27 Aug 2019
التعلم والذاكرة
التعلم والذاكرة

 
ترتبط المعرفة ارتباطا عميقا بالذاكرة، فحسب الفلسفة الإغريقيّة ”المعرفة تذكّر و الجهل نسيان“ أي أنّ تحقق ّالمعرفة مرتهن بتذكّر ما سبق تخزينه في النّفس خلال الوجود السابق في عالم المثل.

بينما تؤكد العلوم الحديثة أن التعلّم يتحقق بفضل إدراك المعلومات و تسجيلها (Baddely ، 1993)، و ذلك عبر انتقال المعلومة من الذاكرة القصيرة المدى و ذاكرة العمل إلى الذاكرة البعيدة حيث يتمّ التفاعل بين بنية الذاكرة و آليّات اشتغالها.

1- الذّاكرة أصنافها و دورها في عمليّة التعلّم:
رغم هذه العلاقة العميقة بين الذاكرة و التعلّم، إلا أنه لا يجب الخلط بين المفهومين:
• فلئن كانت الذّاكرة تقتصر على القدرة على استرجاع تجارب سابقة. • فإنّ التعلّم يمثّل سيرورة معرفيّة ترتكز في جانب هام منها على استدعاء معطيات سابقة و إجراء التعديلات الضروريّة بهدف بناء معرفة جديدة أي أنّه جهاز منظّم للمعارف (Dore و Mercier ، 1992 ). لذلك يكون التعلّم في حاجة إلى العودة إلى ذكريات مخزّنة و هذه الذكريات يمكن أن تكون حديثة تمتدّ على جزء من الثانية أو أقدم من ذلك.

من هذا المنطلق يمكن أن نصنّف الذاكرة إلى:
• ذاكرة قصيرة المدى.
• ذاكرة بعيدة المدى.

2- بنية الذاكرة القصيرة المدى و آليّات اشتغالها:
إنّ القيام ببعض الأنشطة الذّهنيّة يتطلّب التخزين المؤقت لبعض المعطيات في الذّاكرة القصيرة المدى باعتبارها حيّزا للاحتفاظ بمعلومات متوفّرة بهدف الاستعمال اللّحظي كأنشطة الحساب الذّهني و فهم اللّغة و تحليل الرموز اللّسانيّة.
فهي إذن بنية للعبور تتميّز بمحدوديّة قدرتها على التّخزين و قصر فترة الاحتفاظ بالمعلومة إذ لا يتجاوز ذلك بعض الثواني. إلاّ إذا تدخّلت آليّات دعم الاحتفاظ مثل التكرار الذّهني. (Dore و Mercier ، 1992)

3- بنية ذاكرة العمل:
تشترك ذاكرة العمل مع الذاكرة القصيرة المدى في الاحتفاظ بالمعلومة لوقت قصير، لكن ذاكرة العمل تتميّز ببعد وظيفيّ إجرائيّ من خلال الجمع بين نشاط التخزين و المعالجة في نفس الوقت.
تتمظهر في تنسيق مجموعة من السلوكيّات يقوم بها الفرد في نفس الوقت كقيادة السيّارة و المشاركة في حوار أو الاحتفاظ بمسار نشاط معيّن كاستئناف الحديث بعد الانقطاع لبعض الثواني.

تشتمل ذاكرة العمل على:
– مراقب مركزي contrôleur central: يتولّى مهمّة التنسيق بين عميّات المعالجة الحينيّة للمعلومات و تخزينها و هو المسؤول عن التفاعل مع الذاكرة البعيدة المدى.
– حلقة تلفظيّة boucle articulatoire: تعالج المعلومات بشكل لفظي من خلال تكرارها و ترميزها الفونولوجي.
– مذكّرة بصريّة مكانيّة Agenda visuo- special: تسمح بتخزين المعلومات البصريّة المكانيّة من خلال الاحتفاظ النّشيط بالمشيرات البصريّة والسّمعيّة.

4- بنية الذاكرة البعيدة المدى:
تعتبر عمليات الترميز وسيطا بين المحيط و العالم الذّهني و هي كذلك مدخل للذاكرة.

5- استراتيجيّات التعلّم
أ‌- التسجيل الحسّي:
تخزين المعطيات التي يقع استقبالها في حيّز الذّاكرة الحسيّة لفترة زمنيّة قصيرة و لكنّ جزءا منها فقط يدخل دائرة الانتباه.

ب‌- الترميز:
تحويل المعطيات الحسيّة إلى تمثيلات ذهنيّة.لذلك تعتبر عمليات الترميز وسيطا بين المحيط و العالم الذّهني و هي كذلك مدخل للذاكرة.

6- استراتيجيّات التعلّم:
أ-التسجيل الحسّي:
تخزين المعطيات التي يقع استقبالها في حيّز الذّاكرة الحسيّة لفترة زمنيّة قصيرة و لكنّ جزءا منها فقط يدخل دائرة الانتباه.

ت‌- الترميز:
تحويل المعطيات الحسيّة إلى تمثيلات ذهنيّة. لذلك تعتبر عمليات الترميز وسيطا بين المحيط و العالم الذّهني و هي كذلك مدخل للذاكرة.

ج -الاحتفاظ:
إذا ا كان الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة البعيدة المدى يدوم سنوات، فإنّ ذلك لا يتواصل إلا بعض الثواني في الذاكرة القصيرة. وهو ما يستدعي تدخّل جملة من الآليّات الذهنيّة الدّاعمة على غرار آليّة التكرار الذّهني.

د- التكرار الذّهني:
يمثل التكرار الذّهني أهمّ آليّة لتثبيت المعطيات داخل الذاكرة القصيرة المدى والحفاظ عليها قبل تلاشيها. و هو عبارة عن خطاب داخليّ يوظّف لتنشيط المعلومات بانتظار خضوعها للترميز وانتقالها إلى الذاكرة الطويلة المدى.

7- عوائق الاحتفاظ:
تفسّر ظاهرة النسيان بعاملين أساسيين:
أ‌- التلاشي estompage
تبدأ المعلومة المخزنة في الذاكرة القصيرة المدى بالتلاشي والاندثار بمجرّد تكوّنها. لذلك تحتاج الى التكرار الذهني لتظل مفعّلة بشكل متواصل مما يؤخّر النسيان.

ب‌- التداخل interference
تحدث عمليّة التداخل حين تتراكم مجموعة من المعطيات في حيز الذاكرة القصيرة بسبب تلقيها بشكل سريع أو متزامن. و لا يستطيع التكرار الذّهني الحفاظ على سلامة هذه المعطيات.

8- مدعّمات الاحتفاظ:
من أهمّ مدعمات الاحتفاظ إدراك المتعلّم لأهميّة التكرار الذّهني، وحصوله على تغذية راجعة ملائمة. علاوة على عامل التقدير الشخصي للذات واستثمار المعارف السابقة لدعم الاحتفاظ بالمعارف الجديدة والحرص على تنظيم المعلومات وفقا لأنماط تخزينيّة مبسّطة لتيسير عمليّة الاسترجاع و بالتالي التوظيف و التعلّم.

خاتمة:
نخلص من خلال ما سبق إلى أنّ الذّاكرة بأنواعها: ذاكرة العمل أو الذاكرة القصيرة المدى، و الذاكرة البعيدة المدى تتدخّل بشكل أساسي في عمليّة التعلّم.
و هذا ما يستدعي البحث في عوائق اشتغالها بشكّل فعّال وملائم لسياقات التعلّم و يستدعي النّظر في ما يمكن أن يدعّمها و يعزّز فعاليتها من ناحية و ينفتح بنا على مبحث صعوبات التّعلّم. ذلك أنّ صعوبات الاحتفاظ قد لا تعكس مجرّد ضرورة تفرضها طبيعة الذاكرة أو ”الاكراهات البيداغوجيّة“ المرتبطة بها بل قد تشخّص مظهرا هاما من مظاهر الصعوبات التعليميّة.

المصدر: موقع تعليم جديد

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل