21 Oct 2014
كلمة مدير عام جمعية المبرات الخيرية د.محمد باقر فضل الله في تخريج طلاب ثانوية الإمام الحسن2014/1435
كلمة مدير عام جمعية المبرات الخيرية د.محمد باقر فضل الله في تخريج طلاب ثانوية الإمام الحسن2014/1435

بفرح متأجج بين حنايا الضلوع وبمسرة في القلوب المفعمة بالعزة والإفتخار نلتقي اليوم لنحتفي معاً بجني حصاد موسم من مواسم المبرات، اليوم نبعث بقافلة جديدة من عالم السيد(رض)، من عالم القلوب التي تنبض بالمحبة والخير للناس كل الناس، من البيوت التي رفعها السيد، بيوت البر والإحسان لليتيم والمعوق والمحتاج وكل العاشقين للعلم والهداية في الطريق القويم.. نزفّ اليوم فتياتنا وفتياننا في هذا العرس الملائكي، نحتفل اليوم بجهودكم التي بذلتم في مدى السنوات السابقة بجدّكم واجتهادكم، بدأبكم وإصراركم على النجاح والتفوّق تجاوزتم في هذه المرحلة صعاباً وحواجزَ كثيرة بإنجازاتكم وتحصيلكم العلمي وبنائِكم الأخلاقي..

أيها الأحبة، مسيرة المبرات هي مسيرة الأنبياء والأولياء والصالحين، سعيٌ وعطاء، عطاءٌ مضاعف ببركة الله عز وجل وتعاونُ أهل الخير وهمّة أبنائها وتفاعلهم مع قيم الجمعية ومبادئها والتزامهم برسالتها، وقصة المبرات دائماً قصة عطاء، عطاءٌ يسابق الزمن...مسيرتنا هي بعض من رسالة الأنبياء والأئمة والصالحين لا نبتغي من خلالها إلا رضوان الله عز وجل، وإن همّنا الكبير هو السعي الدائم للبحث عن أنجع السبل لتنشئة أبنائنا وتربيتهم وتعليمهم ليكونوا رواداً وقادة فاعلين في الحياة محصّنين بالقيم والمبادئ الرسالية التي تفتح قلوبهم وعقولهم على الله أولاً وعلى الناس كل الناس ثانياً بعيداً عن التعصب والحقد والكراهية التي تعمي الأبصار بل تعمي القلوب التي في الصدور.. إنها لمهمة صعبة ومسؤولية كبيرة أمام تحديات قوى التكفير والجهل والظلامية التي تجتاح عالمنا وواقعنا في هذه الأيام. لكننا مصرون على استمرار مسيرتنا التعليمية ومسؤوليتنا التربوية مستهدين بنهج السيد المرجع(رض) الذي كان يحثّ على العلم والتعلم ويعتبره من أفضل أنواع العبادة " إن الإنسان الذي يصرف وقته بدون أن يعلّم أو يتعلّم هو إنسان يخون نفسه ويخون أمّته وهذه نقطة مهمة نحتاج أن نفهمها جيداً".

في بداية هذا العام كان عنوان مؤتمرنا التربوي الثالث والعشرين (الرسول الأكرم القدوة في التربية والتعليم) وإن اختيار الرسول(ص) قدوة والتزامكم نهجه وخطه المسلكي في الرسالة والعقيدة والخلق والسيرة يرتقي بكم لتكونوا في أعلى درجات الرقي. والدعوة أن تتعرفوا أكثر على رسول الله ولتعمّقوا علاقتكم به ليبقى هذا الحبّ في قلوبكم يترجَمُ ممارساتٍ على نهجه فينعكس فرحاً في وجوهكم وعطاءاً في أفئدتكم وتميّزاً في أدائكم ومن اتخذ خير البشرية قدوته فمآله إلى بلوغ أعلى الدرجات، ومثالنا إمام قافلة المبرات وصانع سفينتها سماحة السيد(رض) الذي كان يقول قدوتي في كل حياتي رسول الله(ص).. هذا الرسول الذي خُصّ بأعظم وسام خصّه الله به (وإنك لعلى خلق عظيم) وأنتم بإذن الله ستكونون على خلقٍ من هذا الخلق العظيم.. ومسؤوليتكم أيها الأحبة أن تحافظوا على تميّزكم وأخلاقكم والتحلي بالقيم السامية التي تعلمناها وإياكم من قدوتنا في المبرات رسول الله(ص) والتمسّك بسنته والسير على خطاه.. أن نكون رحماء كما كان رحيماً بالمؤمنين وهو الذي أرسِل رحمة للعالمين..

أنتم اليوم تحتفلون بنجاحكم بإجتياز مرحلة هي خط فاصل بين الطفولة والشباب.. بعضكم يجتاز هذه المرحلة التي تمثل قاعدة الإنطلاق إلى المراحل الأهم والأصعب، حواجزَ الأنا التي تنشدُ اللهوَ واللعبَ والعبثَ، إلى المحطة الأبرز في حياتكم التعليمية وهي المرحلة الثانوية، وهي الأبرز لأنها نقطة الإرتكاز التي تُبنى عليها كل المراحل الآتية الأخرى التي تتمثل بالتعليم الجامعي ومنها إلى التخصص ومن ثم إلى الثقافة الأوسع والآفاق الأرحب والمتغيرات التي ترافق كل هذه المراحل.. والبعض الآخر يمخر عباب الفضاء الأوسع، من مقعد التلميذ الثانوي إلى مقعد الطالب الجامعي.. من فضاء محدود إلى فضاء أرحب.. من رقابة محددة إلى الحرية اللا محدودة، من النهر المحدود إلى البحر الواسع إلى حياةٍ تتدربون فيها على الإستقلالية والاعتماد على النفس وهذه المرحلة هي الأدق في حياتكم لأنها هي التي تقرر مصيركم وتحدد مستقبلكم المهني والإجتماعي والمعيشي.. فكلما كنتم جديّين أكثر في الدرس والبحث والمتابعة وبذل الجهود تكونوا أكثر اقتراباً من الوصول إلى تحقيق الأماني..

وفي الزمن الذي نعيش فيه زمن الأزمات والقلق على الأمن والخوف من المستقبل حيث نمر بمراحل حرجة أمنياً واقتصادياً واجتماعياً وبيئياً كنا في مدارس المبرات حريصين على أن لا نضيع فرصة تعلم أو تربية عليكم أيها الأحبة مؤكدين على زرع الثقة في نفوسكم ونفوس أهاليكم، كما وفي ظل أجواء التعصب الطائفي والمذهبي لا بد وأن تكونوا واعين لإسلامكم.. الإسلام القرآني الحركي الذي يرفض الغلوّ والخرافة ويعيش ثقافة الوحدة والحوار وقبول الاختلاف والتنوّع.. لقد خاطبنا السيد(رض) وما زالت كلماته تخاطب الواقع " فلنفكر كيف نغسل قلوبنا بالمحبة بالخير بالرحمة بالانفتاح على الله، بالعفو وبالتسامح ولا نفكر بالأمور التي تعقّد مشاعرنا وتوتر أعصابنا ونتربى على هذا الأساس".

كنا ننتظر أيها الأحبة أن تفرحوا بالتفوق والتميز، ولكن هذا العام حُرمتم من تقييم هذا التعلم ونتساءل بمرارة من المسؤول عن الصدمة التي تلقاها المتفوقون من أبنائنا بانكسار أحلامهم على صخرة الاختلافات بين وزارة التربية وهيئة التنسيق واستبدال الشهادة بالافادة، ما يحرم أبناءنا في جامعاتهم من فرحةالتميز على الرغم من ثقتنا الكبيرة بالمستوى التعليمي وأن مسيرة هذه الثانوية في كل سنواتها السابقة هي مسيرة النجاح والتفوق مع اعتقادنا بأنكم أكبر من الشهادات وأكبر من الإفادات، ولذلك نحن نفرح ونعتز بكم وتبقى الفرصة أمامكم لإثبات الكفاءة والقدرة على التميز في المرحلة القادمة وإنها لمسؤولية كبيرة ولكن ثقتنا بكم أكبر لما عهدناه فيكم وفي قلوبكم ونفوسكم من إرادات صلبة وعزائم لا تلين أمام الإغراءات والتحديات مهما بلغت.. وأملنا أن لا يتكرر هذا المشهد مستقبلاً وأن تبقى كيمياء محبة الآخر والتضحية من أجله أقوى من كيمياء مصلحة الأنا والتقوقع في دهاليز الذات.

إن جمعية المبرات التي خرّجت قبلكم الآلاف من الطلاب خلال السنوات الماضية لتعتز بكم أيها الأحبة، في قلب المبرات أنتم، ترسّخ حضوركم الدائم وسيبقى هذا الحضور دليلاً لكل الذين سيسلكون دربها المباركة، أنتم بجدّكم بتألّقكم باجتهادكم ستبقون عنواناً للفخر والاعتزاز في تاريخ المبرات.. كنتم وستبقون علامة فارقة في سجلّ الوطن بتفوّقكم وبرساليتكم وبما اكتسبتم من قيم أخلاقية وتربوية وإنسانية.. وستبقون ان شاء الله أوفياء لمدرستكم وللجمعية التي احتضنت خفقات قلوبكم وستبقى الجمعية موئلاً لكم، لنبض قلوبكم، لإبداعات عقولكم.. ولن تغيب عن عيوننا كل هذه الوجوه المشرقة بالإيمان والعلم والمحبة والطهر والنقاء..

هنيئاً لكم أيها المكرمون... وكل الشكر لهؤلاء الذين تملأ قلوبهم فرحة التكريم كما تملأ قلوبنا وقلوب القائمين على المؤسسة إدارة وهيئات تعليمية وإدارية لم تألو جهداً ولا همّة ولا طاقة ولا وسيلة إلا استحضرتها سبيلاً لتعبروا إلى رغد الفوز وسعادة النفس وراحة القلب وطمأنينته.. لأنكم أغلى ما عندنا ولأنكم أمانة الله التي نحملهها ونحفظها بقلوبنا ومهجنا والعقول، لم ولن نألو جهداً من أجلكم ولأجل إخوانكم في كل المبرات.. ولأنكم أيضاً أمانة السيد التي أوصانا بها لرعايتكم وحفظكم والأخذ بيدكم إلى الصلاح والفلاح.. أنتم إشراقة المستقبل والأحلام والآمال فينا، جيلٌ في سلسلة أجيال المبرات الذين سيساهمون مستقبلاً في رفد مسيرة الوطن وإغنائها بالطاقات العلمية والرسالية، نرى فيكم أبناءنا المكرّمين رُسل ريادة في العلم والمعرفة والثقافة والتربية ونواة تغيير وإصلاح نحو الأفضل للمجتمع والوطن، آملين أن يفتح الوطن ذراعيه وقلبه لكم ولأمثالكم وأن يكون بقدر آمالكم وطموحاتكم...

وإلى الأهل الأحبة، إنها الأمانة الثقيلة ثقل الجبال حملتموها راضين، أمانة أرادها الله أن تثمر إنسان الخير وإنسان الرسالة، أن تثمر جيلا متعلّما حكيما، قادرا على تحمّل مسؤوليات الحياة بحس عالٍ وإيمان صادق، ولن يكون ذلك ما لم نكن العون والسند، نقترب من صغارنا، نتفهّمهم، نشاركهم مراحلهم العمرية، ننفعل مع ما يحبون فنهذّب لهم مشاعرهم، ونتعاطف معهم تحفيزاً يبني عندهم حسّ الانتماء إلى عائلاتهم ومجتمعهم، نواكبهم في إخفاقاتهم وفي نجاحاتهم، سعةً في الصدر وليونة في النفس، وحسن إصغاء، تجعلهم يذوبون ويتماهون مع تجربتكم التي لابدّ أن تكون صدى للتجربة النموذج الذي جسّدها رسول الله مع أبنائه وأحفاده. هنيئاً لكم اليوم ثمرة إنجازات أبنائكم الذين نالوا الشهادة المتوسطة أو الثانوية لهذا العام ولكل الذين يتميزون في هذه المدرسة محتفلين اليوم بتكريمهم..

وختاماً مع كلام السيد المرجع المؤسس(رض) الذي كان يخاطبكم وها هي كلماته ووصاياه لا زالت تتردد أصداؤها في فضاءات المبرات وفضاءات كل الرساليين في الحاضر والمستقبل، ها هي كلماته تخاطبكم وهو في عليائه: "إن طلب العلم فريضة أوجبها الله على عباده من أجل بناء الإنسان والحياة وقد أوحى الله إلى نبيّه محمد(ص) أن يدعوه بهذا الدعاء (وقل ربّ زدني علماً) "

ويضيف السيد(رض):" إني أبارك جهودكم في طلب العلم وأوصيكم بالمثابرة على تحصيل الدرجات فإن ذلك باب من أبواب الجهاد والذي نحفظ به أمّتنا"
مبارك نجاحكم وتفوّقكم وكل نجاح وتفوّق وأنتم بخير..

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل