رعى سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله حفل الإفطار السنوي لمؤسسة الإمام الهادي للإعاقة السمعية والبصرية في قاعة الاحتفالات في المؤسسة، بحضور وزير الشؤون الاجتماعية اللبنانية الأستاذ غازي زعيتر، والوزير اللبناني السابق ناصر السعيدي والسفير البريطاني جيمس واط وشخصيات دينية واجتماعية
بداية ألقى مدير المؤسسة إسماعيل الزين كلمة جاء فيها:
ككل عام نجتمع في هذا اللقاء الرمضاني على قضية إنسانية حقوقية علّنا نساهم في حمل هموم شريحة عانت ولا زالت التهميش والاستهتار بحقوقها المجتمعية، ولا نبخس ما عُمل وقرّر خلال هذه السنوات الأخيرة، وفي المقدمة القانون 220 المتعلق بحقوق المعوّقين، ولكن هذه القضية تحتاج لعناية وإحاطة أكبر وعمل أكثر لأن العزل وهدر الحقوق كان كبيراً جداً .. ونحن بحاجة إلى تجميع الطاقات المتنوعة حكومية وأهلية باختصاصاتها التربوية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية كافة.
وهذا ما سعت إليه جمعية المبرات ومؤسسة الهادي للإعاقة السمعية والبصرية عبر مدارسها الثلاثة النور والرجاء والبيان وقسمها المهني الأكاديمي حيث بلغ عدد طلابها ثلاثماية وخمسون طالباً وعبر تقديم تعليم نموذجي ومهارات عملية ودمج تعليمي في المراحل التعليمية العليا وتمكين من التكنولوجيا الحديثة وإقامة الندوات وتأمين الوسائل التي تمكنهم من الاندماج الاجتماعي والتفاعل لتأمين النجاح في المستقبل والمساهمة في بناء المجتمع والتحدي في تخطي الإعاقة والتركيز على القوة التي سيبلغوا بها ذلك.
وبعد تواشيح دينية وفقرات فنية كانت كلمة لراعي الاحتفال السيد محمد حسين فضل الله وفيها:
لا بدّ لنا أن نجعل إنساننا إنساناً يُعطي ويأخذ، لا أن يكون الإنسان الذي يفكّر أن يأخذ ويستهلك دائماً من دون أن يبدع ويعطي، متفاعلاً مع الفكر والعلم والمعرفة.
إن مشكلتنا في هذا الشرق أننا نعمل على أن ندمّر للإنسان طاقته، فلا نسمح للإنسان أن تتفجّر طاقته وتبدع وتصنع صناعة جديدة، لأنّ السكون موتٌ والحركةُ حياة ولهذا أرادنا الله تعالى أن نعيش التنوّع الإنساني في القوميات والألوان والأعراق والأجناس، على أساس أن يعطيني التنوّع عندك ما يغني التنوّع عندي، لا أن نتحرّك على أساس التعصّب والانغلاق وأن يلغي الإنسانُ الإنسانَ الآخر، فمعنى أن تكون إنساناً أن تحرّك إنسانيتك في إنسانية الآخر، أن تتحسّس كلّ نبضات الفرح والحزن، وأن تحتضن مشاعرك مشاعر الإنسان الآخر، وأن تتفاعل في عقلانيتك مع الإنسان الآخر.
إننا نقترب من التوحّد في ما بيننا حين نقتربُ من التفاعل الفكري والعلمي والإنساني بيننا، لأننا متعبون من كل هذه الأنانية التي نعيشها في العلم والعمل والسياسة. كل واحد منّا يخلق في ساحته دائرة ولا يسمحُ بأية نافذة يأتي منها الضوء من الساحة أو الدائرة الأخرى .. ولهذا سقطت كل الوحدات في ساحاتنا الوحدة العربية والوحدة الإسلامية التي غرقت في وحول الطائفية والمذهبية .. وعندما بدأ الناس يتحدثون عن الوحدة الوطنية تفرّقنا شيعاً وأحزاباً وأصبح كلّ واحدٍ منا يريد أن يكون وطنه لحسابه وأن يكون وطنه على صورته، لا الصورة الإنسانية، ولكن الصورة الطائفية والحزبية الفئوية ..
إننا قد نحتاج إلى أن نعيد النظر في تكويننا العقلي، ليكون لنا العقل الذي يُحلّق في الآفاق والمطلق .. ولنرتفع في مدارج السمو إلى الخالق الذي منحنا هذه العقول التي توسّع آفاقنا ومعارفنا وروحيتنا .. ويوسّع إنسانيتنا في هذا المجال كلُّه ..
إن الأمراض القاتلة التي تطال البؤساء أسلحة مدمّرة وهي من أسلحة الدمار الشامل، ولو صرف الناس عُشر ما يكلفه هذا السلاح على هؤلاء البؤساء في أفريقيا والعالم الثالث والهند وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وغيرها من المناطق التي يعيشُ فيها الكثير من الناس وضعاً مأساوياً أقل مما تعيشه الحيوانات، ولو صرفنا هذه الثروات على هؤلاء، لأصبح العالمُ في سلام وطمأنينة، فالمستضعف والبائس ليس إنساناً هامشياً.
لو درسنا المبدعين في أمريكا اللاتينية وفي أفريقيا والهند وغيرها، نجد أن هؤلاء، عندما نحلّ بعض مشاكلهم فإننا نستطيع أن نجدد العالم، ولكن المسألة تخضع للأنانية الدولية والرأسمالية التي تفكر في رخاء العالم الذي يسمونه العالم الأول والذي يُريدُ أن يأخذ رخائرهُ من دول العالم الثالث ..
الطاقة الإنسانية مسؤولية على الصعيد العلمي والفكري والسياسي والاقتصادي كلّ بحسب إمكاناته وطاقاته، أن نعمل لنعطي من طاقاتنا لمن يفقدون طاقاتهم، أن نكون عيناً للمكفوفين وأذناً للصمّ ولساناً للبكم .. لهذا نريدُ أن نعيش كل هذا الجمال من القلب والعقل والحياة، لنقف جميعاً من خلال إيماننا بهذا الجمال الإنساني لنعمل على أساس مواجهة الذين يصنعون القبح والمأساة في الجانب الإنساني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والمعرفي، وضد الذين يملأون حياتنا قبحاً يسقط الإنسان في إنسانيته ..
إن علينا أن نبعد كل التعقيدات الطائفية والمذهبية والعرقية والحزبية والشخصانية عن حياتنا.
وختم سماحته: كونوا الأحرار، لأننا أدمنا العبودية لمن يصنعون من أنفسهم سادة للمجتمع على مستوى السياسة والاجتماع. فالله خلقنا أحراراً، فلماذا نستعبدُ أنفسنا، كونوا الأحرار والمستقبليين، لأن الماضي ذهب والحاضر يكاد يفلت من أيدينا، لماذا لا نفكر أن نصنع مستقبلاً على أساس أن يكون الأفق الجديد الذي تشرق فيه الشمس في كلّ جنباته ..
تعالوا نخطط لنعرف كيف نصنع مستقبل الحرية والإنسانية، ولا تستهلكوا أنفسكم في الفراغ والعبث، لأن إنسانيتكم أمانة ينبغي حفظها لتحلّق من جديد، ليكون عالمنا العربي والإسلامية عالم التقدّم والحريّة والإنسانية والخبرة والعلم والفكر، حتّى لا نظل نرفع أصابعنا لمن لا يملكُ حتى أن تُحرّك أصابعك معه، وهو ما يدفعنا لنحترم إنسانيتنا وتحترمنا إنسانيتنا ...