24 Oct 2018
حين تطلب لطفلك الذكاء إحذَر الشاشات ومدارس «الشُطّار»
حين تطلب لطفلك الذكاء إحذَر الشاشات ومدارس «الشُطّار»

 
هل طفلك ذكي ونابغة وذكاؤه أكبر من عمره؟ حسناً: الكُل يتحدث عن أطفاله بتلك الطريقة! إذاً، إليك السؤال بطريقة أكثر واقعيّة: هل تريد أن يصبح طفلك أكثر ذكاءً مما هو عليه؟ ربما طالعتك على الإنترنت أو على لوحات الطرق إعلانات عن مدارس بإمكانها أن تجعل من طفلك عبقريّاً متألّقاً ككبار المكتشفين والمخترعين والمبتكرين. لعلك أيضاً رأيت على «يوتيوب» أو ربما شاهدت على شاشة أجنبية أو عربيّة، أطفالاً يبهرون من يشاهدهم بذكاء متفوّق كطفلة تحفظ أسماء عواصم العالم قبل أن تجيد نطق الكلمات، أو تلميذ في مرحلة ابتدائية لا تفارق يداه المِعداد الصيني [«آبايكوس» Abacus] ويُجري ذهنيّاً عمليات حسابيّة معقدة فكأنه آلة إلكترونيّة حاسبة. هل طاف في خيالك أثناء تلك المشاهدات، أن يغدو طفلك واحداً من أولئك المتألقين؟ تمهّل قليلاً. الأرجح أن الموضوع ليس بالسهولة التي يبدو عليها. قبل كل شيء، هناك ظاهرة الموهوبين Prodigy والمُبكرين في تطوّر قدراتهم العقليّة Precus، وضرورة رعايتهم. وبديهي القول إنها مسألة متشابكة تقتضي جهوداً كبيرة من الأهل والحكومات والمؤسسات التعليمية والمجتمعات المدنية والمنظمات المختصة وغيرها. ويحتاج ذلك الأمر إلى نقاشات واسعة ومتشعّبة. 
 
لكن هناك همستين لأذنك مباشرة، ولك أن تستعملهما أو تهملهما وفق ما تختار، لكن هل يضرّك أن تسمعهما؟ 
الهمسة الأولى: إذا رأيت إعلاناً عن مدرسة بإمكانها أن تجعل طفلك العادي الذكاء، عبقرياً متألّقاً يشع عقله بالنبوغ، فما عليك سوى التروّي، والاستماع إلى تفاصيل يرجح أن الإعلانات الزاهية عن تلك المدارس لا تنقلها إليك! 
 
وترد معطيات عن تلك التفاصيل المثيرة بعد سطور، لكن بعد الانتهاء من تفاصيل الهمسة الثانية التي تطلب منك أن تكون صريحاً وواقعياً في النظر إلى طفلك ومدى ذكائه، قبل أن تتخذ إجراءً مهماً. 
 
إذن، هل لديك فعلياً طفل ذكي ومتفوّق ويلمح مدرّسوه ذكاءه في المدرسة، ويتحدث الأقارب والأصدقاء عن نباهته خارج المدرسة أيضاً؟ إليك الهمسة الثانية: أبعده قدر المستطاع عن الشاشات الإلكترونيّة خصوصاً الأجهزة المحمولة كالخليوي والتابلت والـ «لاب توب» وغيرها. 
 
النوم بوصفه «إعادة إقلاع»! 
لم يعد الخبراء في الولايات المتحدة يتردّدون في إعطاء تلك النصيحة، استناداً إلى سيل من الدراسات عن التأثير السلبي للشاشات الإلكترونيّة على القدرات المعرفيّة والإدراكيّة للأطفال. وصاروا يشدّدون على ضرورة خفض الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشات إلى أقل من ساعتين يوميّاً. وإضافة إلى ذلك، يجب تشجيع الطفل على الحركة وأن ينال وقتاً كافياً من النوم، مع إشارة خاصة إلى تقاطر دراسات الطب العقلي- العصبي التي تثبت أن الوقت الطويل أمام الشاشات يترجم نفسه باضطراب النوم عند الأطفال. واستطراداً، لا شيء أكثر اتّصالاً بالأداء العقلي للدماغ من النوم. وعلى عكس صورته كحال من الخمول والخمود، يعرف أطباء الدماغ والأعصاب، أن النوم هو من المراحل التي يكون فيها المخ في حال من النشاط المرتفع. وأثبتت غير دراسة أن النوم أيضاً يعمل على «إعادة ترتيب» أوضاع الدماغ، كي يعمل على الصورة الفضلى في الصباح التالي. بقول آخر، يشبه النوم للدماغ عمليتي «إعادة الإقلاع» Reboot و «تهيئة الإعدادت» Prepare Settings في الكومبيوتر، مع التذكير بأن دماغ البشر أشد تعقيداً بما لا يقاس من أكثر الحواسيب تطوّراً حتى الآن! 
 
وفي ذلك السياق، تمثّل الدراسة الموسعة التي نشرتها المجلة العلميّة المرجعيّة «ذي لانست- تشايلد أند أدولوسانت هيلث» The Lancet Child & Adolescent Health وهي المختصة بصحة الأطفال والمراهقين، أحدث المعطيات الطبيّة عن التأثير السلبي للشاشات على ذكاء الأطفال ونمو قدراتهم العقليّة. 
 
وشملت الدراسة 4500 طفل أميركي تراوحت أعمارهم بين 8 و11 سنة، وجرى قياس قدراتهم المعرفيّة والإدراكيّة على مؤشر عالمي مرجعي. ووجدت الدراسة أنّ 51 في المئة من الأطفال يحصل على الساعات الصحيحة في النوم [ما بين 9 و11 ساعة ليلاً]، و37 في المئة منهم يلتزمون قضاء ساعتين يومياً أمام الشاشات كلها، و18 في المئة ينخرط في نشاطات حركيّة لساعة يومياً! الأسوأ أن من التزم بتلك المؤشرات الثلاثة، لم يتعد 5 في المئة. 
 
«هل تنتج الإنترنت أغبياء؟» 
في تلك الدراسة عينها، ظهر معطى آخر، إذ تحسّنت القدرات العقليّة للطفل عند التزامه واحداً من تلك المؤشرات الثلاثة أو أكثر، خصوصاً التركيز والانتباه واللغة والقدرة على التعامل مع المعلومات والأرقام. وفي نقطة مهمة تماماً، ثبت أن الأطفال الذين التزموا «ثلاثيّة» [النوم لوقت كاف، وساعتين حداً أقصى أمام الشاشات كلها، ورياضة وحركة جسديّة لساعة يومياً]، تألّق ذكاؤهم وارتفع ليسجل مستويات أداء تلامس التفوّق والعبقرية. 
 
وقبل بضع سنوات، كانت الإشارة إلى التأثير السلبي للشاشات الإلكترونيّة على ذكاء الأجيال الصاعدة، تعتبر شيئاً غير مألوف. وهناك مثل معبّر عن ذلك في النقاش المستهجن الذي استقبل كتاب الباحث الفرنسي نيكولاس كار وعنوانه «هل تنتج الإنترنت جيلاً غبيّاً؟»، وكانت الفكرة الأساس في الكتاب هي تناول التأثير السلبي للإنترنت على عادات اكتساب المعرفة لدى الأجيال المختلفة، خصوصاً الشباب والمراهقين والأطفال الذين يكبرون في ظل عصر تغلّفه الشبكات الرقميّة.
 
هل كانت الكلمات السابقة كافية للتنبيه إلى الخطر غير المتوقع الذي تمثّله الشاشات الذكيّة على ذكاء مستخدميها من الأطفال؟ بديهي أن يرى البعض في مشهد الشاشة الرقميّة التي «تخطف» جزءاً من ذكاء مستعملها البشري، نوعاً من التنافس (بالأحرى التناحر والصراع على البقاء، بمفهوم البيولوجيا التطوّرية)، بين الإلكتروني والإنساني، وهو أمر يشبه الحديث عن التنافس القاتم الآفاق بين البشر والروبوت. 
 
إذن، لعل الكلمات تصل إلى الهمسة الأولى بشأن المدارس التي تعطي وعوداً بجعل الطفل المنتسب إليها عبقرياً فذّاً لا يضارع! 
 
قبل التوغل في تفاصيلها، ربما يفيد التذكير بشاشة اخرى، هي: السينما التي لا تكل ولا تمل من عرض أشرطة عن العبقرية والنبوغ غير العادي والذكاء الذي يفوق الخيال. وفي العام 2014، انتجت مصانع الخيال السينمائي في هوليوود فيلم «من دون حدود» Limitless: من الذكاء الخارق المتجاوز كل الحدود، جرى اشتقاق عنوان ذلك الفيلم الهوليوودي (إخراج: نيل برغر، بطولة: برادلي كوبر وروبرت دي نيرو)، الذي حقّق أرقاماً كبيرة على شبابيك التذاكر أميركيّاً وعالميّاً. 
 
ومن المستطاع عرض قصّة الفيلم بكلمات قليلة. ثمّة كاتب فاشل، وموظف غير كفوء، ورجل يفشل في استمالة أي أنثى. يطرد من عمله. تهجره حبيبته. وبالصدفة يتعرّف إلى عالِم يجري تجارب من نوع خاص. يقنع العالِم ذلك الشخص الفاشل بأن يتناول دواءً مازال قيد التجربة، بدعوى قدرة ذلك العقار على تحفيز الدماغ إلى الحدّ الأقصى، ما يعنى استغلال مئات بلايين التوصيلات العصبية الذكيّة في الدماغ. ويشرح العالِم أن البشر، حتى الأشد ذكاءً من آينشتاين، لا يستخدمون سوى جزء يسير من تلك البلايين الذكيّة، وأن تفجير طاقة الدماغ كاملة يجعل الإنسان أكثر تفوّقاً من أشد الكومبيوترات الخارقة قوة وسرعة. يقتنع الفاشل بتناول دواء الذكاء الخارق. تتحقّق المعجزة. فجأة، يصبح الفاشل سابقاً إنساناً بدماغ خارق الذكاء، يستطيع التفوّق على البشر والكومبيوترات كلّها. ويتمدّد من كان صفراً ليصبح لامتناهياً، لأنه امتلك ذكاء خارقاً. 
 
لم يكن ذلك الفيلم سوى حلقة ضمن سلسلة ضخمة من الأشرطة السينمائية عن الذكاء المتفوّق وقدرة العلم على التحكّم بالمعطيات الفكريّة والسلوكية والعاطفية للإنسان. الأرجح أنها سلسلة ابتدأت بشريط «دكتور جيكل ومستر هايد» (عن رواية خيال علمي مشهورة للكاتب روبرت لويس ستيفنسون) في ثلاثينات القرن الماضي، ولم تنته بعد. 
 
الحياة
 

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل