوم ثمرة إنجازات أبنائكم الذين أنهوا المرحلة المتوسطة لهذا العام ولكل الذين يتميزون في هذه المدرسة محتفلين اليوم بتكريمهم..

وختاماً الشكر لكل الأحبة الذين شاركونا احتفالنا الأول لتكريم طلابنا في مدرسة رسول المحبة ولنتعاهد جميعاً على أن نأخذ بأيدي أبنائنا وأبنائكم إلى التشابك من أجل التعاون على البرّ، التعاون ليبقى لبنان وطن التمايز والتميّز ليس في أرضه وجباله وشواطئه بل أولاً وأخيرراً بإنسانه الذي أبدع الحضارات وأطلق الفكر والثقافة والشعر والأدب لوحاتٍ في منتهى الجمال والابداع..

وليبقى أبناء هذا الوطن منبعاً للخير.. فطوبى لهم كما قال السيد المسيح(ع): "طوبى للجياع والعطاشى إلى البرّ لأنهم يُشبعون"

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل