08 Jul 2016
تعليم الفلسفة في لبنان في مرحلة التعليم الثانوي
تعليم الفلسفة في لبنان في مرحلة التعليم الثانوي

 
حسناً فعل الأستاذ ابرهيم حيدر في مقالته في جريدة "النهار" في 23 حزيران، عندما أسهب في طرح إشكالية تعليم الفلسفة في المرحلة الثانوية في لبنان، وذلك بعد أن أقدم معالي وزير التربية على إلغاء محاور من مادة الفلسفة في الامتحانات الرسمية الأخيرة.
 
انطلاقاً من هذه المقالة القيّمة تربويًّا، سأحاول أن أستعيد بعض مقترحات لتحسين تعليم الفلسفة في المرحلة الثانوية في لبنان، بدراسة عنوانها "تعليم الفلسفة في العالم العربي في مرحلة التعليم الثانوي بين الواقع والمرتجى" أعدّت لمكتب الاونيسكو الإقليمي – بيروت، في أيار عام 2005.
 
كان من الطبيعي أن تطاول مادة الفلسفة في القسم الثانوي في لبنان تغييرات مهمة، إن في المحتوى والتفاصيل أو في الأهداف التعليمية. وذلك بعد صدور مراسيم المناهج التعليمية بالمرسوم رقم 10227 تاريخ 7 أيار 1997، تماشيًا مع متطلبات "خطة النهوض التربوي في لبنان"، وتحقيقًا لما اعتمدته "وثيقة الوفاق الوطني" للعام 1989 في فصل إصلاح التربية والتعليم، وما نصّ عليه الدستور اللبناني بعد تعديله عام 1995.
 
حمل هذا التغيير النقاط الإيجابية التالية: إدخال مادة "فلسفة وحضارات" في منهج السنة الثانية الثانوية بفرعيها العلمي والأدبي، وهذا أمر إيجابي. جعل اللغة العربية لغة تدريس، ومن ثم موضوع امتحان لمادة "فلسفة وحضارات" في الفروع كافة، أسوةً باللغتين الفرنسية والإنكليزية. وهذا الأمر سهّل وصول الفكر الفلسفي كما هو مفروض في المنهاج الجديد لشريحة كبيرة جدًّا من الطلاّب اللبنانيين.
 
التركيز على دراسة النصوص الفلسفية وإدخالها في صلب أسئلة الامتحانات، وهذا أمرٌ حيوي في عملية تدريس مادة الفلسفة ومقاربتها. إدخال موضوعات جديدة على منهج مادة الفلسفة العربية، وخصوصًا في ما يتعلّق ببعض قضايا عصر النهضة، كالعلاقة بين الشرق والغرب، وبين الحداثة والتراث، والحرية والتقدّم. إدخال عنصر المناقشة والتدريب على البرهنة، وذلك من ضمن معالجة موضوعات الفلسفة العربية في الامتحانات الرسمية.
 
وبما أنّ عملية التجدّد في الفكر الفلسفي، هي عملية مستدامة تحمل في طيّاتها دائمًا الثابت والمتحوّل، في حركة جدليّة، رأيت من المفيد طرح بعض المقترحات التي تساعد على تطوير تعليم مادة الفلسفة في القسم الثانوي في لبنان، من أجل مساعدة الطالب اللبناني على أن يحمل معه مستقبلاً إلى الجامعة والحياة العريضة بعض المواصفات المطلوبة للإنسان المعاصر: الفكر الحرّ والنقدي، الوعي في ممارسة التساؤلات الوجودية الأساسية، إحترام الأجوبة المختلفة عن هذه التساؤلات، الاعتراف بشرعية الاختلاف وتقبّله، العمل على جعل مجتمعنا أكثر إنسانيّة والسعي لتسريع انتقاله من الحالة القبلية والتعصبيّة الغرائزيّة إلى الحالة المدنية والديموقراطية.
 
والسؤال اليوم على صعيد تعليم الفلسفة في القسم الثانوي في لبنان هو: هل تزوّد مادة الفلسفة الطالب اللبناني ما يحتاج اليه للعيش في مجتمع تعدّدي، كي يكون من أدوات التواصل لا التفريق؟
سأركّز على بعض المقترحات وليس كلّها، لضيق المجال، من أجل تحسين تعليم مادة الفلسفة، وجعلها تحقّق الأهداف المرجوّة منها.
 
– من ناحية الهيكلية:
توحيد مادة الفلسفة في السنة الثالثة الثانوية، لأنّ ثنائيّة المادة، أي الفصل بين مادة الفلسفة العامة ومادة الفلسفة العربية، خطأ من الناحية الأكاديمية، وهذا الواقع يسهم في تغذية ثنائية الإنتماء الثقافي عند الطالب اللبناني.
إلغاء مادة "حضارات" من منهج مادة الفلسفة في السنة الثانوية الثانية في الفرعين الأدبي والعلمي، لأنّ مضمون مادة الحضارات يصلح ليكون جزءًا من مادة التاريخ.
تدريس مادة الفلسفة ابتداءً من السنة الثانوية الأولى في الفروع كافة. وهذا معمول به في بلدان عدّة من بينها مصر وفرنسا.
 
– من ناحية المضامين:
إعادة صوغ برنامج جديد لتعليم مادة الفلسفة، يأخذ في الاعتبار النقاط الآتية: توزيع المنهج على السنوات الثلاث الثانوية، الاسترشاد بتقسيمات وبعناوين تعديلات المنهج الفرنسي الجديد لتعليم مادة الفلسفة، وخصوصًا التركيز على النقاط الآتية: حقوق الإنسان، الديموقراطية، الدين والحداثة، الدولة والمجتمع، وغيرها من الإشكاليات المعاصرة.
تضمين المنهج الجديد آراء الفلاسفة العرب والمسلمين في مختلف حقبات التاريخ العربي والإسلامي، التي تتوافق مع هذه القضايا.
 
– الإشراف والهيئات المنظّمة:
ضرورة العمل على إنشاء المجلس الوطني للبرامج والمناهج التربوية، كما الحال في فرنسا وأكثر البلدان المتقدّمة، ويفترض أن يتألّف من نخبة العاملين في حقول التربية ومجمل الاختصاصات، كي يخطّطوا لعملية تربوية مستدامة في لبنان، وليواكبوا الجديد في كل مادة في المضمون أو الطريقة أو الأهداف.
وفي طليعة هذه المواد، مادة الفلسفة في القسم الثانوي لأهميّتها المفصلية في العملية التربوية ، خصوصاً أنّ مهلة إختيار المناهج الجديدة انتهت منذ زمن طويل.
 
– إعادة فتح كلية التربية:
وفي الختام، ومن أجل النهوض بالتعليم الثانوي في لبنان ككل، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة فتح كلية التربية والعمل بنظامها القديم، الذي أثبت في حينه نجاحًا كبيرًا وأعطى لبنان تعليمًا ثانويًّا رسميًّا متألِّقًا، أصبحت نجاحاته الماضية اليوم، جزءًا من مخزون الذاكرة الوجدانية.
إنّ إنعاش تعليم الفلسفة في القسم الثانوي وتوسيع آفاقه، يوفّر فرص عمل جديدة لحاملي الإجازات التعليمية في مادة الفلسفة، وبالتالي يعيد الروح إلى اختصاص جامعي هو اليوم في مرحلة احتضار في مختلف الجامعات في لبنان.
 
 

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل