16 Sep 2016
خيط العنف يجمع الشغف والقتل الرمزي
خيط العنف يجمع الشغف والقتل الرمزي

 
من أين يأتي ذلك العنف كلّه الذي ظهر على لسان الروبوت «صوفيا» في كلمات تفيض قتلاً: «حسناً. سأدمر البشر». هل هو خطأ كوارثي في صيغ المعادلات الرياضيّة في برامج الروبوت؟ في تلك الحال، يكون الأمر خطيراً تماماً لأنه يهدّد بإمكان أن تنفلت تلك الآلات في لحظة ما فتبيد الجنس البشري! 
 
إذا لم يكن الأمر كذلك، فهل هناك عنف «انتقل» بطريقة ما من الإنسان صانع تلك الآلة، إلى الروبوت الذي يجهد الإنسان في جعله شديد الشبه به، بل التماهي معه؟ إذاً، يردّ النقاش عن العنف في الروبوت إلى نقاش عن مكامن العنف في الإنسان نفسه. نافلاً القول بأن عنف البشر كان دوماً موضع سؤال ونقاش، ومن المستطاع مراكمة أهرامات من النقاش عن ذلك الأمر. 
 
إذاً، من الممكن الاكتفاء بالنزر اليسير من الأمثلة عن ذلك السيل الطامي. في النصوص الدينيّة، يظهر الإنسان دوماً كأن العنف والقتل جزء أصيل من طبيعة البشر، وأن الدين هو الحاجز الأساسي الذي يمنع انفلات عنف البشر ضد بعضهم بعضاً. وهناك جريمة قتل قايين أخيه هابيل، وهي جريمة مجمع على كونها أولى في سجل البشر. وفي أزمنة ليست بعيدة، وضع عالم الاجتماع الفرنسي إريك فروم (1900 - 1980)، وهو من مؤسّسي «مدرسة فرانكفورت» المتّصلة بالنظريّة النقديّة Critical Theory، كتابه الشهير «شغف التدمير» La Passion de Detruire. وانتقد فروم نظرية سيغموند فرويد عن العنف بأنه ناجم عن الصراع المتأصّل بين الحياة والموت في الكائن الحي. 
 
ولاحظ فروم أن تلك الفكرة لم تظهر إلا متأخّراً لدى فرويد الذي كان في البداية يرجع العنف إلى صراع بين الشهوة وقمعها. وتبنّى فروم تفسيراً آخر للعنف يجعله متأتيّاً من الصراع بين المادة الحيّة للكائن البشري، وبين المادة الميتة التي يؤول إليها الميت. بقول آخر، يصبح العنف فعل إقصاء وإخراج من كينونة البشر وحياتهم، بل إنّ فروم اعتبر ذلك ميلاً أصيلاً في البشر إلى حدّ وجوب لجمه في صورة مستمرة والتنبّه الى حضور ذلك الإقصاء في أشكاله كافة. 
 
لاحقاً، التقط بيار بورديو الخط في نفسٍ آخر، ليجعل من كافة أفكار الإقصاء والتهميش والإخراج عن دائرة السويّ والطبيعي، أشكالاً لما سمّاه «العنف الرمزي» Symbolic Violence. 
 
ورفضت مجموعة من علماء الاجتماع فكرة أن يكون القتل مُكوّناً أصيلاً في الإنسان، معتبرين أن الأمر يتعلّق بالبنية الاجتماعية والثقافة، بل إن عالم الاجتماع الفرنسي المعاصر فرنسوا بورغينيون جعلها مناطة بالتربية. المفارقة أن بورغينيون ترأس مؤسسة تتصل بالأسرة والفرد هي «صندوق النقد الدولي». هل تساعد السياسات الماليّة لذلك الصندوق في خفض العنف والجريمة، أم أن ما نراه حاضراً هو أن الالتزام بسياسات التقشف المتنوّعة التي يروّج لها ذلك الصندوق، هو من مباعث العنف والجريمة، وفق ما يشير عديد علماء الاجتماع والسياسة حاضراً؟. 
 
مجلة الحياة 28 آب 2016
 

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل