07 May 2020
دور تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مواجهة فيروس كورونا : الصين نموذجا
202 مشاهدات
دور تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مواجهة فيروس كورونا : الصين نموذجا

 
منذ ظهرت التطبيقات المختلفة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والبشرية تبحث عن الكيفية التي تمكنها من الاستفادة من تلك التقنيات في تحقيق واستمرار رخاءها، والحصول على الراحة والسعادة والرفاهية من خلالها، ولم يكن أحد يتوقع أن البشرية ستكون أحوج ما تكون إليها في ظل ما ستشهده من أزمات وكوارث. أن العالم كان ولايزال يعاني من أزمات إنسانية مستمرة ناجمة عن الكوارث الطبيعية، والأوبئة التي تتعرض لها البشرية في أوقات عديدة، وهو ما يفرض علينا ضرورة أن يكون لتطبيقات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات بالإضافة إلى التطبيقات المختلف للثورة الصناعية الرابعة، دور واضح في المساعدة لإنقاذ المزيد من الأرواح وتخفيف المعاناة عن المرضى والمصابين، وتعزيز الطرق التي تتنبأ بحدوث تلك الكوارث، وتعزيز سبل ووسائل التعامل معها قبل وأثناء وبعد وقوعها، وفى هذا المعنى يقول لوكاس جوبا الذى يرأس برنامج “الذكاء الاصطناعي من أجل الأرض” في شركة مايكروسوفت: “نعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مغيرا لقواعد اللعبة في مواجهة التحديات المجتمعية الملحة وخلق مستقبل أفضل لها “.

والواقع أننا نعيش فترة استثنائية غير مسبوقة في التاريخ، إذ أصبح لدينا وبفضل التقدم التكنولوجي والتقني أدوات يمكن أن تساعد في إيجاد حلول آمنة وسريعة وحقيقية لمعالجة أكبر المشكلات وأعقدها حول العالم، وحان الوقت لجعل الذكاء الاصطناعي وتقنياته تأخذ دورا رياديا في خدمة الإنسانية وإنقاذ كوكبنا من الزوال.

فقد اندلع فيروس كورونا من بؤرة “ووهان” في وسط الصين، ليجتاح بعد عدة أسابيع العالم، بل وتحول لوباء يماثل الطاعون والجذام في العصور الوسطى، حيث أدى إلى إصابة أكثر من مليون وأربعمائة من البشر ووفاة ما يقارب 100 ألف، وانتشاره فيما يقرب من 205 دولة، وانعكس الأمر في تعليق الرحلات الجوية، وتأثر قطاع كبير مثل السياحة بغالبية الدول، وإغلاق المدارس والمصانع ومعظم أنشطة الحياة في العالم، وامتد ليغلق مدنًا كبرى على أفرادها خشية تفشي الفيروس إلى حد مرحلة انعدام السيطرة، كما فتح الباب لتوقع سيناريوهات نهاية العالم بعدما تتوقف الحياة نتيجة لانتشار ذلك الوباء، ولا سيما في غضون المرحلة الراهنة التي لم يتوصل خلالها إلى مصل يقضي على ذلك الفيروس.

وفي هذا الإطار بدأت الحكومات في توسيع مجال عملها والبحث عن تطبيقات لتقنيات الذكاء الاصطناعي في إيجاد حلول للمخاطر العديدة التي يمكن أن تقلل من انتشار عدوى الفيروس، والبحث حول إمكانية أن يؤدوا بعض أعمالهم من المنزل، كذلك الاستفادة منها في تحويل المؤسسات التعليمية مناهجها نحو العالم الافتراضي كي يتوفر لطلابها ما يحتاجونه من معلومات، حيث أشار تقرير منظمة الصحة العالمية إلى أن الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، وتوافر البيانات الضخمة، وتحليلها والاستفادة منها كانت جزءا رئيسا في تعامل الصين مع هذا الفيروس اللعين، وقد بدأت حملات مكافحة فيروس كورونا عبر برامج الذكاء الاصطناعي من خلال بناء الحكومة الصينية قاعدة بيانات ضخمة عن المواطنين في أنحاء البلاد حتى تتمكن من تعقب الأشخاص الذين سافروا في الفترة الأخيرة إلى مدينة ووهان الصينية، ومن خلال تحليل خوارزميات التتبع بدأت السلطات في فتح خطوط اتصال مع المواطنين لاتخاذ إجراءات الفحص والعزل الذاتي.

فمنذ بدء انتشار فيروس كورونا في الصين، أتاح الذكاء الاصطناعي الصيني عدة برامج لمتناول الجميع، والتي من بينها تقديم نشرة فورية على صعيد المقاطعة أو المدينة او الحي السكني وحتى الاسرة، كما تبيّن هذه البرامج عدد المصابين بالإضافة إلى حالات الاصابة المحتملة، بسبب تواجدها مع حالات مؤكدة على متن نفس الرحلات الجوية او البرية وغيرها من الأماكن. وهو ما يعزز القدرة على الجمع بين مصادر البيانات المتعددة. على سبيل المثال، يمكن للخوارزميات البحث في الأسماء من خلال تذاكر الطائرات، ومقارنة هذه المعلومات مع البيانات من مصادر أخرى، للتنبؤ بالأشخاص الذين سافروا نحو مناطق معينة.

والواقع أنه لدراسة جوانب تلك الأزمة وسبل مواجهتها، نجد أنفسنا في حاجة إلى الأمور التالية:

• الحاجة إلى التشخيص الدقيق للمصابين بالفيروس سواء من ظهرت عليهم الأعراض أم لم تظهر.
• الحاجة الشديدة إلى حصر أعداد المصابين والمتعافين من هذا الفيروس.
• الحاجة إلى توفير الرعاية للمصابين بأمان ودون تعريض من يقومون على خدمتهم للخطر، والحد من مخاطر العدوى، وحماية الأطقم الطبية ومن يعملون في القطاع الصحي والمستشفيات من خطورة انتقال الفيروس إليهم.
• الحاجة الماسة إلى توفير سبل لعلاج المصابين في ظل زيادتهم الرهيبة متمثلة في توفير عقارات وأمصال لعلاج الحالات التي تعرضت للإصابة بهذا الفيروس المميت.
• الحاجة إلى تطبيقات لتيسير الحياة والعمل في القطاعت المختلفة في ظل الحجر المنزلي وتوقف الكثير من الأعمال، والدراسة عن بعد.

وهنا يظهر السؤال الرئيس: هل تستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي أن تسهم في تلبية تلك الاحتياجات ومعالجة ما تفرضه من مشكلات بل معضلات تواجهها البشرية خلال تلك الفترة؟

والواقع أن العديد من الخبراء والمتابعين لتلك الكارثة يؤكدون على أن الذكاء الاصطناعي هو أمل البشرية في مواجهة ذلك الفيروس اللعين، وأن الصين وتايوان وكوريا الجنوبية استطاعوا من خلال بعض تطبيقات التكنولوجيا الذكية والبيانات الضخمة Big Data، التعامل الناجح مع ذلك الفيروس ومواجهته بصورة صحيحة إلى حدا ما، وذلك بالاعتماد على نظم الذكاء الاصطناعي من الروبوتات والدرونز والطابعات الثلاثية الأبعاد وإنترنت الأشياء المتصلة جميعها بالبنية التحتية للجيل الخامس للاتصالات، في محاولة منها لاكتشاف المصابين بالمرض والحد من انتشاره من ناحية، وتعقيم الشوارع والمناطق من ناحية أخرى، وتوجيه النصائح والإرشادات الطبية في حالة مخالفة التعليمات من ناحية ثالثة، وغيرها من الاستخدامات غير التقليدية التي يمكن أن تعتمد عليها الدول لمواجهة ذلك الفيروس اللعين. وعلى الرغم من اختلاف المقاربات من دولة إلى أخرى إلا أنها تعطينا حالات حقيقية وتجارب حسنة مختلفة في التعامل مع هذا الوباء، ومع الأوبئة المحتملة في المستقبل وتعطينا أيضا مداخل لمقاربة إمكانية الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في منطقتنا العربية لمواجهة الأوبئة، ويمكن أن يتم ذلك من خلال الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتلبية ذلك على النحو التالي:

أولا: بالنسبة للتشخيص فإنه يمكن الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي توفير شاشات وكاميرات حرارية ذكية تقوم بقياس درجة حرارة المرضى الموجودين في الساحات والشوارع والمحطات، وتوجيه إنذار لمن يتم رصد ارتفاع في درجة حرارته أو تظهر عليه أعراض الفيروس، وهو ما يعرف بالتشخيص الرقمي Digital diagnosis وبالتالي منعه من استخدام القطار أو الحافلة، حتى تقوم الجهات المعنية بالتعامل مع الحالة ووضعها في مستشفيات الحجر الصحي، واللجوء لاستخدام كاميرات تعمل بالأشعة فوق البنفسجية، وتكنولوجيا التعرف على الوجوه.

كما يمكن باستخدام نظام الذكاء الاصطناعي الذى طورته شركة بايدو الصينية استخدام كاميرات تعتمد على الرؤية الحاسوبية، وأجهزة استشعار بالأشعة تحت الحمراء للتنبؤ بدرجات حرارة الأشخاص في المناطق العامة، هذا النظام يمكننا من فحص ما يصل إلى 200 شخص في الدقيقة الواحدة، واكتشاف درجة حرارتهم في نطاق 0.5 درجة مئوية، حيث يشير النظام إلى أي شخص لديه درجة حرارة أعلى من 37.3 درجة، كما أنه مستخدم الآن في محطة سكة الحديد ببكين، كما يمكن الاستعانة بنظام الذكاء الاصطناعي الذى طورته شركة Alibaba الصينية والذي يمكنه الكشف عن الفيروس في التصوير المقطعي المحوسب للصدر، ووفقًا للباحثين الذين طوروا النظام فإنه يتمتع بدقة 96% في التشخيص، وقد دُرب على بيانات من 5000 حالة مصابة بالفيروس، ويمكنه إجراء الاختبار في 20 ثانية بدلاً من 15 دقيقة يستغرقها خبير بشري لتشخيص المريض.

فمن خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي يمكن توفير أدوات دقيقة لتشخيص المرض وتصنيف المخاطر بطريقة سهلة الفهم، وإجراء مزيد من الاختبارات للكشف عنه بعيدا عن تواجد العامل البشري بشكل مباشر، فجميع أشكال تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تدور حول التقليل من دور العامل البشرى واستبداله بالآلة.

وقد قامت شركة بايدو الصينية بتطوير جهاز كشف يُحمل باليد يستخدم تقنية الأشعة تحت الحمراء للتعرف على الوجه، ليعتمد عليه في محطات السكك الحديدية والمترو، وإذ اكتشف الجهاز تسجيل درجة حرارة أي شخص 37.3 درجة، يطلق النظام إنذارا.

كما طورت شركة بينغ أن للرعاية الصحية الذكية التابعة لشركة التأمين الصينية بينع أن، منصة “Ask BOB” للمحادثة، وهي منصة استشارية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتيح التواصل مع الأشخاص والإجابة على أسئلة تتعلق بحالاتهم الصحية من أجل المساعدة في تحديد إذا ما كانت تنطبق عليهم أعراض الفيروس أم لا.

ثانيا: حصر أعداد المصابين والمتعافين وتتبع انتشار الفيروس، والتنبؤ بهم مستقبلا والاستعداد لذلك
وفي هذا يمكن الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وبحوث العمليات في إعداد نماذج رياضية لتتبع تطور عدد المصابين بالفيروس في ضوء المعادلات والافتراضات المتعلقة بعدة متغيرات مثل طبيعة الفيروس وتأثره بارتفاع درجات الحرارة، الكثافة السكانية، والاختلاف في الرطوبة النسبية، ونمط الحياة المختلفة، والمناعة الجسدية المختلفة (نوع التغذية)، ودقة القياسات والفحوصات، وأسباب أخرى، السلوك المتوقع لفيروس الكورونا، في ضوء ذلك خلال الفترة المقبلة، وتوقع ما سوف يحدث والاستعداد له والتوصية بما يجب اتباعه.

إن مثل هذه النماذج والتقنيات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتوقع المرضى المصابين بفيروس كورونا المستجد الذين سيعانون مضاعفات رئوية خطير.، من شأنها أن تساعد في تمكين الأطباء من إعطاء الأولوية لعلاج بعض المرضى، خصوصاً وأن الأنظمة الصحية العالمية لبلدان عدة حول العالم قد استنفدت قدرتها الاستيعابية للمرضى.

كما يمكن استخدام بيانات الهواتف المحمولة في بناء قاعدة بيانات بالمصابين تشمل أسماءهم ومناطق إقامتهم والشركات التي يعملون بها، حتى يسهل على باقي الأشخاص معرفة المصابين، وتجنب الشركات والمناطق الموجودين بها، وكذلك في التحكم في صلاحية دخول المرضى للأماكن العامة، وذلك من خلال إنشاء بطاقة تعريف إلكترونية لكل مواطن عبارة عن QR code تحدد ما إذا كان هذا الشخص سليما ولا يعاني من أعراض الفيروس، أو أن هناك احتمالية لإصابته أو أنه مصاب.

وقد أعلنت منصة (Blue Dot) التي تعتمد في عملها على الذكاء الاصطناعي لتتتبع انتشار الأمراض المعدية في جميع أنحاء العالم، أنها تستطيع من خلال ما لديها من خوارزميات معالجة اللغات الطبيعية والتعلم الآلي للاطلاع على المعلومات من مئات المصادر، ومتابعة تقارير الأخبار بكل اللغات، وشبكات الأمراض المعدية وبيانات المناخ من الأعمار الصناعية، والإشارة المبكرة للأوبئة المعدية والتنبؤ بانتشارها، والإعلانات الرسمية لإصدار تحذيرات سابقة لتجنب المناطق المعرضة لانتشار الفيروس، من خلال القيام بتحليل وفلترة البيانات والوصول إلى استنتاجات يتحقق علماء الأوبئة أنها منطقية من وجهة نظر علمية، ثم ترسل تلك التقارير إلى الحكومات وقطاع الاعمال والصحة العامة، كل ذلك يتم من خلال عشرات الخبراء المتخصصين في مجموعة من التخصصات من ضمنها، علوم المعلومات الجغرافية والتحليلات المكانية وتصور المعلومات، وعلوم الحاسب، بالإضافة إلى خبراء في طب الامراض المعدية والطب الاستوائي والصحة العامة .

وقد استطاعت هذه المنصة وبمجرد الإعلان عن ظهور فيروس كورونا المستجد، التنبؤ بمسار وتوقيت تنقل السكان المصابين بعد ذلك، وكانت تنبؤاتهم بأن الفيروس سينتقل من ووهان إلى بانكوك وسيول وتاييه وطوكيو في الأيام التالية من ظهوره الأول، وهو ما حدث بالفعل.

لقد أثبتت جمهورية الصين الشعبية من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي، قدرة عالية على التحكم في حركة الفيروس ووجودا في كل شبر من مدنها وقراها وجاهزية قصوى للتصدي للفيروس، كما تحركت بحزم للتصدي لكورونا، وحاصرته في الوقت المناسب وبدقة عالية، وفي وسط ظروف، يصعب فيها التحكم والتعامل مع الأمراض المعدية، نظرا للتعداد السكاني الهائل، والذي يفوق المليار وأربعمائة نسمة، خاصة إذا علمنا أن الازدحام هو أحد أكبر التحديات التي يمكن أن تواجه الدول في معالجة الأزمات، ويمكن القول أن الصين قد استطاعت بالحكمة والحزم أن تتغلّب على كل تلك الصعاب.

ثالثا: الحماية من خطر العدوى والانتشار
لقد شكل انتشار عدوى الأوبئة الفيروسية معضلة كبرى للمجتمعات البشرية عبر التاريخ، وهي بأنواعها وأجيالها قضت على مجاميع بشرٍ هائلة في الحقب المختلفة، متفوقة وحدها على الحروب والاستعمار في أعداد الضحايا. وحتى وقت قريب، لم يمتلك الأفراد والمجتمعات في مواجهتها سوى قليل بائس من التعاويذ والأدعيّة والخزعبلات، والتفرق في الأرض انتظاراً لانحسار الموت.

ولذلك تعد إجراءات الحماية من خطر العدوى والانتشار من أهم الاستراتيجيات الضرورية لمواجهة مخاطر ذلك الفيروس، نظرا لسرعة انتشاره وكثرة طرق انتقاله، ومما يزيد من خطورة ذلك أن العدوى وانتقال الفيروس، يتم من انتقاله من المصابين قبل ظهور الأعراض عليهم ، وفقا لما ذكره موقع Science News، وانطلاقا من أن إحدى الطرق الرئيسية لمنع انتشار فيروس كورونا، هي تقليل الاتصال بين المرضى المصابين والأشخاص غير المصابين، لهذه الغاية بذلت العديد من الشركات والمنظمات جهودًا كبيرة لأتمتة بعض الإجراءات التي كانت تتطلب من العاملين الصحيين والأطقم الطبية التفاعل مع المرضى بشكل مباشر، مع ما يشكله ذلك من خطر محدق عليهم.

وفي هذا الإطار يمكن الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التالية:

أ- استخدام الروبوتات كبديل للإنسان في محاولات التخفيف من وطأة انتشار فيروس كورونا المستجد وكبديل مكمل للطواقم الطبية والمعاونة في المستشفيات، والاستعانة بهم في الأعمال الشاقة والخطيرة التي يجب على البشر الابتعاد عنها وتجنبها، وذلك للتطهير في أجنحة العزل ووحدات العناية المركزة، وغرف العمليات وعيادات الحمى والمستشفيات الرئيسية التي تستقبل مصابي الفيروس، ولإجراء أشكال متعددة من التطهير في البيئات التي يعيش فيها البشر والآلات الموجودة في تلك البيئات.

فإحدى المشكلات الرئيسية التي ينجم عنها اتساع دائرة انتشار هذا المرض، هي مخالطة الحالات المصابة للطواقم الطبية، وهي مشكلة حرجة وملحة، نظرًا لمحدودية عدد الطواقم الطبية اللازمة للتعامل مع هذه الحالات مقارنة بأعداد المصابين، ومن هنا كان استخدام الروبوتات الطبية لمعاونة الأطقم الطبية ومنعهم من مخالطة الحالات المصابة، حيث تقوم الروبوتات بالكشف على المرضى، وتسجيل حالاتهم الطبية ودرجة خطورتها وبياناتها الصحية مثل العمر ودرجة الحرارة والأمراض الأخرى التي تعاني منها، ثم رفع تقارير للطواقم الطبية التي تحدد نوعية العلاج والجرعة اللازمة، كما تقوم روبوتات أخرى بتوصيل العلاجات والمواد الطبية المقررة إلى المرضى، دون أن يحدث احتكاك مباشر بينهم وبين الأطقم الطبية لمنع اتساع دائرة انتشار المرض.

وقد تم استخدام تلك الروبوتات في المستشفيات والأماكن العامة وأماكن الحجر الصحي في الصين، خلال مواجهتها لتلك الأزمة، حيث تم الاستعانة بأكثر من 30 روبوت للتطهير في أجنحة العزل ووحدات العناية المركزة وغرف العمليات وعيادات الحمى في المستشفيات الرئيسية التي تستقبل مصابي الفيروس لتوفير خدمة التطهير على مدار الساعة، ولإجراء اشكال متعددة من التطهير في مخلف البيئات والاماكن التي يعيش فيها البشر وما يستخدمونه من الآلات.

كما يمكن أن تقوم الروبوتات بفحص الأشخاص والكشف عن درجات الحرارة وأعراض فيروس COVID-19 الأخرى، وتقديم الغذاء والدواء للمرضى وتعقيم غرفهم لتفادي النقص في وجود الفرق الطبية والتمريضية، وتأمينهم ضد العدوى.

ب- الاستعانة بالطائرات المسيرة بدون طيار والتي تعد إحدى تقنيات الذكاء الاصطناعي والمزودة بعدسات تصوير حراري وتعمل بالأشعة تحت الحمراء ومكبرات صوت لاكتشاف الاشخاص المصابين بارتفاع في درجة حرارة أجسامهم على مسافة معينة فضلا عن بث رسائل عن التدابير الوقائية التي ينبغي أن يتبعها المواطنين، والقيام بدوريات في القرى والطرق الحضرية للتحقق من أي سلوك قد يسهم في انتشار الفيروس، مثل عدم ارتداء الاقنعة والكمامات في الأماكن العامة والمزدحمة، ومراقبة من لا يلتزم بالتعليمات للإرشاد والتوعية، مما ساعد في تقليل خطر العدوى.

وقد لجأت السلطات الصينية إلى استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات، في إطار الإجراءات الخاصة بمكافحة انتشار النوع الجديد لفيروس “كوروناK “، حيث أن “طائرة دون طيار واحدة قادرة على حمل نحو 10 كيلوغرامات من المواد المطهرة، وتبلغ مساحة عملية التطهير الواحدة 5000 متر مربع”.، كما أطلقت السلطات الصينية طائرات مسيرة تخرج منها رسائل صوتية وتنبيهات في مختلف المناطق الريفية وفي شوارع المدن المزدحمة، كما تقدم الطائرات نصائح وطلبات وتنبيهات بضرورة وضع القناع الطبي والإسراع بالعودة إلى البيوت، وملازمة المنازل وعدم الخروج إلا في الحالات الضرورية.

ج- الاستعانة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لبناء غرف حجر صحي في وقت سريع لا يتجاوز ساعتين فقط، وهو ما يُمكّن من بناء عدد كبير من غرف العزل تستوعب جميع أعداد المصابين في زمن قياسي، كما يمكن الاستعانة بتلك التقنية في تصميم أجهزة للتنفس الاصطناعي وبدل ومسكات يرتديها – وهو ما أعلنت عنه جامعة حلوان حيث صممت وأنتجت كمامات مقاومة لعدوى كورونا دائمة الاستخدام من طرف طلاب كلية الهندسة – من تضطره الظروف لمخالطة المصابين أو المعرضين للإصابة ممن خالطوهم، كما تم الاستعانة بتلك التقنية في تصنيع “أساور إلكترونية” للتعقب، وربطها بالهاتف الذكي للشخص المعزول لمراقبة تحركاته، وضرورة التزام الأشخاص بارتداء الأساور طول فترة العزل كشرط لعدم الخضوع للحجر الصحي.

د- الاستعانة بتقنية السيارات ذاتية القيادة في تصميم سيارات إسعاف مسيرة ذاتيا لنقل المرضى والمتوفين، كذلك لتوصيل الأدوية والأطعمة إلى مستشفيات الحجر الصحي ومناطق الحجر الشامل للمدن والأحياء التي تم فيها الحجر الصحي، دون أن يحدث احتكاك مباشر بينهم وبين غيرهم من أفراد الطواقم الطبية، والتوعية بمخاطر المرض وطرق الوقاية منه وأهمية وضرورة العزل الاجتماعي والبقاء في المنازل.

نظرا لأن القدرة على التنبؤ بانتشار الوباء وأخذ الاحتياطات الوقائية اللازمة له، تعد من الأمور الأساسية لاحتوائه، فإنه يمكن الاستعانة بالبيانات الضخمة في الحد من انتشار الفيروس في التحكم في الحركة الناجمة عن الاختلاط بين الناس والتي تعد عاملا أساسيا في انتشار الأوبئة، من خلال رسم خرائط لتلك الحركة في الزمن الفعلي لحدوثها وهو أمر حاسم وضروري في تقييم مدى نجاح عملية التباعد الاجتماعي، ووضع استراتيجيات للضبط.

رابعا: تسريع إنتاج علاج وإيجاد لقاح للتحصين ضد الفيروس
إن البشرية تعيش وضعاً غير مسبوق و شديد التعقيد، منذ ما لا يقل عن قرن، لا نملك حياله حلولاً كثيرة، سوى الانكفاء والحجر في انتظار أن تثمر الجهود الإنسانية المخبرية التجريبية عن لقاح أو دواء عاجل يخفف من هذه الحيرة، وهذا يعني وجود مشكلات علمية ونفسية أيضاً، يفرضها الضغط الزمني، لأن أي تأخر ممكن أن يقود البشرية إلى الفناء والهلاك، حيث يموت يومياً ما معدله ما يقرب ألف شخص يومياً في البلدان التي انتشر فيها الفيروس، وهي في مواجهة ذلك تحتاج إلى أمرين هما: السرعة والدقة، السرعة التي لا تعني التسرع، وإنما تعني اختصار الزمن العادي وكأنه زمن حرب، والدقة، أي عدم وضع حياة الناس في الخطر، فلأول مرة تتحمل البشرية قاطبة، وليس جهة واحدة او بلد واحد ، ثقل المأساة.

تعدّ الصناعة الطبية واحدة من الصناعات التي تتمتع بأوسع آفاق التطبيق على مستوى الذكاء الاصطناعي، مثل مجال المعلوماتية الحيوية، والبحث والتطوير الدوائي من قبل شركات الأدوية، والبيانات الصحية التي يتم جمعها بواسطة المعدات الطبية، وتشخيص المرضى وتحديد العلاج؛ كل هذه المعلومات تمثل بنكا يمكن من خلاله تغذية خوارزميات التعليم العميق للحصول على تقنيات أكثر ذكاء، من أجل إيجاد حلول طبية أكثر كفاءة وأمانا، ففي الوقت الحالي يوجد الكثير من التطبيقات المستخدمة للتعلم العميق والموجودة في مجالات رؤية الحاسوب (Computer Vision)، حيث تمتلك تكنولوجيا رؤية الحاسوب فضاء واسعا للتطبيق في المجالات الطبية، و مثال على ذلك، تقنيات التعرف على الصور الطبية وتحليلها، وغيرها من التقنيات في المجالات الطبية، و مساعدة الناس على مواجهة الكوارث والأمراض المعدية والمفاجئة، مثل” فيروس كورونا الجديد”، والتصدي لها بكل قوة.

إن الحرب على فيروس كورونا لن تنتهي أو تتوقف إلا بتوفير أدوية وعقاقير جديدة، وهذا الأمر في ظل الأساليب التقليدية، يمكن أن يحتاج إلى مدة طويلة قد تصل إلى أعوام طويلة وتكلفة تبلغ مليارات الدولارات، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تسريع تلك العملية، وفى هذا الإطار أعلن مختبر DeepMind لأبحاث الذكاء الاصطناعي أنه استخدم التعلم العميق للعثور على معلومات جديدة حول بنية البروتينات المرتبطة بفيروس COVID-19، يمكن من خلاله الوصول إلى أدلة مهمة لصياغة لقاح فعال من خلال فهم تركيب البروتين ـ ويعتبر مختبر DeepMind واحدا من العديد من المنظمات التي تشارك في السباق لإيجاد لقاح فعال لفيروس كورونا.

وقد استخدم الباحثون الحاسب العملاق التابع للشركة المُعروف باسم سومت Summit))، لفحص 8 آلاف مركب هي أكثر احتمالًا أن ترتبط بالبروتين الرئيسي في فيروس كورونا، وتجعله غير قادر على الالتصاق بالخلايا المضيفة في جسم الانسان، وقد حددوا 77 مركبًا يمكن الآن اختبارها تجريبيًا بهدف تطوير لقاح فعال للفيروس.

والواقع أننا في حاجة إلى الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي من خلال المتخصصين في علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي لمعرفة مصدر الفيروس ثم التعرف عليه ثم عزله ثم زراعته لتحضير سلالة منه، وتحليل التركيب الجيني له، وإجراء دراسات لتحضير مواد التشخيص، وإجراء اختبارات على مواد كأدوية، لتحضير مصل ولقاح، وإجراء دراسات على تركيب البروتين الدقيق، ثم دراسة التغيرات البيولوجية جراء العدوى، بالتعاون مع باحثين ومتخصصين في العلوم الأساسية والطبية والهندسية والزراعية والصيدلانية.

خامسا: توفير تقنيات وتطبيقات للمساعدة في العمل والتعلم بالمنزل عن بعد
مع انتشار فيروس كورونا وإعلانه من طرف منظمة الصحة العالمية “وباءً عالمياً”، طلبت الكثير من الحكومات من بعض موظفيها التقليل من تواجدهم في أماكن عملهم، واتخاذ العديد من الاجراءات التنظيمية لتحقيق ذلك كان من بينها تقليل عدد أيام التواجد في العمل ومنح الجزاءات لبعض الفئات منهم، والدعوة إلى العمل من المنزل وغيرها.. وعلى الرغم من أن البعض يأخذه بـ “استخفاف” أو لا مبالاة أو على سبيل الكسل وانعدام المسؤولية، إلا أن الكثيرين ومن بينهم منظمة العمل الدولية، إضافة إلى أستراليا وعدد من الدول في جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية، يرون أن العمل من المنزل”، أصبح ثقافة أو أمراً مألوفاً لدى كثير من الشعوب، وذلك في ضوء تطوّر تكنولوجيا المعلومات، وتسارع أعداد المتصلين بالشبكة العنكبوتية ومستخدميها، لأسباب مهنية لا ترفيهية فقط.

فتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة “أحدثت ثورة في العمل والحياة اليومية في القرن الـ 21″، إضافة إلى “تسهيل الاتصالات بين المعارف والأصدقاء من دون شرط الانتقال الفعلي”، وبات من الممكن تيسير مفهوم “العمل بأجر من دون شرط التزام أماكن العمل التقليدية”، فالأعمال التي يمكن إنجازها عبر شبكة الإنترنت والقابلة للتنفيذ في أي وقت من دون شرط التقيد بوقت محدد “أصبحت أوسع انتشاراً”.

وجاءت “كورونا” لتحدث تعديلات جذرية على سُبل ومفاهيم العمل بسرعة رهيبة وعلى مستويات غير مسبوقة في كل دول العالم بدرجات متفاوتة، الأمر الذي أوجب على كثيرين ضرورة البحث عن “متطلبات العمل من البيت”، لتهيئة أنفسهم، بعد أن أصبح الأمر مفروضا عليهم، حيث بدأ الآلاف من الموظفين والعمال حول العالم بالعمل من منازلهم للمرة الأولى هذا الأسبوع بسبب تفشي ذلك الفيروس.

وفى هذا الإطار يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي تقديم برمجيات ومنصات وبرامج تدريبية للتمكين وتوفير بعض المتطلبات للنجاح في ذلك سواء تعلق الأمر بالإنتاج أو التسويق الإلكتروني، إضافة إلى التطبيقات المتاحة والتي من بينها تطبيق RescueTime: – تطبيق Trello: وغيرها. أما بالنسبة للتعليم فإنه في ظل إغلاق المدارس والجامعات تجنبا لانتشار الفيروس بين أفرادها، وفي ظل هذا العالم المنكوب بفيروس كورونا، سعت الحكومات إلى توفير التعليم والتعلم لأبنائها في ظل بقاء الطلاب في منازلهم بعيدا عن المدارس والجامعات يتعلمون فيها عن بعد.

إن الذكاء الاصطناعي من خلال تقنياته المختلفة يمكن أن يوفر البرمجيات التي يمكن أن تساعد في ترقية برمجيات ومنصات للتعليم عن بعد، بما يجعلها أكثر فاعلية في تقديم تعليم يتسم بالفاعلية، ويوفر مزيدا من الفرص للتفاعل بين المعلم وطلابه، واستخدام المعامل والتقنيات الافتراضية لتدريس التدريبات العملية إضافة إلى تقنيات الامتحانات الإلكترونية وبرمجياتها وبنوك الأسئلة والمتابعة المستمرة لنتائجهم ونتائج تقييمهم، وتقديم أنماط من التعليم والتعلم التكيفي الذي يتناسب مع طبيعة وقدرات كل متعلم.

إننا في ظل ما نشهده من هذا الانتشار الرهيب لهذا الفيروس اللعين وضخامة ضحاياه من المتوفين والمصابين، مع صعوبة وضبابية التنبؤ بما سيحدث في المستقبل، وفي ضوء تجارب الدول التي استطاعت أن تواجه ذلك الفيروس وتسيطر عليه، ومن أبرزها تلك الدول الصين، فإن الأمر يتطلب ضرورة الاستفادة من التقنيات العديدة إلى يوفرها الذكاء الاصطناعي لمواجهة ذلك الفيروس الذي يهدد بقاء الكون الذي نعيش فيه، وتشجيع البحوث والدراسات في مجال الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته لإنتاج برمجيات وخوارزميات تطبيقية يمكن أن تكون مفيدة في هذا المجال، كما أن البشرية في حاجة إلى الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في اتخاذ خطوات استباقية في مواجهة الفيروسات، ومنحهم القدرة على تطوير لقاحات للفيروسات قبل ظهورها اعتمادًا على الطفرات المتوقعة في الحمض النووي لذلك الفيروس وغيره من الفيروسات الحالية والمتوقعة، ومن خلال مجموعة من الإجراءات العلمية التي لابد أن تتم بسرعة فائقة وبتعاون وبتنسيق مؤسسي جاهز للعمل وفي معامل مهيئة لإجراء هذه التجارب.
 
المصدر: موقع تعليم جديد

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل