03 Oct 2016
التعلم الموجَّه ذاتياً بديل للتعلم التقليدي
التعلم الموجَّه ذاتياً بديل للتعلم التقليدي

 
في الآونة الأخيرة ازداد الجدل في الوطن العربي حول ما يُعرف بالتعلم الموجه ذاتياً (Self Directed Learning)، وكثرت التساؤلات حول إمكانية تطبيقه أو استخدامه بديلاً أو مكملاً للتعليم التقليدي. والتعلُم الموجه ذاتياً وفقاً للتعريف الذي وضعه "مالكوم نويلز" في سبعينيات القرن الماضي، هو ذلك الذي يأخذ فيه الفرد زمام المبادرة بمساعدة أو دون مساعدة من الآخرين، من أجل تحديد احتياجاته التعليمية، وصياغة أهداف التعلم، وتحديد الموارد البشرية والمادية اللازمة من أجل التعلم، واختيار وتنفيذ استراتيجيات التعلم المناسبة، وتقييم نتائج التعلم. 
 
إذاً، مفهوم التعلم الذاتي، ليس حديثاً، فإن عمره قرابة نصف القرن، ولكنه ظهر بقوة في الآونة الأخيرة لأسباب عديدة، منها الحالة العامة من عدم الرضا عن الوضع التعليمي الحالي؛ سواء بسبب ارتفاع كلفة التعليم في المدارس الباهظة التكاليف ارتفاعاً غير متسق مع مستوى المنتج؛ وهو الطالب، أو على الجانب الآخر عجز المدارس منخفضة التكاليف عن أن تقدم منتجاً متميزاً في ظل إمكاناتها المحدودة، أو على الجانب الأعم أن التعليم السائد يشبه مصنعاً للتعليب والتغليف حيث ينتج منتجات متشابهة بشكل ميكانيكي، ولعلنا لذلك نكرر استخدام كلمة "منتج" لأن الوضع الحالي أقرب ما يكون فعلا لخط الإنتاج. وهذا يحدث في عصر شديد التعقيد، يجعل لهذه المنتجات المعلبة مكانا بائسا في حياة استهلاكية روتينية بلا معنى، مما دفع المهتمين بالتعليم إلى إعادة تحرير معنى التعليم نفسه، والتنقيب عن نظريات أو آليات تنفخ فيه الروح من جديد. 
 
التعلم الموجه ذاتيا قائم على منهجية مختلفة تماما، ترتكز على ركنين أساسيين: 
 
أولا: الطالب هو الذي يختار بناء على رغبته ومواهبه 
 
فالطالب يختار كل شيء، ليس المنهج الذي سيدرسه فقط، ولكن أيضا الأسلوب الذي سيدرسه به. وكما يقول بعض المهتمين بهذا النوع من التعليم: الطالب هو من يختار رحلته كاملةً، فهو الذي يحدد إلى أين يريد أن يصل في النهاية، وما وسيلة المواصلات التي سيستخدمها، وما المحطات التي سيمر عليها في طريقه، وما الوقت الذي سيقضيه في كل محطة. 
 
وهذا الاختيار – كما ذكرنا – يستند على رغبة الطالب ومواهبه، ففي بعض مراكز التعليم الموجه ذاتيا، هناك لقاء في بداية الأسبوع مع الطلبة، يقوم فيها الميسر باقتراح بعض الأهداف والوسائل (كتب – أفلام – رحلات – مشروعات..)، ليقوم الطفل – من بين هذه الأهداف والوسائل – باختيار ما يناسب رغبته وموهبته، ثم يتم وضع العناصر التي تم الاتفاق عليها على السبورة في شكل خطة أسبوعية، ليتم الالتزام بها. ثم مع بداية كل يوم دراسي خلال الأسبوع، يعرض كل طالب خطته أو نواياه التعليمية لهذا اليوم، ثم في نهاية اليوم يعرض ما أنجزه. ثم هناك على التوازي - مع ذلك - مساحات إلكترونية وغير إلكترونية للتوثيق والتواصل والتقييم. 
 
وبناء على هذا النموذج لا يُجبر الطفل على اختيار شيء، وبالتالي فإنه يكون متحمساً للتعلم لأنه هو الذي اختار، ولأن هذه الاختيارات نابعة مما يناسبه هو، وكأنها قد تم تصميمها خصيصا له كالثوب الجميل. 
 
ثانيا: بيئة تدعم الثقة في قدرة الطالب على الاختيار وتحمل المسؤولية 
 
وهذا النموذج يرتكز تماما على "الثقة" في أن الطفل قادر على اختيار ما يناسبه، وهذا لا يعني عدم توجيهه أو إرشاده، بل على العكس فهذا دور أساسي للميسر، ولكن تظل الكلمة الأخيرة للطفل.. 
 
وقد تكون اختيارات الطفل غير موفقة أو غير مناسبة أو غير ناضجة، فتُتاح له المساحة للتقييم الذاتي والتصحيح الذاتي للمسار، استنادا إلى أن سلبيات تحمل الطفل لهذه المسؤولية مع احتمالية الخطأ وتصحيح المسار هي أفضل ألف مرة من سلبيات عدم تحمله للمسؤولية وانصياعه لما يختاره الآخرون بما لا يناسب رغباته وإمكانياته. عندما يتحمل الطفل المسئولية تكون قدرته على الالتزام والفهم والتطبيق والإبداع أفضل بشكل يؤثر على مستقبله وشخصيته بشكل عظيم. 
 
ويتضح مما سبق أن التعلم الموجه ذاتياً لا يعني أن الطالب يقوم به بمفرده، أو معزولا عن العالم، بل هو يتم بشكل جماعي في العديد من المراكز والمدارس حول العالم التي قررت أن تتبع هذه المنهجية. ولقد بدأت تنشأ في الآونة الأخيرة ما يُعرف "بمجتمعات التعلم الموجه ذاتياً" (Self- directed education communities) ، وهي مجتمعات لا تشمل الطلبة أو الميسرين فقط، بل أيضاً الآباء والأمهات والمهتمين من البيئة المحيطة، بل وتتيح لهم فرصة المشاركة بالاقتراحات والموارد والأفكار. 
 
وربما نتعجب إذا علمنا أن تلك النماذج ليست منتشرة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا فحسب، بل هي منتشرة في بعض الدول النامية – كالهند على سبيل المثال – حيث بدأت تجارب كثيرة منذ ثمانينيات القرن الماضي مما أتاح الفرصة لاكتمال الدائرة وتقييم تلك الأجيال التي عاشت التجربة، ورصد النجاح الذي تم تحقيقه على المستوى المهني والإنساني لهؤلاء الأطفال الذين أصبحوا كباراً ناجحين. 
 
ربما تخطر بعض الأسئلة الآن في عقل بعض الآباء أو الأمهات أو المهتمين.. مثل: 
 
هذا الأسلوب في التعليم مضمون النتائج؟ وهل هو أسلوب "سائل" بلا بناء صلب يستند عليه؟ وأين أجد أقرب مركز أو مدرسة لتعليم ابني بهذه الطريقة؟ ما هي مواصفات الأب الذي يختار لابنه مثل هذا النوع من التعليم؟ 
 
والإجابات هي: 
 
ليس هناك أسلوب سحري مضمون للتعليم، ولكنها اجتهادات سجلت صوراً من النجاح تحاول أن تكسر شكل التعليم المعلب إلى نموذج آخر أكثر براحًا وأكثر اتساقاً مع رغبات الطفل وقدراته. وهو ليس أسلوباً "سائلا"، بل هو يعتمد على بناء ومنهجية وميسرين وخطط، ولكن هذا البناء يرتكز على اختيار الطالب ويجعل منه قائداً لمستقبله مع بعض التوجيه من الكبار. 
 
ومراكز ومدارس التعليم الذاتية ليست موجودة في كل الدول العربية، وبالتالي فعليك أن تبحث من خلال الإنترنت بالكلمات المفتاحية لتعرف إن كانت تلك المراكز قد وصلت لبلدك أم لا. والآباء الذين يختارون لابنهم أو ابنتهم مثل هذا النوع من التعليم، لابد أن تتوفر فيهم صفتان أساسيتان: أولاً، الاستعداد لخوض رحلة جديدة ومختلفة وليس الالتصاق بالمسار التقليدي المعروف، وثانياً: الاستعداد لمنح الثقة لأبنائهم وإعطائهم قدراً من الحرية والمسؤولية تحت توجيه غير متسلط. 
 
وتظل المحاولات مستمرة، ويظل الأمل موجوداً في الوصول لصورة أفضل للتعليم تخلق إنسانًا حقيقياً متوازناً مسؤولاً. 
 
العربي الجديد 20 أيلول 2016
 

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل