06 May 2014
المبرات بعد أربع سنوات على غياب المؤسّس العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله (رض) وإطلاق خطة التطوير الاستراتيجية للعشرية الثانية

عقدت جمعية المبرات الخيرية مؤتمراً صحفياً في نقابة الصحافة بعنوان "المبرات بعد أربع سنوات على غياب المؤسّس العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله (رض) وإطلاق خطة التطوير الاستراتيجية للعشرية الثانية". وقد ألقى مدير عام الجمعية الدكتور محمد باقر فضل الله كلمة في المؤتمر جاء فيها:

بداية أتقدم بالشكر من نقابتي الصحافة والمحررين وممثلي وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة الذين حضروا هذا اللقاء، وكذلك الشكر موصول للأخوات والأخوة الذين شاركونا في هذه المناسبة.

أربع سنوات على رحيل مؤسس المبرات سماحة المرجع السيد محمد حسين فضل الله (رض ) وهو حاضر في محطات لا تحصى من الذاكرة.. وإيقاع كلماته باقية تحفر في عقولنا وقلوبنا فنقبل عليها بعبق المعرفة والروح.. أربع سنوات وأفكاره مشعّة مضيئة ولامعة، مع بريق ابتساماته التي لا تغيب عن العين والقلب.

أربع سنوات والسيد حاضر فينا، في رؤاه الواضحة، ونظراته الثاقبة، وحسه المرهف، وآرائه القيمة ونصائحه السديدة، ونقده الرشيد، ومبادراته الخلاّقة، وتحفيزه المستحثّ، وتخطيطه المستنير.

أربع سنوات والسيد "حضور لا يمحوه غياب"، حضور العالم القائد والمفكر والفقيه والمرشد والداعية والرسالي والمرجع والإنسان الذي جسّد كل القيم التي كان ينادي بها.

سوف تبقى المبرّات على عهدها للسيد تتمثل قوة عزيمته التي بنت عشرات المؤسسات المتميزة، وسوف تبقى تعيش روحه التي أعطت من روحها لتبني عقولاً تفكر، سوف تبقى كما أراد لها أن تكون، تلاحق المعرفة بكل تنوعاتها وتدفع الأفكار والأشخاص إلى الأمام، سوف تبقى تستلهم خلقه النبوي، وإبداعه باستشراف المستقبل، وقد زرع في العاملين الذين عايشوه الرسالية والصبر والانفتاح وحبّ الناس وخدمتهم.

المبرّات نموذج لحفظ الإنسان

أراد السيّد (رض) لمؤسسات المبرات أن تكون نموذجاً لحفظ كرامة الانسان وتعليمه وتثقيفه والأخذ بيده نحو المستقبل، فكان يرى في هذا المشروع الأمل والنموذج الذي نطلّ به على باقي المجتمعات في لبنان والعالم بكل قوّة وثقة ومسؤولية.. عن هذه التجربة المضيئة يقول سماحته: "لا يزال الطموح كبيراً في أن نقدم للمنطقة تجربة رائعة في مماشاة التطور بما لا يبتعد عن مبادئنا وعن ديننا، وأن نحقق نقلة نوعية في رعاية المستضعفين بشكل عام، سواء كانوا من الأيتام أو من المكفوفين أو من الصم أو من البكم أو من الذين لا يملكون فرصة العيش الكريم".

بهذه الروح قامت عشرات المؤسسات للمبرات، مؤسسات تميزت على صعد متعددة من خلال:

- المدارس الأكاديمية والمهنية التي بلغ عددها عشرين مدرسة ووصل عدد تلاميذها العام 2013 - 2014 إلــى اثنين وعشرين ألف تلميذ.

- المبرّات، وهي دور للأيتام، بلغ عددها تسع وتحتضن أربعة آلاف يتيم ويتيمة.

- مؤسسات للإعاقة السمعية والبصرية واضطرابات اللغة والتواصل، تحتضن ستماية معوق.

- مستشفى وأربع مراكز صحية.

- مراكز ثقافية ورسالية فاق عددها الأربعين مركزاً.

- مركز للتشخيص التربوي.

- نوادٍ رياضية وكشفية.

- مؤسسات إنتاجية تسد بعضاً من عجز في نفقات المؤسسات الرعائية والتعليمية والثقافية.

- دار الأمان لرعاية المسنّين.

- جامعة في عداد مؤسسات التعليم العالي في لبنان.

- مؤسسة للخدمات الإجتماعية تعنى ببرامج للفقراء والأيتام.

ولا زالت المبرات في خط السير التصاعدي لمسيرة التنمية والتطوير، تنظر إلى المستقبل البعيد ليبقى الزرع الذي كان بعضاً من ثمرة عمر السيد(رض)، في حالة اخضرار دائم، وليبقى الحصاد وفيراً، بإذن الله..
وأما أبرز الأعمال التي تحرص المبرّات على إنجازها في المستقبل الآتي:

- مركز للإعاقات المتعددة الأكثر تطوراً، في مؤسسة الهادي، في ظل ندرة في المراكز التي تهتم بهؤلاء وعوائلهم.

- توسعة مستشفى دار الأمان للمسنين في العباسية (الجنوب).

- مبرة الحوراء زينب في بلدة رياق (البقاع).

- مركز المصطفى الصحي الاجتماعي في بلدة قبريخا (الجنوب).

- مركز السيدة زينب الصحي الاجتماعي ودار للمسنين في بلدة جويا (الجنوب).

تطوير البناء الهيكلي

لقد ترجمت جمعية المبرات تطلعات سماحة السيد بالسهر على تطوير بناها الهيكلية، لتصبح أكثر ارتباطاً بالأهداف التي قامت لأجلها، وقد شمل هذا التطوير الخطط والأهداف الواضحة والبعيدة المدى.. وهكذا سارت وفقاً للإطار المؤسسي المستند إلى تطبيق أنظمة الجودة كالأنظمة المالية والإدارية ونظام الأرشفة وأنظمة الرقابة والتدقيق ووضع الخطوط الواضحة للمسميات الوظيفية، لتوضيح المهام والمسؤوليات، ما يؤدي إلى قيام الجمعية بأعمال ملائمة لأهدافها المرسومة.. كما أوجدت الجمعية المجالس المتخصصة التي من شأنها التركيز على تنسيق الجهود، وتركيز الرؤية، وتطوير الأنظمة والقوانين.

إنجازات جديدة بعد الغياب

لم يكن إنشاء المؤسسات عند سماحة السيد هدفاً لذاته إنما كان ذلك في سبيل إرساء نهج البناء الخلاق للعقول المستنيرة بالعلم والمعرفة، لذلك حرصت الجمعية على نوعية الأعمال والإنجازات التي ركزت على جودة العمل أكثر من حرصها على التراكم العددي للمؤسسات، مطوّرة خدماتها وبرامجها على الشكل التالي:

 الدمج التربوي: سعت المبرات كمؤسسات إسلامية مرحّبة أن تؤكّد مفهوم الترحيب فتعمل على مساواة جميع الأطفال في القيمة والمكانة، وأن تعطي تلامذتها فرصاً متكافئة مع أقرانهم، لذا هي اليوم تحتضن ما يزيد عن 1200 تلميذاً مدمجاً من ذوي الصعوبات التعلّمية في مؤسساتها الاكاديمية والمهنية. وهذه التجربة تتبلور عاماً بعد عام في هيكلية العمل التربوي ونظام الجودة في جميع مؤسساتها التعليمية والمهنية والإنسانية ، عن طريق تعميم عمليات وآليات العمل في برامج الدمج التربوي وبوضع مؤشرات لقياس تحقق الجودة في هذه البرامج، كما يُعمل الآن على كتابة وإصدار الآليات المتعلقة بالعمل الرعائي التربوي لذوي الإحتياجات الخاصة والصعوبات التعلمية.

 التعليم الإدماجي: بادرت المبرات إلى التعليم الإدماجي في مدارسها، مع تشكيل الهيئة العليا لتطوير المناهج الذي تمثّلت فيه المبرات، حيث كان للفريق الذي اختارته الجمعية دور أساسي وفعّال في مراجعة ونقد وثيقة تطوير المناهج لحين إصدارها بالشكل النهائي، وكذلك كان لفريق الجمعية رأي في تطوير منهج رياض الأطفال والحلقة الأولى.. وقد شارك فريق من منسقي هاتين المرحلتين في التدريب الذي نظمه المركز التربوي للبحوث والإنماء، وبدأ التطبيق في مدارس ثلاثة للجمعية وقد أظهر التقييم نتائج إيجابية بحيث أتاح التعليم الإدماجي الفرصة للمتعلم في توظيف المعارف والمهارات التي يكتسبها في وضعيات جديدة مرتبطة بحياته اليومية وكون هذه المقاربة تستند إلى التعليم المبني على الوضعية المشكلة فهي تساهم في بناء التفكير الناقد ومهارات حلّ المشاكل عند المتعلمين وهي من غايات التعليم الأساسية للألفية الثالثة ناهيك عن تعزيز العمل الفريقي لدى التلاميذ. وقد سبقت مقاربة التعليم الإدماجي في مدارس المبرات ،والتي هي شرط أساسي، المنهج الشمولي التكاملي الذي بدأت به المبرات منذ العام 2000.

 الإرشاد التربوي والصحي: تمثّل التطوّر هنا في تقديم برامج موجهة إلى الأهل مثل برنامج التربية الوالدية، ومشروع محو الأمية، والأمية التكنولوجية، والبرامج الموجهة إلى التلاميذ، مثل برنامج المعلم الناصح والمعلم المرشد، وبرنامج تعديل السلوك والصحة الإنجابية وغيرها. أما على صعيد الإرشاد الصحي، فقد توسعت برامج الخدمات الصحية الأولية، وخدمات الصحة المدرسية ضمناً الصحة النفسية، والنشرات الصحية التي يتم من خلالها التواصل بين الأهل والمؤسسة التربوية. الإرشاد والديني: إحتل الإرشاد الديني أهمية خاصة في مؤسسات المبرات كونه يساهم في الحفاظ على الجو الإسلامي العام الذي أراده السيّد (رض) بعيداً عن الخرافيين والإنغلاقيين..

 الكتب المدرسية: كانت المبرات من أوائل من بدأ في لبنان ببرنامج التربية التكاملية، ما جعلها تبدأ بتأليف كتب للروضات والحلقة الأولى تتوافق مع البرنامج الجديد، فبالإضافة إلى كتب الحلقة الأولى في التربية الإدماجية، كانت كتب التربية الإسلامية بذور الإيمان وبراعم الإيمان بمقاربتها الحيوية وجدّية أسلوبها لصفوف الحلقتين الأولى والثانية. كما يُعمل على تجديد كتاب التاريخ للحلقتين الثانية والثالثة مستفيدين من المقاربات الحديثة في تعليم مادة التاريخ بناءً للمدرسة البنائية النقدية.. - برامج المغتربين: إستحدثت مدارس المبرات برامج لمساعدة الطلاب المغتربين العائدين إلى وطنهم من بلاد المهجر، وذلك بهدف دمج التلميذ المغترب في صفه ليتساوى مع رفاقه دون أي فوارق، بالإضافة إلى إشعاره بالإطمئنان والثقة من خلال إكسابه اللغة الأم التي تعتبر وسيلة اتصاله بالآخرين..

برامج البيئة: بادرت المبرات إلى إطلاق برنامج بيئي متكامل أطلق عليه إسم برنامج "إحمِ بيئتك" ويتضمن العديد من الأنشطة والبرامج والدروس حول مواضيع بيئية متنوعة بدءاً من الهواء والطاقة والمياه مروراً بالتنويع البيولوجي والنفايات والتسوق البيئي وصولاً إلى الأنشطة والقضايا البيئية وحملات التوعية.

 الرعاية المتكاملة: وضعت المبرات برنامجاً خاصاً لتنمية القدرات والمهارات لدى الأحداث (أطفال معرّضون لخطر الإنحراف) وذلك باتّباع أساليب الرعاية المتكاملة وفقاً للأسس العلمية الحديثة المتّبعة في هذا المضمار، عن طريق تصحيح مساراتهم السلوكية التي تعيق اندماجهم الإجتماعي.

خدمات للشباب: أطلقت المبرات مشروع الخدمات الصديقة للشباب، بالتعاون مع جامعة القديس يوسف ووزارة الشؤون الإجتماعية، يعنى هذا المشروع باهتمامات خاصة بالشباب الذين يواجهون مشكلات وصعوبات تتعلق بالعنف، سوء المعاملة، الصحة النفسية، العلاقة مع الأهل والأصحاب، التغذية والصحة الإنجابية، كما يقدم الإستشارات والمعاينات ونشاطات التوعية والتثقيف من قبل فريق مؤلف من المساعدين الإجتماعيين والمعالجين النفسيين والأطباء والممرضين.

البرنامج التربوي: في سياق العمل الرعائي، تميزت المؤسسات الرعائية في المبرات، بوضع برنامج تربوي ينسجم مع مبادئها وأهدافها السامية لفهم حياة المجتمع اليومية والمشاركة فيها بفعالية، ولرفع المستوى الثقافي والروحي والاجتماعي والعلمي للأيتام وتنمية مواهبهم وصقلها في سبيل تنشئة إنسان مثقف واعٍ ومنفتح على الآخرين يحمل القيم الانسانية والأخلاق الحميدة.

دليل إدارة الأزمات: نتيجة الأزمات المتنقلة في أرجاء الوطن والتي جعلتنا نعيش القلق والخطر الدائم أحياناً، كانت مسؤولية المبرّات أن لا تتراجع عند أول رصاصة أو صاروخ أو انفجار، بل نتماسك ونصمد ونزرع الإصرار على التعلم في كل الظروف، وأن نحفظ حقوق تلامذة أخذنا عهداً على أنفسنا بإيفائهم حقوق التعلم والتربية في كل ظرف وبأكثر من أسلوب.

توظيف تكنولوجيا المعلومات للتطوير المستمر: في عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصالات سعت المبرات على مختلف المستويات الإدارية والتعليمية والرعائية لتمكين عامليها من مهارات أساسية في المعلوماتية والتي أصبحت شرطاً ضرورياً لمواكبة تطور العمليات التعليمية والإدارية في المؤسسات مع البدء بتطبيق البرمجيات الجديدة لنظم المعلومات في الجمعية، ومع البدء بتطبيق برمجيات جديدة في إدارة نظم المعلومات في مؤسسات الجمعية بتفعيل استخدام تكنولوجيا التعليم وخاصة استخدام اللوح التفاعلي قي قاعات التدريس.

 تطوير المرافق العامة: بموازاة التطوير الذي قادته المبرات على صعيد الموارد البشرية، كذلك أولت العناية والاهتمام لتطوير وتحديث المرافق العامة التي تساعد على تقديم الخدمات المختلفة. وقد شمل هذا التطوير القاعات الرياضية، والملاعب الفسيحة، فضلاً عن المختبرات وغرف الدراما، وغرف تنمية المهارات السيكوحركية، والغرف السمعية والبصرية، والمحترفات الفنية والمكتبات، والمسارح.

تطوير المشاركات في أنشطة خارجية متنوعة: عملت المبرات على تطوير مشاركات تلامذتها في المسابقات العلمية والفنية والأدبية والرياضية، وغيرها من المسابقات الوطنية والعالمية، من أجل المواءمة الدائمة بين النظرية والتطبيق لإنجاح العملية التعليمية. وقد حصد طلاب المبرات العديد من الجوائز مع الهيئة الوطنية للعلوم، ومعرض العلوم في الجامعة الأميركية، ومسابقة القصة القصيرة مع وزارة الثقافة، وبينالي فنون الأطفال مع وزارة التربية في دول عربية وأوروبية متعددة، ومسابقة جوزف زعرور للترجمة مع جامعة القديس يوسف، والبطولة الوطنية للروبوت، ومسابقة نحن والفرنكوفونية مع السفارة الفرنسية، والمسرح المدرسي مع وزارة الثقافة، وشهادة المدرسة الدولية ISA مع المركز الثقافي البريطاني، وغيرها الكثير الكثير من المسابقات التي كان آخرها إحراز مؤسسة الهادي للإعاقة السمعية والبصرية والصعوبات التعلمية المركز الأول في النهائيات الأوروبية في مسابقة تعليم الرياضيات عبر المسرح في قبرص.

الجمعية ثقة الناس والمجتمع

عملت المبرات منذ انطلاقتها الأولى على أن تكون موضع ثقة المجتمع والناس، فهي لبّت العديد من حاجيات المجتمع، وأشركت معها جميع الخيّرين الذين ما بخلوا يوماً بالمساعدة على إنشاء وإشادة مؤسسات الخير، كذلك عمّرت قلوب الأبناء بالحب والعطف والحنان .. وهذا تجسيد لكلام السيد(رض): "المبرات هي من الناس وللناس" ولطالما أوصى العاملين: "أن يكون لدينا الصدر الرحب الذي يتسع لكل سلبيات وتعقيدات الناس".

هذه التجربة الحانية، انعكست في جمعية المبرّات الخيرية نهجاً وسبيلاً وسلوكاً ووعياً، أن مؤسسات الخير لا يمكن أن تبنى بدون وسائل الخير وبدون المقدّمات الموصلة بطبيعتها الى الخير، إلى أن أصبح هذا المبدأ شعار الجمعية ودليلها في علاقتها مع الآخر، وشعاراً ودليلاً للعلاقات فيما بين مختلف أجهزتها العاملة.

التأكيد على ثقافة الانفتاح

ترجمت جمعية المبرّات الانفتاح والاقتراب من حاجات المجتمع، بالعمل على الدفع باتجاه الأطر الائتلافية مع الجمعيات المماثلة، من أجل زيادة قدراتها التي تصب في إطار عملية التنمية الشاملة، ومن أجل إيصال الخدمات الاجتماعية الى متلقيها من الأفراد والأسر والمجتمعات المحلية، من منظور متكامل، جوهره التركيز على تنسيق الجهود بدلا ًمن تشتتها أو تبعثرها، كذلك حرصت الجمعية على أن تكون مؤسسة وطنية يستفيد من خدماتها ذوو الحاجات، لأي فئة أنتموا وفي أي منطقة كانوا .

وفي السياق ذاته أرست الجمعية علاقة تفاعلية مع الدولة، فلم يعد هناك تجاهلاً لأنشطتها، بل الدعم والمزيد من الاعتماد عليها، وإسناد مشروعات وبرامج ومشاركات إلى الجمعية. كما أنشأت شراكة وتعاوناً بينها وبين مؤسسات القطاع الخاص، تمثّل في تقديم هذا القطاع الخاص التبرعات المادية والعينية إلى الجمعية، إضافة إلى تقديم بعض البرامج التدريبية، أو تمويل مشروعات محدّدة، ناهيك عن تقديم فرص عمل لمجموعة من المتخرّجين.

وتعاونت الجمعية مع المنظمات الدوليّة المانحة، ومع البعثات الدبلوماسية لبعض الدول العربيّة والأوروبية. وقد تمثل هذا التعاون في تبادل الخبرات وتنفيذ المشروعات التنموية، وبرامج التوعية والتدريب، فضلاً عن التبرع المادي والعيني للجمعية.. وتمحورت ميادين التعاون، حول المشروعات البيئية والتعليمية والصحية والاجتماعية والإنسانية.

التلاقي من خلال الحوار

شدّد السيد (رض) على الحوار، وعدّ التحاور تلاقياً معرفياً يغني الفكر ويقرّب المسافات، وكان يقول : " قصة الحوار هي قصة أن نحرّك إنسانيتنا في إتجاه الغنى الإنساني ... فالحوار هو معنى إنسانية الإنسان فينا، عندما يعيش عمق إنسانيته ويلتقي بإنسانية الآخر، ليثري نفسه بقدر ما يثري الآخر " ...

على هذا النهج ، مضت المبرّات في تبنّيها مبدأ التربية على الحوار، كمكون أساسي في برامجها، وعمدت انطلاقاً من هذه الرؤية، إلى بناء تجربة حيّة حيث عملت على إنجاز برامج دينية ومناهج تعليمية تعبّر بطريقة واضحة عن هذه الرؤية، والقيام ببرامج التوأمة والشراكة في مؤسساتها التعليمية مع مدارس المقاصد ومدارس الشانفيل، إضافة الى التعاون مع البرامج التدريبية التي ينفذها برنامج "ألوان" في مؤسسة أديان، والذي يهدف إلى تعزيز القيم والممارسات، على ضوء مفهوم التربية على المواطنة الحاضنة للتنوع الديني. كذلك، تضمنت المناهج والبرامج الدينية رؤيتنا المرتبطة إلى "الآخر" من خلال إدراج فقه الإختلاف ومرتكزات الوحدة الإسلامية وقيم العلاقة مع الاخر المختلف، بعيداً عن ضبابية اللغة وغموض المفردات.

إحتضان الأجيال الشابة

أخذت الجمعية على عاتقها بناء الجيل الاسلامي الإنساني الواعي، لذلك قامت باحتضان الأجيال الناشئة، وتحصينهم "بالعلم والثقافة والمعرفة"، ووقايتهم من الانزلاق إلى مهاوي الجهل والضياع، وتسليحهم بالايمان المنفتح على الجميع، حتى لا يستدرجهم "الجاهلون والمتخلفّون والخرافيون" إلى كهوفهم المظلمة..

هذه الثقافة التي أرست نهجها الجمعية اتجاه الأجيال الشابة، وما زالت تؤكد عليها في مؤسساتها المختلفة، من خلال السهر على تنمية هذه الثقافة عند الآلاف من طلابها الذين ما زالوا في مؤسساتها، أو الذين تخرّجوا من معاهدها ومدارسها ومبرّاتها.. وهي في هذا المجال تواكب عمل جمعية متخرجي المبرّات بهدف المحافظة على التواصل مع المتخرجين ومتابعة إكمال مسيرتهم في الجامعات والمعاهد ومرحلة التخصص العليا، من أجل بناء إنسان رسالي مثقف منفتح على قضايا عصره..

التطوير الإداري والتقويم الذاتي

أطلقت المبرات منذ سنوات أسبوعاً سنوياً في أيار من كل عام، لتسترجع فيه المؤسسات تاريخها كركيزة أساسية من أجل الانطلاقة إلى المستقبل باندفاعة وحيوية وتخطيط، ومن أجل أن تبقى في حركة دؤوبة وعطاء مستمر..وسوف يشتمل أسبوع المبرات هذه السنة، على أنشطة متنوعة في جميع مؤسسات المبرات، وسيختتم بحفل في قصر الاونيسكو لإطلالة على رحلة المبرات في التطوير الإداري ولإطلاق خطة التطوير الاستراتيجية للعشرية الثانية.

يأتي هذا العنوان انطلاقاً من قول سماحة السيد(رض) "إن التنمية الإنسانية هي جوهر رسالة جمعية المبرات الخيرية وأن جوهر التنمية يكون بالحفاظ على الحركية وعلى الحيوية في الإنفتاح على المستقبل بحيث لا تتجمد المؤسسات في الحاضر ولا تحدّق دائماً في الماضي، وانما تتطلع إلى المستقبل باستمرار".

وقد ترجمت المبرات هذه الرؤية من خلال برنامج التطوير الإداري والتربوي الذي أنهى عامه العاشر وحقق اللغة الإدارية المشتركة في المؤسسات على صعيد الإدارة، والإشراف التربوي والعلاقة مع الأهل والمجتمع المحلي، فضلاً عن رسالة الجمعية..

وقد شمل هذا البرنامج رزماً تدريبية متعددة، ركّزت على المهارات الإدارية العامة، وإدارة الموارد البشرية والإشراف على البرامج التعليمية، والإشراف على العملية التعليمية، ومهارات إدارة الموارد المالية، وإدارة المباني والمرافق والتجهيزات، ناهيك عن إدارة المعلومات المدرسيّة.

ومع إتمام جميع وحدات برنامج التطوير الإداري، ولضمان الحيوية والتجدد الدائم للبرنامج، سعت المبرات إلى دراسة التقويم الذاتي لأثر البرنامج لقياس أثر البرنامج على جودة أداء المؤسسات بشكل عام.

لقد عمدت الجمعية إلى استشارة خبراء تربويين، وبناء عليه تقرّر اتباع نموذج عملية الحصول على شهادة الإعتماد المؤسسي من خلال القيام بدراسة تقويمية ذاتيةself study) ) تشمل جميع مجالات عمل الجمعية، انطلاقاً من أن هذه المنهجية تساعد على بناء قدرات العاملين في المبرات بحيث يصبح لديهم المعارف والممارسات المطلوبة والقدرة على إجراء دراسات مماثلة.

كما تم تشكيل لجنة مركزية من جمعية المبرات ضمت ممثلين عن المؤسسات التعليمية، المؤسسات الرعائية المؤسسات المهنية، الإدارة المركزية، ممن لديهم قدرة نقل المعرفة والخبرة وقيادة العمل، بإشراف استشاريين من الجامعة الأميركية.

هذه الدراسة نفذت خلال سنوات ثلاث في عمل مضنٍ تطلب مئات من ساعات العمل بدءاً من وضع الإطار المرجعي للدراسة وتحديد معايير ومؤشرات القياس مروراً بجمع المعلومات على مراحل متعدددة وصولاً إلى كتابة التقارير النهائية. وبعد صدور النتائج النهائية للدراسة والتوصيات في تموز 2013، بدأ العمل على مأسسة منهجيات العمل وأدوات الدراسة لتصبح جزءاً من السياسات وأنظمة العمل في المؤسسات ولإيجاد دينامية ذاتية لاستدامة التطوير والتقييم المستمر في عمل المؤسسات، أملاً بالوصول إلى إصدار نظام اعتماد لشهادة الجودة الخاصة بالمبرات.

الجمعية أمانة السيد

أوصى السيد(رض) العاملين في المبرات أن تكون مؤسسات الجمعية أمانة في أعناقهم، وأن يستمروا دون تراجع على عهده بهم، محافظين على الأمانة التي تركها بين أيديهم، ومجسّدين مسؤولياتهم أمام الله وأمام مجتمعهم وأمّتهم وأمام أنفسهم.

يقول السيد(رض): "إنني أشعر بثقل الأمانة التي حمّلني الله إيّاها لتأسيس هذه المؤسسات، وإنني أريد لكم أن تشعروا بثقل هذه الأمانة لتكون أمانة الله في أيديكم وأعناقكم".

هكذا أرادنا السيد(رض)، ونحن في المبرات، من خلال القيّمين علىهذه المؤسسات، بشخص رئيسها وهيئـة أمنائها، وكل القيّمين عليها والعاملين في مؤسساتها، سوف نحافظ على المؤسسات بكل ما أوتينا من عزم وقوّة، ونتحمّل مسؤولية استمرارها على الأسس التالية:

- السهر على تطوّر المؤسسات لضمان نجاحها وتقدّمها.

- ترسيخ روحية الصدق والأمانة وبذل الجهد والإلتزام والثقة بين المؤتمنين على هذه المؤسسات، في سبيل رفع مستواها، وبين الجمعية والمجتمع، واضعين نصب أعيننا ما كان يردده السيد دائماً أن "الناس رصيد الجمعية".

- التأكيد على أن هذه المؤسسات لا تعمل بتوجّهات فردية، وليست إرثاً عائلياً، وإن ما ينظّم عملها هو القوانين التي تمنع الإستئثار الشخصي.

تحدّيات الحضور

أن نكون مؤسسة تستهدي بفكر سماحة السيد وتوجهاته فإن هذا الأمر يفرض تحديات كبيرة جداً، من أهمها:

أولاً: عدم استسلام الجمعية لما حققته من نجاحات فتعتبر أنها بلغت القمة أو الهدف الكبير بل لا بد أن تعمل على أن تحافظ على هذه النجاحات وتقويتها وتنميتها ثم تحاول مراقبة التطورات الجديدة فيما تتحرك فيه الجمعية من وسائل التربية والتعليم والتوجيه والتدريب.

ثانياً: تأكيد دور المؤسسة التربوي في تشكيل الشخصية الرسالية المتعلمة والمثقفة الواعية ونمائها واعتبارها إحدى أهم السبل لإصلاح المجتمع وتغييره..

ثالثاً: التشديد على الإلتقاء مع الإنسان الآخر والانفتاح عليه وامتلاك قدرة الصبر على الحوار وتبادل الخبرات معه..

رابعاً: ممارسة النقد الذاتي لتجاربنا نقداً موضوعياً والعيش بذهنية الرسالي لا ذهنية الموظف..

خامساً: العمل على تعزيز التنسيق والتكامل بين مجالات عمل الجمعية، وهذا يتططلب التنسيق المحكم بين الأهداف الاستراتيجية والمشروعات التي تتضمنها والتي توضع لتحقيق السياسة الاجتماعية العامة للجمعية.

سادساً: التأكيد على الاستقلالية المالية لكي نبقى قادرين على تلبية احتياجات الناس بعيداً عن ضغط التمويل وشروطه، ولكي لا تغيب سياسة العقلانية التنموية التي نسعى إلى بنائها وفق تحليل علمي للواقع..

سابعاً: عدم التراجع عند الأزمات، بل التماسك والصمود والإصرار على التعلم والتدريب في كل الظروف، هذا التعلّم الذي ينبغي أن يطال أسرة المبرات كافة؛ تلاميذ ومعلمين واداريين ومتخرجين وعاملين،من أجل الحفاظ على المؤسسة وضمان استمرار نجاحها وتقدمها.

ثامناً: العمل على محاصرة اللغة المذهبية التي تستحوذ على الحوارات السياسية والاجتماعية في لبنان ويتداولها أحياناً المجتمع المدني، خشية أن تتحول هذه الحوارات إلى أدوات تساهم في تفاقم الشرذمة وزيادة وتيرة الاحتقان الطائفي، لذلك لا بد من إطلاق حوارات مهمتها استكشاف مساحة الخير المشترك، وتعزيز قيم المواطنة والعدالة الإجتماعية.

ختامـــــــــاً

إن الكلام يطول ويطول عن المرجع المؤسس(رض)، بعد أربع سنوات على الغياب، الكلام عن روحه التي ظلّت محلقة مع الأنبياء والمرسلين والصدّيقين والأولياء، وعن فكره التنويري الذي استمر ساطعاً بين الأجيال. سوف نبقى نقرأ هذا الفكر، ونعيش هذه الروح، مجسّدين قيم الإسلام الأخلاقية والإنسانية التي جسدّها قولا ً وعملاً، وقد طلب في وصاياه أن نقرأه لنعرفه جيداً، وعند قراءته وتجسيد قيم الإسلام التي نادى بها نكون مع إلتفاتات حياته التي أرادها فوق ضريحه حلماً، إذ يقول:

أنا حسبي إن تغشاني الدجّى في ظلام الليل آهات جروحي فالتفاتات حياتي فكرة سوف تبقى حلماً فوق ضريحـي

عهدنا للسيد، الحفاظ على الأمانة التي ترك، نبذل في سبيل تطويرها وتنميتها كل الجهود والإمكانات لتبقى شامخة كما روحه الطاهرة المحلّقة بين ظهرانينا .. وها هي مؤسسات المبرات بكل تنوّعاتها قد كُتبت لها مرحلة منذ تأسيسها وحتى عام 2010، كان المؤسس جسداً وعقلاً وفكراً وروحاً هو المحرّك الأساس لها، ومرحلة أخرى أصبحت في عامها الرابع، ستبقى تستلهم فكر وروح المؤسس وخلقه النبوي وإبداعه باستشراف المستقبل، لتبقى المبرات العطاء الذي يسابق الزمن..

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل