25 Sep 2014
كلمة سماحة السيد جعفر فضل الله في المؤتمر التربوي 23 للمبرّات
كلمة سماحة السيد جعفر فضل الله في المؤتمر التربوي 23 للمبرّات

طُلب منّي أن أتعرّض لعنوانين، هما: لماذا علينا أن نرسّخ الرسول كقدوة؟ وما هي صورة النبيّ القدوة؟

أوّلًا: لماذا الرسول قدوةٌ؟

لقد طرح القرآن الكريم مبدأ (الأسوة) عندما تحدّث عن النبيّ محمد (ص)، وكذلك عندما تحدث عن إبراهيم والأنبياء، فقال تعالى ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا ﴾، وقال تعالى﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾ الممتحنة: ٤ ، ثمّ عقّب بقوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّـهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ ، وقال تعالى عن الأنبياء: ﴿أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾؛ ممّا يؤكّد لنا أنّ مبدأ القدوة للشخصيّات الرساليّة ليس أمرًا هامشيًّا في إيماننا والتزامنا، وإنّما هو أمرٌ يدخل في صُلب عمليّة التوجيه والبناء للشخصيّة الإسلاميّة؛ ولا سيّما عندما نجد القرآن الكريم قد اهتمّ اهتمامًا بالغًا بنقل تجارب الأنبياء والأولياء والصالحين، وكذلك – في الجانب السلبي – تجارب الطواغيت والجبابرة والفراعنة؛ إذ ليس الهدف من القصص هو التسلية، وإنّما العبرة التي تعني فهم السلوك وقواعده وتمثّله والاقتداء به في الحياة.

ولكن، ربّما يجب علينا أن نفهم الخلفيّة الفلسفيّة لمسألة القدوة، ومن أين تنبع ضرورتها؛ وهو ما نثيره في نقاط:

أـ معرفة النبيّ جزءٌ من الإيمان

الرسول الأكرم (ص) جزءٌ من أساسيّات الاعتقاد الإيماني (الشهادة الثانية)،وهذه الموقعيّة التي اكتسبها النبيُّ ليست لمجرّد اختيار الله له؛ لأنّ الاختيار نفسه مرتكز إلى معايير موضوعيّة تؤهّله لحمل مسؤوليّة الرسالة. وكما يقول السيّد فضل الله (ره)، بأنّ الرسول ليس مجرّد ساعي بريدٍ لا دخل له في الرسالة التي ينقلها، وإنّما لديه وظيفة تجسيد الرسالة في سلوكه وعمله ومنهجه، وهذا التجسيد يؤكّد مصداقيّة الرسالة في إمكانيّة التطبيق؛ فلا تخضع للتشكيك بأنّها قيم ومثل عليا غير قابلة للتحقيق من البشر.

والنبيُّ (ص) وإن كان مؤيَّدًا بالوحي، إلّا أنّه بشرٌ وليس ملكًا من الملائكة، وتطبيقه للرسالة من حيث استثماره الأقصى للطاقات الفكرية والقوى النفسيّة والروحيّة الكامنة فيه.

وبالتالي، فبإمكاننا أن نفترض أنّ الإيمان لا يتحقّق بتمامه إلّا بالتعرّف على شخصيّة النبيّ، لا بصفاتها العامّة، وإنّما بصفاتها التفصيلية التي نجد فيها عناصر الرسالة، فلا يكون الإيمان برسوليّته أمرًا مرتكزًا إلى فراغ، بل إلى واقعٍ.

ولا يُمكن للقدوة أن تحقّق تفاعلًا من قبل الإنسان مع مفرداتها إذا انطلقت في إطارها النظري الفكريّ فحسب، بل لا بدّ من تحقيق عنصر التفاعل الوجداني مع شخصيّة الرسول وكلماته ومواقفه وأفعاله، بحيث تمتزج الفكرة بالشعور الذي يحبّ الشخصيّة التي تجسّد تلك الفكرة، ويقدّرها، ويجعلها في موقعها المتميّز على سائر الشخصيّات، ويقيس عليها قيم الأشخاص على قاعدة الاقتراب منها أو الابتعاد عنها، والشعور الذي يتحمّس ليقتدي بها في حياته من موقع الفهم العميق لخطوط القدوة، حتّى لا يقع في الخلل المنهجي في الاقتداء، والذي أشرنا إليه في النقطة الثالثة.

وانطلاقًا ممّا تقدّم لا نجد أنّ مسألة تراتبيّة الرموز الدينية هي مسألة ثانويّة، ولا يصححُّ خلط الرموز بعضها ببعض عن طريق إلغاء الفوارق؛ فإنّ هذا لا ينسجم مع المنحى النظري للعقيدة الدينية. باختصار: البُعد النظري للعقيدة لا بدّ أن ينعكس على البُعد الوجداني والعملي (أهل البيت (ع) إنّما يكتسبون ثباتًا في صورتهم، ويأخذون موقعهم المتقدّم في الأمّة من خلال كونهم الممثّلين للنبيّ (ص) في قيمه وأخلاقه ومنهجه قياسًا بالآخرين من الصحابة أو غيرهم؛ وهذا يفترض أنّ تسويق أهل البيت (ع) للعالم الإسلامي، ولأنفسنا موضوعيًّا، يتطلّب أن نؤكّد فيه على شخصيّة النبيّ القدوة كشخصيّة أولى في العقيدة والالتزام الإسلامي).

ب ـ التطبيق إيضاحٌ للنظريّة:

المعرفة التفصيلية بشخصيّة النبيّ (ص) وحياته، ستشكّل لنا الإطار التطبيقي للإسلام؛ والعنصر التطبيقي من شأنه أن يوضح النظريّة الإسلاميّة، ولا يجعلها تضيع في غياهب التصوّرات المتنوّعة المرتكزة إلى ثقافات مختلفة؛ إذ إنّ فهم النظريّة يحتاج إلى واقعٍ تطبيقيّ، كما أنّ فهم التطبيق لا يتمّ إلا عبر مرجعيّة نظريّة – كما ستأتي الإشارة إليها لاحقًا -؛ ولو لم يكن الأمر كذلك لأنزل الله كتابًا للبشر ولم تكن هناك حاجة للرسول، بينما وجدنا أنّ كلّ تاريخ الرسالات كانت تفترض الرسول والكتاب معًا؛ وهذا يفترض أنّ النتيجة لا يمكن الحصول عليها من الكتاب وحده. وهذا ما نفهمه أيضًا من التدرّج في إنزال الآيات وعدم قبول فكرة إنزال القرآن (جملة واحدة) ؛ لأنّ هذه الفكرة ستفكّك بين الرسالة والرسول، لتغيب الرسالة في غمرة التصوّرات المترامية الاتجاهات والمضامين.

إذًا، لا يُمكن أن نفهم النظرية الإسلامية من دون الرجوع إلى مرجع تطبيقي عملي؛ ولذلك لم يكن اعتباطًا جعل الرسول قدوة وذا وظيفة تفاعلية مع المجتمع (يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة)؛ أي نقل التجربة من النبيّ في أصالتها إلى كلّ فردٍ من أفراد المجتمع الإسلامي في حركيّته نحو تحقيق التجسيد التامّ للقيم التي جاء بها الإٍسلام.

فعلى سبيل المثال، يُمكن للإنسان أن يجعل النبيَّ شخصيّة عنفيّة عندما يلاحظ آيات الحرب والقتال والقتل في القرآن الكريم؛ كما يمكن أن يجعلها شخصٌ آخر شخصيّة مسالمة على طول الخطّ، وذلك عندما يستغرق في آيات السلم والسلام.

ولكنْ، عندما ندرس التطبيق العملي للنبيّ، نجد أنّه حارب وسالم، وأنّه أخذ بأسباب القتال والعنف، وكذلك بالرفق واللين؛ فهذا من شأنه أن يوضح لنا عمق النظريّة الإسلامية التي تحدّد إطار الحرب والعنف، وإطار السلم والسلام، وقواعد كلّ ذلك؛ لندرك – مثلًا – أنّ الإسلام لا يبادر بالحرب، ولكنّها عندما تفرض عليه فإنّه يدخلها بقوّة ولا يكون ساذجًا، وعندما يدخل فيها يدخل محمَّلًا بالقيم الأخلاقيّة وبروحيّة الطبيب الجرّاح الذي يهمّه استئصال المرض أو إعادة التوازن، ولذلك نجد تعاليم بعدم الإجهاز على أسير أو جريح أو قطع الشجر أو تسميم المياه وغير ذلك.

إنّ النبيّ (ص) يمثّل التجسيد العملي للقرآن الكريم، وللإسلام عمومًا: القيمة الأخلاقيّة متجسّدة في سلوكه العملي "إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وهو المسلم الأوّل، كما قال تعالى: ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾، الذي يعطي المسلمين عمليًّا صورة المسلم، كما أنّ هذه الصفة تمنح المـُسلم الشعور باندماجه مع القيادة؛ بما يقرّب النبيّ (ص) من الناس، ولا يضعه في خانة الزعماء الذين يتربّعون على برج عاجيّ، ويخاطبون الناس من فوقٍ، والمفهوم الإسلامي يصبح أكثر وضوحًا في سلوكه، والنموذج القدوة نحتاج اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى للوقوف عليها تفصيلاً وعبر الاجتهاد؛ لأنّ الأنماط التي يجري تقديمها لا تعكس الواقع، وإنّما قد لا تعدو كونها إسقاطات على شخصيّة النبيّ وسلوكه، ناشئة– هذه الإسقاطات - من تراكم التجارب والأفكار السيّئة بسبب عوامل عديدة عبر التاريخ.

ج ـ التطبيق يختصر المسافة لفهم النظريّة

إذا كان التطبيق باعتباره أقصر طريقٍ لفهم النظريّة، فهذا ما يجعلنا نفترض أنّ اعتناء الإسلام بمسألة القدوة نابعٌ من كونه يهدف إلى تسريع عمليّة الإصلاح ونقل المجتمع من موقعٍ وذهنية إلى موقعٍ آخر وذهنيّة أخرى، عبر تركيز السلوك الصحيح (البديل) عمليًّا عبر شخص النبيّ، ونظريًّا من خلال القاعدة التي يرتكز عليها هذا السلوك. ولذلك نجد أنّ النبيّ (ص) استطاع أن يؤسّس حركةً تغييريّة عالميّة في مدى ثلاثٍ وعشرين سنةً فقط، ولم يكن ليتمّ ذلك لولا تجسيده للقيم التي كان يدعو إليها، وكان بذلك القدوة في اقتفاء أثره.

د ـ منهج القدوة

بعض ما مارسه النبيُّ (ص) هو سنّة ينبغي اتّباعها في كلّ زمانٍ ومكانٍ، وبعضُه قد يكون مختصًّا به، وبعضُهُ مرتبطٌ بطبيعة العصر الذي عاش فيه.

مثال: ورد عن رسول الله (ص): "حفّوا الشوارب واعفوا عن اللحى ولا تشبّهوا باليهود"، وورد "غيّروا الشيب بالخضاب". أو أنّ رسول الله (ص) كان يحبّ أكل اللحم من قسمٍ معيَّن من الذبيحة، أو أنّه كان ينام على جانب دون آخر، أو كان يحبّ أكل البطّيخ أو غير ذلك.

يُمكن أن نعتبر أنّ السنّة إحفاء الشارب وإعفاء اللحى، أو الخضاب للشعر، وكذلك الأمور الأخرى، ويمكن للإنسان اليوم أن يمارسه بعنوان أنّه مستحبٌّ؛ ولكنّنا لو فهمنا الأمر ضمن قاعدته، كما قال الإمام عليّ (ع) "كان ذلك والإسلامُ قُلٌّ؛ أمّا وقد اتّسع نطاقه وضرب بجرانه، فامرؤٌ وما اختارَ".

إذًا هناك نمطانِ من الاقتداء:

1) القدوة في الشكل الجامد للسلوك، بحيث يتمّ التأسّي بالنبيّ (ص) في طريقة عيشه ووسائلها ولباسه ومأكله ومشربه...، من دون فهم القاعدة النظرية أو القيمة التي يجسّدها هذا السلوك. وهذا النمط أو المنهج يُمكن أن يجعل الإسلام عبارة عن سلوكيّات جامدة على امتداد الزمن من جهة، كما من شأنه أن يعزل المسلمين عن مواكبة الحياة وتطوّرها؛ لأنّ ذلك يؤسّس (ينطلق أو يرتكز إلى) لفهم سطحي لكثير من الظواهر، ولا سيّما تلك المرتبطة بالعلاقة مع الآخر.
2) القدوة في السلوك من خلال فهم قواعده، وذلك عبر إرجاعه إلى مرجعيّته الفكرية والشرعية، ولا سيّما القرآن الكريم...
إنّ النمط أو المنهج الثاني هو الذي يؤسّس لعنصر القدوة الحقيقيّة، ويمهّد الطريق لانخراط صحيح للإنسان في الحياة المتطوّرة والمتغيّرة، وذلك عبر محافظته على منظومة القيم في مفردات حياته، بما يجعله يساهم بفعّالية في تطوير الحياة ومجالات الإبداع وتحقيق الطموحات والارتقاء في سلّم المواقع.
خلاصة: إنّ كلّ ما تقدّم يجعلنا نحدّد الهدف من القدوة والاهتمام بتجسيدات القيم في سلوك النبيِّ (ص) وشخصيّته، فهو لأنّه طريق أساس لمعرفة الإسلام وتعزيز الالتزام به في الحياة.

ثانيًا: من هو الرسولُ الأكرم (ص)؟ وما هي الصورةُ التي نكوّنها عنهُ؟

كثير من الفئات والجماعات الدينية تعتبر أنّها تقتدي بالنبيّ الأكرم (ص)، ومنها جماعات متطرّفة مفسدة في الأرض، تقتل وتدمّر وتذبح وما إلى ذلك من أعمالٍ وحشيّة، والسؤال: كيف نعرفُ ما هي الصورة الأصحّ للرسول (ص)؟ وما هي المعايير التي نقيس عليهاالصورة التي نختزنها عنه (ص)؟

يقول السيّد فضل الله (ره): "يحتلّ القرآن الكريم بانسبة لشخصيّتنا الإسلاميّة موقع الصدارة، باعتبار أنّه الكتاب الإلهيّ الذي يصوغ شخصيّتنا ويصقلها، فيؤسّس لنا عقيدتنا، ويحدّد مفاهيمنا، ويؤصّل تصوّراتا والمفردات المتّصلة بالإسلام كلّه، في خطوطه العامّة والخاصّة"، ولذلك فإنّ القرآن يمثّل "المصدر الأوّل للسيرة النبويّة الشريفة، فهو كتاب الرسالة الذي يتحدّث عن شخصيّة الرسول في طبيعة قدراته، وفي أخلاقه وأساليبه حركته في الدعوة، في حياته الخاصّة في بيته، وفي حياته العامّة مع الناس، وفي حياته الداخليّة في فكره وإحساسه وانفعاله بالتحدّيات التي واجهته، في علاقة المؤمنين به، وفي حربه وسلمه وغير ذلك" .

ومن الواضح أنّ ما نقصده هنا الصورة التي لا تقتصر على العنوان العامّ، أو العناوين العامّة، بل عندما يُراد رسم صورةٍ تفصيليّة لموقع الرسول، مواصفاته، أخلاقه، دوره أو أدواره، سيرته... لأنّ هذا الجانب هو الذي يحقّق للقدوة معناها، من حيث أنّها لا بدّ أن تنزل إلى التفاصيل من أجل أن تتحوّل إلى واقع على الأرض، وإلا بقيت مجرّد شعارات في حين يُملأ الواقع بأمور قد تكون بعيدةً عن النبيِّ (ص) ولكنّها تُفعلُ باسمه.

والآن ما هي مفردات صورة النبيِّ (ص) كما عرض لها القرآن الكريم؟ ذلك ما نبرزه ضمن عناوين:

1ـ ثقافة النبيّ قبل الرسالة

قدّم القرآن الكريم مسألة أمّيّة النبيّ (ص) كعنصر معزّز لصدق الدعوة الإسلاميّة وفاعليّة تأثيرها في قناعة الناس بها، فقال تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَتَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُون ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾، وغير ذلك من الآيات الواضحة الدلالة على أنّ النبيّ (ص) لم يكن يقرأ ولا يكتب، بمعزلٍ عن تفسيرنا للآيات التي وردت بمصطلح الأمّيّ، والذي قد يفسّره البعض نسبة إلى مكّة، بصفتها أمّ القرى.
هذه الأمّيّة ليست منقصةً للنبيِّ (ص)؛ لأنّها لم تمنعه من العلم، بل كان في موقع المعلّم الأوّل، وينبغي أن تُقاس من جهة حكمة الله عزّ وجلَّ في خدمتها للرسالة، ويمكن تشبيهها بمنقصة البيان والنطق عند موسى (ع)، والتي لم تؤثّر على الرسالة عندما بعث الله تعالى معه هارون وزيرًا نبيًّا.

2ـ المبشّر والنذير

يقول الله تعال ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾. التبشير يتعلّق بالإخبار عن الأمور الحسنة، ومنه التبشير برضوان الله والجنّة، أي المفردات الإيجابيّة التي تستهوي الإنسان وتحفّزه نحو عمل الخير. أمّا الإنذار فهو المرتبط بالأمور السيّئة، كالنار وغضب الله، حيث يتحفّز الإنسان لترك عمل الشرّ؛ ولذلك كان دور الرسول هو المحفّز لهذين البعدين في شخصيّة الإنسان، لا الذي يغلّب جانب الحسن بما يجعل الإنسان يتساهل في مسؤوليّاته، ولا الذي يغلّب جانب السيّئ بما يعزّز الشعور باليأس عن إمكانيّة العمل وتحقيق المنجزات في الدنيا والآخرة.

3ـ الداعي إلى الله

قال تعالى: ﴿ وَدَاعِيًا إِللَى اللَّـهِ بِإِذْنِهِ ﴾، حيث لم يكن النبيُّ (ص) طالب زعامة وطالب أتباعٍ له من الناحية الشخصيّة، وإنّما كانت وظيفته ربط الناس بالله سبحانه، وهذا الأمر هو ذاتُه ما لمحناه في ما حكاه الله عن الحواريّين، حيث قال لهم عيسى (ع): ﴿ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّـهِ ﴾، وهو الأمرُ الذي ركّزه الله تعالى في آية أخرى ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّـهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّـهِ وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾.

4ـ ثقافة المعايير من موقع القناعة

قال الله تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ﴿٢١﴾ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾ ،﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾، ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ﴾، وهذه النقطة مرتبطة بالجانب السابق؛ لأنّ النبيَّ (ص) لا يريد لأتباع الرسالة أن يرتبطوا بشخصه بحيث تنتهي الرسالة لديهم بموته، وإنّما أن يمتلكوا القناعة بها انطلاقًا من فهمهم العميق لها وقدرتهم على تطبيقها عمليًّا وفق معايير واضحة تدرّبوا عليها؛ وهذا ما يرتكز إلى صفة خامسة في النبيّ (ص)، وهي:

5ـ تعليم الكتاب والحكمة

حيث يمثّل الكتاب خطّ النظريّة الإسلاميّة في كلّ مجالات الفكر الإسلامي، من عقيدة وشريعة ومفاهيم وأخلاق ومناهج وما إلى ذلك، وتمثّل الحكم وضع النظريّة في موضعها، أي خطّ التطبيق العملي، والذي يكون عبر التجربة وعبر النمذجة (القدوة).

وطالما أنّ الهدف هو أن تتحرّك الرسالة من موقع القناعة، لكي يتبنّاها المجتمع وأفراده بشكل ذاتيّ، لا من خلال العوامل الخارجيّة، فإنّ مفردات التفكّر والعقل والحجّة والبرهان والجدال بالحقّ والكلمة الأحسن والحكمة والموعظة الحسنة،هي المفردات التي حكمت خطاب النبيّ (ص) العام والخاص.

6-الشاهد على الأمّة

يقوم النبيُّ (ص) بدور الشاهد على الأمّة، والشهادة هنا قد ترتبط بالمسار الحضاريّ للأمّة كأمّة، وذلك قوله تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾. أمّا خطّ الشهادة فيكمن في أمرين:

أ‌. يحدّد معالم الطريق الذي عليها أن تسلكه، وذلك عبر تحديد العناوين والخطوط التي تشير إليه.
ب‌. يراقب الأمّة في تجربتها العمليّة لتنسجم مع المنهج الإلهي، وربّما إلى هذا يرمي قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ـ المراكمة على التجارب السابقة النبيُّ (ص) جزءٌ من مسيرة الأنبياء، يبني ويراكم عليها، ولا يتنكّر لها، بل من أجل أن يكملها، كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ﴾، وقال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، ومؤكّدًا الإيمان بالرسل كلّهم: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾.

7ـ النبيّ المربّي

(ويزكّيهم)، حيث النبيُّ (ص) هو المربّي الذي يطهّر قلوب الناس من الرجس الفكريّ، وحياتَهم من القذارة العمليّة، وهو السراج المنير الذي يضي لهم طريقهم، ويخرجهم من ظلمات الجهل والكفر والشرك والضلال والتخلّف، إلى نور العلم والإيمان والتوحيد والهداية والتقدّم في آفاق الوعي المنفتح على الله والإنسان والحياة.

8ـ الليّن رقيق القلب

قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فقد كان النبيُّ (ص) يمثّل القمّة في الأخلاق الإنسانيّة، في علاقته بالناس كلّهم، بحيث كان يعيش العقل المفتوح على الواقع كلّه بكل محبّة، والقلب الرقيق للناس كلّهم، فلم يكن يعاني من انغلاق العقل، ولا من فظاظة الطبع، ولا من قسوة القلب، ولا من حدّة اللسان وقسوة التعابير. وهذا كلّه ناشئٌ من طبيعة في الشخصيّة؛ وهي الشخصيّة التي تعيش الرحمة للآخر، أي تفهّم أوضاعه وظروفه وحاجاته الخاصّة، والتصرّف معه انطلاقًا من ذلك.

وهنا ينبغي التأكيد على أنّ "أخلاقيّة الرسول أساسيّة في حركة الرسالة، فلا يكفي في نجاحه أو نجاحها أن يملك الفكر العميق الذي يستطيع من خلاله أن يقنع الآخرين بالحجّة والبرهان، أو يملك القوّة العظيمة التي يسيطر بها على خصومه بالوسائل العنيفة القاسية، بل يجب أني تّصف بالأخلاق العالية التي لا تعيش في خارج ذاته بطريقة تمثيليّة ظاهريّة، بل تتعمّق في داخل الذات رحمة ومحبّة وانفتاحًا على الناس ووعيًا للظروف الموضوعيّة المحيطة بهم؛ ليكون التعامل معهم من موقع الفهم الواعي لمشاكلهم الحقيقيّة ولنوازعهم الذاتيّة، فتتحرّك الرحمة في نفس الرسول، في ممارسته لأسلوب رسالته، في دراسة كلّ المؤثّرات في ما يختاره من الكلمات اللطيفة والأساليب الحكيمة والأجواء الموحية، لتصل الدعوة إلى قلوب الناس في الوقت الذي تصل فيه إلى عقولهم؛ لأنّ قيمة الرسالة في حركة الشخصيّة الإسلاميّة، تتمثّل في تحوّلها إلى وعي للفكرة في عمق الذات، وانسجام عفويّ مع كلّ آفاقها وأفكارها، بحيث تنطلق منها انطلاقة النهر من قلب الينابيع والشعاع المتفجّر من قلب الشمس" .

9ـرسول من أنفسكم

قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ ﴾، فهو ليس من فصيلةٍ غير فصيلةِ البشر، ولذا فإنّه يعيش أحاسيس الناس ومشاعرهم وأفكارهم، بكلّ انفتاح وامتداد، وتكمن أهمّية أن يكون الرسول جزءًا من المجتمع، أنّ اللغة النفسيّة والتعبيريّة يشترك معهم في مفرداتها، فهو ابن البيئة بكلّ تفاعلاتها، وبهذا يمتلك قوّة التأثير فيهم.

10ـ يحبّ راحة الناس

(عزيز عليه ما عنتمّ)، يحبّ أن لا يقع الناس في المشقّة والجهد والعذاب، أو يمسّهم سوء، أو يعرض لهم مكروه، حتّى لو كان يشقى هو، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿ طه ﴿١﴾ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾، ، وهذا يدلّ على رقّة قلب النبيّ (ص) تجاه ما يصيب الناس من أوضاع ضاغطة على حياتهم.

11ـ الحريص على القاعدة

(حريصٌ عليكم)؛ في ما تستقبلون من قضيّة المصير في الدنيا والآخرة، تمامًا كحرص الأم على أولادها عندما تعمل على أن تبعدهم عن كلّ أذًى ومكروه، فلا يريد لكم الضلال لأنّ فيه الهلاك، ولا يحبّ لكم الضياع لأنّ في ذلك الخسران كلّه. وهذا كلّه يقرؤه الناس في تقاسيم وجهه، ولفتات عينيه، ولهجته عندما يتكلّم معهم؛ فهو لا يتصنّع الحرص، وإنّما يبدو كحالة طبيعية عفويّة تدفع الذي في مقابلها لأن يصدّقها من دون أدنى تكلّف.

12ـ رؤوف رحيم

الرأفة والرحمة شعورٌ في عمق ذات النبيِّ (ص)، وهو ما يدفعه تلقائيًّا لفهم ظروف الآخرين وتعقيدات أوضاعهم، وبالتالي فهو ينظر إليهم من خلال نقاط ضعفهم ليحوّلها إلى نقاط قوّة، وهو ما يجعله يستمع إلى أسئلتهم بكلّ اهتمام، من دون أن يتعقّد من سؤال، أو يستخفّ به، ومن دون أن يشنّجه خشونة الأسلوبب، وفظاظة الكلمات؛ لأنّه أتى للناس بشيء يجهلون أهمّيته، ويحتاجون إلى الوقت والتجربة لكي تتّضح لهم كلُّ عناصر الغنى فيه على كلّ المستويات.

إنّ هذه الرأفة القلبيّة تحتاج – بطبيعة الحال – لشموليّة في النظرة، وإلى عدم الاستغراق في التفاصيل الجزئيّة التي تجتذب ردود الأفعال عند الناس العاديّين، وهذا ما يعزّز قيمة الصبر لديه؛ لأنّه يعلم أنّ الهدف الذي يريد الوصول إليه يحتاج إلى وقتٍ وجهدٍ كبيرين.
وهذا ما ينبغي أن يضطلع به كلّ صاحب رسالة يتطلّب تغيير ذهنيّة الناس وطريقة تفكيرهم ومقاربتهم لأمور الحياة، ولا سيّما في المجالات التربويّة.

13ـ المحبّ للناس

قد نلمح تلك الصفة من بعض الآيات التي تشير إلى حزن النبيِّ (ص) وحسرته على الكافرين حيث لم يؤمنوا به وهم لا يعلمون أنّ في ذلك صلاح أمرهم في الدنيا والآخرة، فقد كان النبيُّ (ص) يحمل الحبّ للناس في إنسانيّتهم من حيث إنّه يريد صلاحَهم، فيحزن عليهم لإصرارهم على الكفر، لا من ناحية عقدة نفسيّة قد تحصل نتيجة تكذيب الناس لصاحب الدعوة، بل من ناحية شعور الذي يرى مصلحتهم وهم لا يتحرّكون نحوها. قال تعالى ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾؛ ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾؛ ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾؛ وقد تجلّى ذلك كلّه في موقفه عندما كان يُرمى بالحجارة وكان يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون"، وعندما قيل له لو دعوتَ على قومك، فقال: "إنّي لم أبعث لعّانًا وإنّما بعثتُ رحمةً".

إنّ الحبّ الإنسانيّيشكّل دافعًا للإنسان لكي يبذل كلّ ما في وسعه من جهد لإنقاذ الناس ممّا يسيء إلى حياتهم في الدنيا والآخرة؛ لأنّ المحبّة تملك القدرة على تحطيم الكثير من الحواجز النفسيّة التي تحول بين الإنسان والإنسان الآخر.
وبذلك لا تتحوّل المشكلة مع كفر ذلك الآخر أو شركه أو فسقه أو انحرافه إلى مشكلة ذاتيّة، بل يبقى الإنسان إنسانًا يُمكن أن ينفتح على كثير من عناصر الخير، كما ورد في الحديث: "إنّ الله يحبُّ العبد ويبغض عمله"، فيحبّ المؤمن الناس في إنسانيّتهم ويبغض كفرهم وشركهم...
وهنا لا يقع الإنسان في ازدواجيّة بين إيمانه وبين إنسانيّته، في علاقته الإيجابيّة بالناس الذين يختلفون معه في الدين أو في المذهب أو في الرأي وما إلى ذلك.

14ـ أذن خير

قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚقُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾. لقد كان النبيُّ يستمع إلى كلّ أحدٍ، ويقبل منه ما يقولُ، وربّما كان الكلام من شخصٍ مناقضًا للكلام من شخصٍ آخر، فيقبل الحديث منهما معًا، ولكنّ ذلك ليس عن اقتناع، بل كلُّ ما هناك أنّه يُظهر القبول لئلّا يحرج المعتذر أو يكذّب القائل، أو لأنّ للمتكلّم حاجة لمن يستمع إليه فيجد النبيَّ إذنًا له، ليّدخل السرور عليه، وربّما كان ذلك عونًا لهم لزيادة الثقة بأنفسهم... كلُّ ذلك انطلاقًا من سماحته وحُسن أخلاقه ورحمته بالمؤمنين. وهذا كلّه يجعل للذين يعيشون معه هامشًا للتراجع عن أيّ خطأ من دون إحراج لهم، أو تعقيد لعلاقتهم به، كما يصنع ذلك بعض الناس الذين يحرجون الذين يعتذرون إليهم؛ الأمر الذي يزيدهم ذلًّا إضافة إلى ذلّ الاعتذار. <

15ـ الحيي أمام مشاعر الناس

في القرآن الكريم عدّة موارد تدلّ على أنّ النبيَّ (ص) كان رفيقًا بمن حوله، بحيث كان يضغط على نفسه لحساب راحة الناس المحيطين به؛ لأنّه كان الرؤوف الرحيم في أخلاقه الكريمة. وقد سبّب ذلك له ثقلًا نفسيًّا، حتّى تدخّل الوحي الإلهيّ ليخفّف عنه ذلك، باعتبار أنّ المسؤول قد يرتاح إلى بعض صفاء الفكر وراحة الجسد في حياته الخاصّة، ممّا يجعل من الضغط النفسيّ مشكلة له على المستوى الشخصيّ والعامّ. وهذا ما ورد في بداية سورة التحريم في قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ في ما كنت تريده من إدخال السرور عليهنّ ولو على حساب أعصابك ﴿ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾.

16ـ التحيّز للفقراء

لقد كان مجتمع الأنبياء هو مجتمع الفقراء، فقد ورد في قصّة نوح: ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾ ، وهكذا كان التعليم الإلهيّ للنبيِّ (ص): ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾؛ لأنّ هذا المجتمع يمثّل القاعدة الإسلاميّة التي تتأصّل فيها الفطرة الصافية النقيّة، التي لم يلوثها المال بقذارته، ولم يسقطها الجاه بكبريائه، ولم تبتعد بها الامتيازات المعقّدة في المجتمع عن بساطتها الإنسانيّة؛ وبذلك لا يمثّل الفقر قيمة سلبيّة في إنسانيّة الإنسان، بل هو أمرٌ عارضٌ طارئ لا علاقة لهبالعنصر الأصيل في عناصر الشخصيّة، كما أنّ تلك الفطرة الصافية النقيّة يحتاجها القائد لتشكّل بالنسبة إليه نبعًا إنسانيًّا حيًّا يغرف منه كلّما أخذه الموقع الاجتماعي أو السياسيّ أو أي موقع رفيع في جفاف العلاقات التي يغلب عليها الطابع المادّي، والروتين القاتل.

ومن ذلك عتاب الله تعالى الرقيق للنبيِّ (ص) في سورة عبس عندما تحوّل عن ابن أمّ مكتوم الأعمى ليحاور قادة المشركين الذين كان يطمع في أن يسلموا وبالتالي يكفون الرسالة كثيرًا من حالات الصراع.

وهناك عناوين أخرى كثيرة تعرضها آياتٌ قرآنيّة عديدة

لا حصانة أمام القانون: ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

لا اتّباع لأهواء الناس بل الأهداف: ﴿ لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ﴾الأنعام: ٥٦.

التغيير من خلال الأدوات الطبيعيّة، وتفهّم الأخطاء الناشئة من الطوارئ ﴿ قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ الأعراف: ١٨٨. اخفض جناحك للمؤمنين.

البرنامج العبادي ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَه ﴾ المزمل: ٢٠.

عدم الانزلاق نحو المهاترات والسباب والشتائم وردّات الفعل بل «القيام لله والتفكّر»: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّـهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚإِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾

المشاعر الطبيعيّة أمام التكذيب والاتجاهات المعاكسة ولكنْ عدم إسقاط التجربة ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّـهِ يَجْحَدُونَ﴾

العمل المادّي ليس كلّ القضيّة: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ ﴾.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل