09 Jan 2013
سنبقى كما أردتنا - مصطفى عبدو
سنبقى كما أردتنا - مصطفى عبدو

مع بداية كلّ صيف... وعند اقتراب موعد المخيّمات الكشفية لجمعية كشافة المبرّات كنّا نيمّم وجوهنا – ثلّة من أعضاء المفوضية العامة – شطر منزله في حارة حريك... ذلك المنزل الذي كان محجّة لكلّ المحبّين والمخلصين والمعجبين والمؤمنين بفكر ونهج علاّمة استطاع أنّ يكون في زمن استثنائي مرجعاً استثنائياً.مع بداية كلّ صيف... وعند اقتراب موعد المخيّمات الكشفية لجمعية كشافة المبرّات كنّا نيمّم وجوهنا – ثلّة من أعضاء المفوضية العامة – شطر منزله في حارة حريك... ذلك المنزل الذي كان محجّة لكلّ المحبّين والمخلصين والمعجبين والمؤمنين بفكر ونهج علاّمة استطاع أنّ يكون في زمن استثنائي مرجعاً استثنائياً.
كنّا نزوره لنستنير من فكره وإرشاداته وتوجيهاته التي ما كان ليبخل علينا بها, وكان بالنسبة إلينا ذلك النبع الذي ننهل منه كلّ أفكارنا ومعتقداتنا وبرامجنا, وعلى مدى أكثر من عشر سنوات متتالية, استطعنا أنّ نُعِدَّ برامجنا الكشفية بمختلف مجالاتها وورش عملنا على ضوء أقواله وتوجيهاته وكثيراً توصياته.
أذكر في أول لقاء كشفي مع سماحته كيف بدأ حديثه معنا "في البداية أحب أنّ أرحب بكم شبّاباً وشابات كطليعة إسلامية واعية منفتحة على الله ومن خلال انفتاحها على الله تنفتح على الإنسان كلّه والحياة كلّها في خطّ المستقبل والمسؤولية... إنّ شعار الكشاف (كنّ مستعدّاً) هو أن يعيش الإنسان ليكون على استعداد للقيام بمسؤوليته في أي مرحلة تناديه المسؤولية من أجل الانطلاق نحوها.
إنّ عملكم في الكشاف عبادة... هو صلاة... هو صوم... هو زكاة, فلا تعتقدوا أنّ وجودكم كفريق كشفي يعزلكم عن باقي الفرق الكشفية بل هو جزء من الرسالات التي تؤمن بالله واليوم الآخر".
استأذناه مودّعين... صافحته وقبل أن أترك قبلتي فوق يده الطاهرة قال: "إجعلوا من خيمتكم خيمة الانفتاح والوحدة تجمع الذين هم مختلفون في أديانهم وأفكارهم وسياساتهم وكونوا لكل الناس كما الشمس تطلع على الجميع" تركناه وكلماته تحفر في عقولنا وقلوبنا عميقاً عميقاً.
كنّا نعلم أنّ عملنا فيه الأجر والثواب الكثير ولكن أن يعتبره سماحته كما العبادة فهذا أمر في غاية المسؤولية يرتّب على أكتافنا أعباءً أكبر مما كنّا نراه أو نعتقده أو حتى نؤمن به.

بعدها، كنّا ننطلق إلى مخيماتنا الكشفية لنمارس من خلالها طقوس العبادة الجديدة التي رسمها لنا مرجعنا، وكنّا في كلّ مرّة نلتحف عباءته الطاهرة لتقينا برد الليل ونتفيأ بعمامته الشريفة لتقينا حرّ الشمس, وكان يُطلّ علينا من العلياء يبارك عملنا وكنّا في كلّ مرّة نرنو إلى تلك الصورة الباسمة فوق السارية فندرك معها أنّ سماحته راضٍ عن عملنا فكنّا نزداد عطاءً وقوة ومعهما نزداد انفتاحاً ومحبة لكل الناس.
في لقائه الخاص مع وفد اتحاد كشاف لبنان بادرهم بالقول:" نحن نعتقد أن الكشاف كخط ونهج وحركة يمثّل جيش لبنان الأخلاقي... صحيح أنّنا بحاجة لجيش يدافع عن البلد عسكرياً ولكن هذا الجيش يبني الأجيال ويعلّمها كيف يعيش الإنسان إنسانيته في الإنسان الآخر... كيف يندمج مع الإنسان الآخر حتى لو اختلف معه في بعض ما يختلف الناس فيه, إن من الناحية الدينية أو السياسية أو من النواحي المناطقية أو الفكرية أو الثقافية" خرج بعدها أعضاء الوفد وهم يهمسون في أذني الواحد تلو الآخر ويغبطوننا على مرجعنا وراعي مسيرتنا وعلى هذا النور الذي نهتدي به في مسيرتنا وحركتنا الكشفية.

سيّدي وقائدي
راودتني – هذا العام – فكرة أن نزوركم قبل أن ننطلق إلى مخيماتنا لنتزود كما في كلّ عام, ولكن تخفيفاً عنكم سيّما وأننا كنّا نتابع وضعكم الصحي لحظةً بلحظة وساعةً بساعة, وكنّا نعلم أنكم بحاجة للراحة أكثر من أيّ يومٍ مضى وأنتم الذين هجرتم الراحة وطلّقتموها طيلة عمركم الشريف. واتفقنا على زيارتكم بعد أن ننتهي من المخيمات فنطلعكم على عملنا وجديدنا...
لكن ما حصل كان يفوق تفكيرنا وتقديرنا ... كنّا نعتقد أنّك باقٍ بيننا ولن تتركنا وأنّ أجيالاً من بعدنا سوف تأتي وتلتقيك وتنعم بإرشاداتك وتعاليمك وتوجيهاتك ونحن الماضون الراحلون.

سيّدي وقائدي
أفتش عن حروف الرثاء... ألملمها عن سطور الحزن والأسى... أستجدي كلمات البُعد والفراق والنوى... فكيف نرثيكم سيدي وأنتم الذين أسرجتم لنا حروف الحياة وكلمات المستقبل لنمتطيها.
أم كيف نبكيكم وأنتم الساكنون في العيون وفي الأهداب أبداً. ويبقى عزاؤنا أنكم فينا كما الروح, تطلع علينا كما الشمس وتلوّن مساءاتنا كما البدر.

أما نحن فسنبقى ننتظر عودتكم عند كلّ صلاة ومع كلّ دعاء... في الأماسي الرمضانية... في ليالي عاشوراء... في دروسكم الأسبوعية وفي كلّ لقاءاتكم وندواتكم. ننتظركم ... مجددين الوعد بأن نبقى في جمعية كشافة المبرّات كما أردتنا جيش لبنان الأخلاقي

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل