13 May 2016
الطلاب ذوو الاستثناءين: كنوز غير مكتشفة
الطلاب ذوو الاستثناءين: كنوز غير مكتشفة

نضال جوني / جريدة السفير 

في مجتمعنا العديد من الكنوز غير المكتشفة. تتمثل بالطلاب الذين يمكن تسميتهم بذوي الاستثناءين، أي الذين تكون لديهم صعوبات تعلمية في بعض الأحيان، وفي الوقت نفسه يتمتعون بموهبة لافتة للانتباه. 

وعلى الرغم من وجودها في صفوف مدارسنا إلا أنها تصنف بشكل خاطئ نسبة إلى صعوباتهم التعلمية أو إعاقتهم، من دون أن نقيم وزنا لمواهبهم، وهذا ما يدفع إلى تدني فرص تطوير هذه المواهب والاستفادة منها في مجتمعنا. 

هنا يطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن يكون الطالب ذا قدرات استثنائية وصاحب موهبة ويعاني في الوقت نفسه من إعاقات أو صعوبات تعلميّة؟. 

التطور التاريخي لمفهومَي الموهبة وصعوبة التعلّم يشير، للوهلة الأولى، إلى أن هناك تناقضاً في المصطلحات، إذ يمكن اعتبار هذه العلاقة بين الموهبة وصعوبات التعلّم علاقة تناقض وتنافر، خصوصا إذا ما اجتمعتا في الطفل الواحد عينه. 

هذا التداخل، بين الصعوبة والموهبة، يؤدي إلى صعوبة في تشخيص الطفل ذي الاستثناءين، إذ قد تطمس الصعوبة الموهبة، فلا تظهر في اختبارات الذكاء، وأحياناً يحصل العكس حيث تخفي الموهبة الصعوبة، وفي الحالتين تظهر حالة من عدم التكيّف وتراجع الدافع في المدرسة. 

لذلك، يعتبر التشخيص المبني على اختبارات الذكاء وحده غير كافٍ لنتعرّف على هذه الفئة من الطلاب، إذ يجب اعتماد اختبارات عقلية متعددة الجوانب، قوائم سلوكية، اختبارات لقياس القدرات الإبداعية، قبول ترشيح الأهل والمعلمين والأقران، إضافة إلى البيانات المستقاة من المقابلات مع الأهل والطلاب والمدرسين والأقران، ومقابلات، وملف العمل الصفي، وغيرها من المعلومات عن التلميذ خارج الصف والمدرسة، ومصادر أخرى متنوعة للتأكد من عدم استبعاد أي تلميذ من ذوي الاستثناءين. كذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار عدم مقارنة أداء تحصيل هذه الفئة من الأطفال مع الأطفال العاديين، بل يجب مقارنة أدائهم مع تحصيل ذوي الصعوبات التعلّمية من الفئة ذاتها ومع ذوي الموهبة، وفي مجال الموهبة نفسه. 

أنواع الصعوبات 

أما عن أنواع الصعوبات الأكثر انتشاراً بين الموهوبين فهي: 

• سوء التكامل الحسّي. 
• النشاط الحركي المفرط ونقص الانتباه 
• اضطراب السمع. 
• نفص المعالجة البصرية. 
• عسر القراءة. 
• صعوبة الكتابة. 
• سوء تحديد الأمكنة. 
• الاضطرابات التواصلية. 
• الإعاقات الحركية. 

ويعتبر الطلاب ذوو صعوبات التعلّم المجموعة الرئيسة الأكبر من ضمن هذه الفئة التي تواجه تعقيدات عدّة في التعرّف عليها. 

يذكر الأدب التربوي أن العديد من الطلاب الموهوبين ذوي صعوبات التعلّم يفشلون في التأهل لبرامج التربية الخاصة التي تستجيب لموهبتهم بسبب الالتزام الشديد بنتائج الاختبارات الأدائية واللفظية التي تؤدي في معظم الأحيان إلى التعرف على صعوباتهم وليس على مواهبهم، وبالتالي يتم تعامل المعلمين معهم على هذا الأساس، مع إهمال جانب الموهبة والتفوّق لديهم، مما يؤدي إلى تدنّي توقعات التلاميذ عن أنفسهم مع شعور بعدم القدرة على التأقلم. 

التصنيف بحسب صعوبة التشخيص: 

وبسبب صعوبة التشخيص، وقلّة إدراك المعلمين والأهل لصفات وسمات هؤلاء الطلاب، فقد تم تصنيفهم في خمس مجموعات رئيسية هي: 

المجموعة الأولى: الطلاب ذوو المواهب الظاهرة وصعوبات التعلّم الخفية. 
المجموعة الثانية: الطلاب ذوو المواهب الظاهرة وصعوبات التعلّم الظاهرة. 
المجموعة الثالثة: الطلاب ذوو المواهب الخفية وصعوبات التعلّم الخفية. 
الرابعة: الطلاب ذوو المواهب الخفية وصعوبات التعلّم الظاهرة. 
الخامسة: الطلاب الذين خضعوا لتشخيص تربوي خاطئ. 

لذلك يجب الالتفات إلى مؤشرين رئيسَين لتشخيص الموهبة المرتبطة بصعوبات التعلّم: 

• التباين بين نقاط القوة ونقاط الضعف في نتائج الاختبارات مع اعتماد اختبارات ثانوية أخرى. 
• النجاح في أصعب المهمات مع الإخفاق في أسهلها. 
ومع معرفتنا للصعوبات التي يواجهها الأخصائي لتشخيص هذه الحالات، ومن ثم التغلّب على بعض هذه الصعوبات، فإن البرامج التي تستجيب لهذه الاحتياجات المضاعفة تظل نادرة، حتى وقتنا الحاضر، مع عدم الالتفات إلى ضرورة مقاربة التلميذ على أنه موهوب أولاً وذو صعوبة تعلّمية ثانياً وليس العكس. لذلك يجب التركيز على تحدي قدرات التلميذ العالية والمتقدمة، ومن ثم التدخل للتأكد من أن الصعوبة التعلّمية لا تقف عائقاً أمام التلميذ لتحقيق أقصى قابلياته. 

إن البرنامج التعليمي لهذه الفئة من الطلاب يجب أن يلحظ التعديل في النوع والمحتوى، ويَصْلُحُ فيه اعتمادُ برامج التسريع، والتجميع والإثراء. 

اعتبارات هامة: 

أولاً: التخفيف من الصعوبات التواصلية الشفهية أو الكتابية عبر استخدام وسائل وتقنيات أصبحت متوفرة ويمكن الاستفادة منها كالحواسيب وآلات التسجيل، حيث يحق للتلميذ الاستفادة من كل البدائل المتاحة والتطبيقات الحديثة لتخطّي هذه الصعوبة، وعدم إصرار المعلم على المخرجات التقليدية. 

ثانياً: تطوير مفهوم الذات، إذ إن رفض الآخرين، إضافة إلى تدني توقعات المعلمين والأهل حول أداء التلاميذ، قد يشعرهم بالاختلاف ما يؤدي بهم إلى إظهار قدرة إدنى مما يمتلكون ودافعية أقلّ، مقارنة بالتلاميذ الآخرين. 

ثالثاً: تقييم تحصيل هؤلاء الطلاب من خلال معيارين هما: مقارنة نتائجهم بنتائج التلاميذ العاديين في مجال الموهبة لإظهار تميّزهم عنهم، وإظهار المجهود الذي يبذلونه لتخطّي صعوباتهم عبر مقارنة نتائجهم بنتائج التلاميذ العاديين من ذوي صعوبات التعلّم ذاتها. 

رابعاً: تطوير مهاراتهم الاجتماعية والقيادية والحرص على دمجهم مع تلاميذ موهوبين، وليس فقط مع تلاميذ عاديين، لأنهم يحتاجون إلى التفاعل مع أقران يشبهونهم ويتماهون معهم. 

خامساً: تدريبهم على استراتيجيات حل المشكلات والتقويم الذاتي للتمكن من التعرّف على ذواتهم ورفع قدراتهم على التأقلم والتعامل مع التحديات وإيجاد حلول لمشاكلهم. 

سادساً: ضرورة التركيز على الاستراتيجيات في البرنامج التعليمي أكثر منه على المحتوى والمضمون. 

سابعاً: الاستجابة لشغف التلميذ في مجال موهبته والحرص على تأمين فرص لتطويرها عبر توفير الموارد والرعاية. 

ثامناً: تقديم بدائل لإظهار التعلّم وعدم الإصرار على النواتج المحددة مسبقاً، بل المرونة في اعتماد خيارات أخرى كمثل استبدال امتحان معين بفرض بحثي أو عرض تفاعلي. 

تاسعاً: اللجوء لكل الاحتمالات لتقديم فرص التعلّم لهم مثل الصفوف الخاصة، النوادي، صفوف إضافية ليوم السبت، التعلّم عبر الانترنت، المشاريع الفردية. 

دور المساندة والرعاية: 

إن ربط هؤلاء المتعلمين الموهوبين من ذوي الصعوبات التعلّمية بخبراء ناصحين يشبهونهم ( mentors) هو طريقة فعالة جداً في بناء الشعور الإيجابي لديهم بالقدرة على الإنجاز وإمكانية ذلك. 

إن وجود خبراء ناصحين أو أهل هو عامل حرج جداً وأساسي في حياة هذه الفئة من الطلاب، إذ يُتوقَع منهم تكريس موارد، طاقة، مجهود، انتباه وصبر أكثر من الأهل الآخرين. 

يتوقع من الأهل التركيز على التعليم الفردي المنزلي لتكثيف وزيادة الخبرات الحسيّة عند هؤلاء الأطفال، ورفع مخزونهم اللغوي ومعارفهم، وتطوير إدراكهم لمحيطهم مع الالتفات إلى عدم تقديم مساعدة أكثر مما يلزم، أو إعفاء الطفل من مسؤولياته بحجة صعوباته، فالأهل يجب أن يكونوا حذرين بمستوى المساندة التي يقدمونها. 

الخاتمة

في ظل التعقيدات المختلفة التي يعيشها العالم اليوم يعتبر الطلاب الموهوبون من ذوي الصعوبات التعلّمية من التحديات الاقل إلحاحا بنظر المجتمع، ولكن لا يمكن الانتظار حتى تستقر الاوضاع ومعالجة كل الاولويات قبل تقديم الخدمات التربوية المتمايزة لهذه الفئة، لأن ذلك سيحرم العالم من مورد بشري طبيعي قادر على دفع عجلة النمو وإيجاد حلول لمشكلاته. ومع إمكانية أن تأتي المعالجة على مراحل، إلا أنه لا يمكننا أن نتجاهل وجودهم في صفوفنا ونبقيهم عرضة للاحباط والتخبّط والتسرّب. 

المراجع: 

ــ قضايا نظرية حول مفهوم الطلاب الموهوبين ذوي صعوبات التعلم. 
ــ المجلة الدولية للأبحاث التربوية/جامعة الإمارات العربية المتحدة العدد 31. 
ــ د. أنيس الحروب. 
ــ الجامعة الأميركية في بيروت ـ لبنان. 
ــ المرجع في تربية الموهوبين، نيكولاس كولانجيلو، غاري ديفيس، ترجمة د. صالح محمد أبو جادو د. محمود محمد. 
ــ أبو جادو، العبيكان، الإصدار الثاني. 

جريدة السفير

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل