03 Jul 2014
جمعيّة المبرّات تواصل مسيرة سماحة المرجع فضل الله
جمعيّة المبرّات تواصل مسيرة سماحة المرجع فضل الله

بمناسبة الذّكرى السنويّة الرابعة لرحيل العلاّمة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، أجرى موقع بينات مقابلة مع مدير عام جمعيّة المبرات الخيريّة الدّكتور محمد باقر فضل الله حول عمل الجمعيّة ونشاطها ومشاريعها، والأثر الّذي تركه غياب سماحة السيّد فيها، كما كان حديث عن تجربته الخاصّة مع سماحته(رض). وهذا نصّ الحوار:

راعي جمعيّة المبرّات

ـ بدايةً، ما الّذي كان يمثّله وجود سماحة السيّد فضل الله(رض) بالنّسبة إلى المبرّات الخيريّة على المستوى العمليّ؟

ـ كان سماحة السيّد(رض) يمثِّل لجمعيّة المبرات العقل المؤسّساتي بامتياز، كان يمثّل المؤسّس والراعي والحاضن والموجِّه بالكلمة الطيّبة، ودون أن يفرض قراراً على أحد، وكان يستمع إلى وجهة الطّرف الآخر.. كان يمثّل الأفكار النيّرة الّتي تنظر إلى المستقبل.. كان يريد من جمعية المبرات الخيرية أن تستشرف المستقبل في كلّ حركاتها، في كلّ خططها، وفي كلّ نظمها.

أراد السيّد من جمعيّة المبرات أن تبني الإنسان المسلم الرّسالي المخلص لأمّته ولمجتمعه ولإسلامه.

كان(رض) يؤكّد التشاور والحوار ضمن إطار الجمعيّة، وكان يشدّد على العمل الفريقي، وعلى القيم الّتي تشكِّل المحرك والوقود لكلّ عمل الجمعية، كما كان يؤكّد استقلالية الجمعيّة عن كلّ ما يحيط بها من الأجواء السياسية. وإضافةً إلى كلّ ذلك، كان سماحته بالنّسبة إلى المبرّات، الأب والقدوة، وقد أعطى كلّ العاملين في المبرات تدريباً عملياً على التفكير الهادئ، ومشروع التفكّر في كلّ الأمور التي ينوون القيام بها، أو في المشاكل الّتي تواجههم، وقد كبرت المبرات ونمت بفضل هذه الأفكار، وبفضل هذا الخلق النبويّ، وستبقى فصلاً من فصول عطاء السيّد(رض).

الجمعيّة تكمل مسيرتها

ـ بعد السنة الرابعة على رحيل السيّد(رض)، أين هي جمعية المبرات الخيرية، ومؤسّسات سماحته بشكل عام؟

ـ لقد أراد سماحته من خلال الفكر التنويري، وتأكيده الشفافيّة في العمل، أن لا تنجح هذه المؤسّسات فقط، بل أن تتفوّق أيضاً، وتكون في طموح وارتفاع دائم، لذا تطوّرت المبرّات على أكثر من صعيد، سواء على صعيد النّوع أو على صعيد الكمّ.

المبرّات اليوم هي من المؤسّسات الّتي أثبتت وجودها على السّاحة الإسلاميّة وعلى السّاحة اللّبنانيّة، كذلك انتشرت في ساحات أخرى في العالم. وهناك اليوم مؤسّسات أخرى تابعة لها هي قيد الإنجاز، ومنها مؤسّسة في رياق، وهي مبرّة الحوراء للأيتام، ومركز صحّي اجتماعي في جويّا، ومركز في قبريخا، وكذلك مؤسّسات صحية للمبرات تنوي إقامتها، إلى جانب المؤسّسات التي تبنيها أسرة التآخي التي يشرف عليها سماحة السيّد علي فضل الله، والذي هو رئيس جمعية المبرات الخيريّة.

هذا التوسّع في الكمّ، رافقه أيضاً توسُّع في النّوع وفي الكيف، من خلال ترسيخ نظام الجودة، ومن خلال تطوير برنامج الدّمج التربويّ، هذا البرنامج الذي تعدّ جمعية المبرات الخيريّة من الجمعيات الأولى في لبنان الّتي عملت عليه، على صعيد التلامذة ذوي الصّعوبات التعلمية، وكذلك استطاعت أن توصلهم إلى مراحل متقدّمة من دراستهم، وأن تخفف من معاناة أهلهم في كلّ ما يتعلق بالجانب التعليمي، إن كان بتأليف الكتب المدرسية، أو في التعاون مع وزارة التربية ومركز البحوث والإنماء، بتقديم خبرات المبرات في خدمة الوزارة والمركز التربوي، لأن هذا يمكن أن يخدم الوطن وكلّ أبناء الوطن.

وكذلك الأمر في برنامج رعاية الأيتام، حيث هناك تطور في البرنامج التربوي الّذي يعدُّ لرعاية الأيتام. في موضوع دار (الأمان للمسنّين)، هناك برامج حديثة لرعاية المسنّين، تستفيد مما هو موجود في الأدبيات العالمية على الصّعيد المهني، أيضاً هناك الكثير من التطوّر في التّعليم المهنيّ، حيث افتتح معهد جديد في بلدة الهرمل، هذه البلدة التي أراد السيّد(رض) أن تكون فيها المؤسّسة الثّانية من مؤسّسات المبرات، وذلك منذ أكثر من ثلاثين عاماً..

وهكذا، لا تزال المبرّات بعد سماحة السيّد(رض)، تقدِّم الرّؤية الّتي وضعها سماحته، وهي رؤية التنمية الإنسانيّة الرساليّة، حيث كان يقول إنّ التنمية الإنسانية هي جوهر رسالة جمعية المبرّات، وإن جوهر التنمية يكون بالحفاظ على الحركية وعلى الحيويّة، بالانفتاح على المستقبل، بحيث لا تتجمّد في الحاضر، ولا تحدّق في الماضي، وإنما تتطلّع إلى المستقبل باستمرار. وها نحن بعد أربع سنوات على الغياب، لا زلنا ننظر إلى هذا المستقبل برؤية طموحة، سوف تحقق الأحلام التي أرادها السيّد في حياته، وسوف تحقق للأمّة وللوطن الكثير من حاجات الإنسان.

في مواجهة التحدّيات

ـ هذا على صعيد المشاريع، ماذا بالنّسبة إلى التحدّيات الموجودة اليوم؟

ـ التحدّيات كثيرة.. إنّ وجود سماحة السيّد(رض) كان يُشعر بالأمان والاطمئنان، ولكنَّنا بعد أربع سنوات على الغياب، لا زلنا نستلهم هذه الرّوح وهذا الخُلُق والإبداع في استشراف المستقبل، ونرى أننا في مواجهة التحدّيات، نرى أنّ وجوده سوف يبقى فاعلاً ومؤثّراً.

ومن التحدّيات الّتي نواجهها اليوم؛ أن لا نستسلم لما حقّقناه من نجاحات، أن نحافظ على كلّ المواقع الموجودين فيها حاليّاً ونقوّيها. وتحدّ آخر، هو تأكيد دور الشخصيّة الإسلاميّة المتعلّمة الرّساليّة المثقّفة، كما ورد في رسالة مدارس المبرّات. وأيضاً هناك تحدّ آخر في ظلّ كلّ الظّروف الّتي نعيشها اليوم، ظروف التعصّب والتمذهب الطائفي والتخلّف الّتي تصيب مجتمعنا من خلال هذه الأفكار المتخلّفة، وهو الانفتاح على الإنسان الآخر، وعلى الصّبر على الحوار معه، وسوف نبقى، بإذن الله، نمثّل هذا الخطّ الحواريّ مع الآخر، مهما كان هذا الآخر، وسوف نعمل من خلال ذلك على محاصرة اللّغة المذهبيّة الّتي تسيطر على الكثير من مفاصل المجتمع.

وأيضاً، بما أنَّ مجالات عمل جمعيّة المبرّات متنوّعة، وهذا يندر في المؤسّسات المماثلة الموجودة في لبنان؛ من عمل تعليمي أكاديمي ومهني، إلى رعايةٍ للأيتام والحالات الاجتماعيّة، ورعاية شرائح متنوّعة من المعوّقين، ورعاية المسنّين، والعمل الإنتاجيّ الّذي يرفد كلّ هذه المؤسّسات، فسوف نعمل على تعزيز التّنسيق بين مجالات الجمعيّة المختلفة، وأيضاً في ظلّ الأوضاع الّتي نعيشها، سوف نعمل على عدم التّراجع عند الأزمات في كلّ مرحلة أو في كلّ يوم، ففي كلّ يوم، هناك مشاكل أمنيّة تحدث في بعض المناطق الّتي تتواجد فيها مؤسّسات المبرّات.

كذلك نعمل بكلّ حكمة على عدم التراجع في عمل المؤسّسات، وأن نحافظ على المستوى، سواء الرّعائيّ، أو ما يتعلّق بمستوى التقديمات بأساليب وطرق أخرى. وهذا ما عملنا عليه، إضافةً إلى عملنا على دليل إدارة الأزمات، ليس فقط على الصّعيد المادّيّ، ولكن حتّى على صعيد التعليم والتربية والرّعاية.

جمعيّة لكلّ النّاس

ـ لو ذهبنا إلى الخارج؛ هل من استراتيجية أو رؤية على مستوى التواصل مع اللّبنانيّين خارج الوطن؟ وهل من مشاريع معيّنة؟

ـ إنّ جمعيّة المبرات الخيريّة، من خلال السياسة الّتي أرادها سماحة السيّد(رض)، هي جمعيّة غير سياسيّة، يعني ليست حزباً سياسيّاً، وبإمكانها أن تكون لكلّ الناس، أن تعمل لحاجات كلّ النّاس، هذا ما جعل الجمعيّة تمثّل هدفاً لعمل الخير للكثير من الشَّرائح، سواء ممن انتموا إلى جهات سياسيّة أو من غيرهم. ولذلك، فإنّ بعض مؤسّسات الجمعيّة التي تم بناؤها، بنيت من خلال أموال المغتربين في الخارج، وهناك مكاتب لجمعية المبرات في أكثر من مكان في خارج لبنان، هذه المكاتب تعمل ضمن قوانين الدّول الموجودة فيها، والتي تؤمّن التبرعات للأيتام الموجودين في المؤسّسات في لبنان.

لقد عمل سماحة السيّد(رض) بعد سقوط النظام العراقيّ البائد، على البدء ببناء مبرّة ومدرسة في بغداد، وهي مدرسة ومبرّة الإمامين الجوادين(ع)، وقد افتتحت هذه المؤسّسة مباشرةً بعد العام الأوّل من رحيله، وبدأت العمل، وأشرف علىى تأسيسها ومتابعتها الجهاز التعليمي الرعائي الموجود في جمعيّة المبرّات.

وقد استطاعت الجمعية بعملها الإنساني والمميّز بواقعيّته، أن تجمع حولها الكثير من المحبّين والطيّبين الّذين يجدون الخير في عملهم لهذه الجمعيّة.

ـ هل لكم أن تحدّثونا عن تجربة خاصّة لكم مع سماحة السيّد تركت لديكم أثراً خاصّاً؟

ـ عشت مع سماحة السيّد(رض) كلّ العمر؛ إنْ كان الطفولة الأولى بمراسلته عندما كان في النّجف، أو عندما أتى إلى النّبعة، وأنا عندها أتيت من الجنوب إلى بيروت لأكمل دراستي الثانوية، وخلال هذه الفترة أيضاً، رافقته على أكثر من صعيد. وبعد سفري إلى فرنسا الذي شجّعني عليه كثيراً، كنت على صلة دائمة معه، حيث أسّسنا من خلال توجيهاته هناك، مكتبة أهل البيت وجمعيّة أهل البيت(ع)، إلى أن أصرّ على عودتي إلى لبنان في العام 1984 لتسلّم إدارة جمعيّة المبرّات.

وهكذا، على مدى ربع قرن من الزّمان، كنت يده اليمنى في تأسيس جمعيّة المبرات، والدّخول في كلّ مفاصلها، ففي كلّ يوم، كان لي معه إمّا لقاء أو حديث، ولم يكن يمرّ أسبوع إلا وألتقيه، إضافةً إلى أني رافقته في أكثر من سفرة من سفراته إلى أميركا وبريطانيا وفرنسا وأفريقيا.

فصلتي به لم تكن صلة قرابة فقط، بقدر ما كانت صلة عمل، وهو الّذي كان يردّد دائماً، أن لا شغل له بمحمد حسين فضل الله، ولا بكلّ ما يحيط به، إلا من خلال عمله، ومن خلال جهده، ومن خلال تقديم خدماته للإسلام.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل