04 Jan 2016
المدرسة: بين متطلبات سوق العمل وضرورة التنشئة الاجتماعية
المدرسة: بين متطلبات سوق العمل وضرورة التنشئة الاجتماعية

شهد عصر الثورة الصناعية ما يمكن أن يطلق عليه: إعادة تعريف دور المدرسة، فبعد أن كانت هذه الأخيرة تضطلع بمسؤولية التنشئة الاجتماعية والدينية للطفل، أصبح دورها – في ظل الفلسفة المادية النفعية التي أسست للثورة الصناعية- إنتاج موارد بشرية مؤهلة تتميز بالمهارة الكافية لإدارة المنظومة الصناعية القائمة، وتطوير البحث العلمي لتحسين الإنتاج الصناعي.

هذا التعريف الجديد لدور المدرسة سيزكيه الانتقال من عصر الاقتصاد الكلاسيكي الذي كان يعتمد أساسا على ثلاثية الأرض و العمالة ورأس المال، إلى عصر اقتصاد المعرفة حيث المعرفة بكل تجلياتها محرك رئيسي للنمو الاقتصادي، وحيث الموارد البشرية المؤهلة وذات المهارات العالية رأس مال مهم ولا غنى عنه. 

هذه الحقيقة جعلت الكثير من الأنظمة التعليمية تعيد النظر في مناهجها التعليمية في أفق إعادة تعريف دور المدرسة وتكييف مخرجاتها مع المتطلبات الجديدة لسوق العمل، كما أن الأسر بدورها أصبحت أكثر اهتماما واستثمارا في تعليم أبنائها، وعيا منها بدور المدرسة في ضمان المستقبل المهني لهؤلاء، كما عليه الحال في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط. فهل وفقت الأنظمة التعليمية العربية في تكييف مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل؟ و كيف السبيل إلى جعل المدرسة قاطرة للتنمية الاقتصادية دون أن تفقد دورها التاريخي والمتمثل أساسا في التنشئة الاجتماعية للطفل وتكوين نموذج المواطن الصالح؟

1- الأنظمة التعليمية العربية بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل

تتميز الأنظمة التعليمية العربية عموما بتركيزها على المعارف واعتماد أسلوب التلقين مع إهمال الجانب التطبيقي الذي يجعل الطالب يحس بجدوى ما تعلمه في الفصل الدراسي وأهميته من الناحية العملية. كما أن أساليب التقويم المعتمدة حاليا تدفع الطلاب إلى اعتماد استراتيجية أشبه ما تكون بعملية شحن المعلومات وتفريغها يوم الامتحان، لتنتهي علاقتهم بها على الأقل من الناحية النفسية. إضافة إلى ما سبق ذكره فإن ضعف التخطيط و غياب الرؤية الاستشرافية يؤديان إلى اعتماد تخصصات لا علاقة لها بالاحتياجات الحقيقية لسوق العمل، مما يحكم على دارسيها بالبطالة إن لم يقوموا بتغيير التخصص. من جهة أخرى، فإن وعي الطلاب بالجدوى الاقتصادية والاجتماعية لبعض التخصصات يدفعهم لاختيارها رغم أنهم لا يظهرون أي ميول أو رغبة حقيقية في دراستها و التعمق فيها.

إن العوامل التي سبق ذكرها تؤدي في آخر المطاف إلى إغراق المجتمع بخريجين ذوي مستوى عال من التكوين النظري، لكنهم من الناحية العملية غير مؤهلين لولوج سوق العمل الذي يتطلب حب المهنة أولا والتدريب العملي والتمكن من التكنولوجيا واللغات الحية، إلى جانب مهارات التفكير الناقد والتشبع بروح الإبداع والابتكار. ولعل ما يزكي هذا الرأي نتائج الدراسة الاستقصائية التي قامت بها شركة بانثيرون-ارنيست أند يونغ على صعيد ست دول خليجية تحت عنوان: “كيف ستقوم دول الاتحاد الخليجي بسد فجوة المهارات؟” . و قد خلصت هذه الدراسة إلى أن أهم الأسباب التي تؤدي إلى هذه الفجوة تتمثل أساسا في الافتقار إلى المهارات والسلوكيات التي تمكن الشباب من بناء حياة مهنية طويلة وناجح فالقطاع الخاص، إلى جانب غياب الخبرة العملية التطبيقية، مما يجعلنا نتساءل عن الدور الذي أصبح على المدرسة أن تلعبه لتجاوز هذه الوضعية المعقدة، خصوصا إذا استحضرنا المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتقها وسؤال الهوية الذي بات يُطرح بإلحاح في ظل العولمة التي طالت جميع تفاصيل حياتنا.

2- المدرسة: رهان المجتمع لتحقيق التوازن بين ضرورة التنمية الاقتصادية ومتطلبات التنشئة الاجتماعية

لا ينبغي أن يدفعنا الهاجس الاقتصادي والتنموي إلى التغاضي عن الغاية المثلى التي من المفترض أن تسعى المدرسة إلى تحقيقها، والمتمثلة أساسا في التنزيل السليم للفلسفة التربوية التي توجه النظام التعليمي ككل، والتي تفرض على المدرسة القيام بدورها – إلى جانب مؤسسات المجتمع الأخرى- في تكوين شخصية مستقلة و متوازنة ومتشبعة بالقيم الإيجابية للمجتمع. أي أن المدرسة إلى جانب دورها في إكساب الطلاب المهارات والمعارف التي تؤهلهم لولوج سوق العمل، يجب أن لا تتنازل عن دورها القيمي والإنساني. ولتحقيق التوازن بين الأمرين، يجب على النظام التعليمي أن يرتكز على الأسس التالية:

- بناء المناهج التعليمية على أساس البيداغوجيات النشيطة التي تتجاوز التلقي السلبي وتشجع على التعلم الذاتي وإعمال الفكر.
- التركيز إلى جانب المعارف، على المهارات وإدماج المكتسبات في وضعيات تحاكي الواقع الاجتماعي المحتضن للمدرسة.
- اعتماد التربية على القيم والمواطنة الإيجابية كمدخلين أساسيين للنظام التعليمي.
- اضطلاع المدرسة بمسؤوليتها في التربية على حقوق الإنسان بمبادئها الكونية.
- التشجيع على المبادرة والإبداع والابتكار.
- انفتاح المدرسة على محيطها الاقتصادي وعقد شراكات مع القطاع الخاص لردم الهوة بين المناهج النظرية والطبيعة العملية التي تطغى على المقاولة.
- اعتماد تخصصات تستجيب للحاجيات الفعلية لسوق الشغل، مع ضرورة إدماج التربية على القيم والمواطنة في هذه التخصصات.
- فتح آفاق لطلاب العلوم الإنسانية والاجتماعية لكي لا يصير ميول الطالب عائقا أمام ولوج سوق العمل.

إن تحقيق التوازن بين الأدوار المتكاملة والمختلفة للمدرسة أمر لا بد منه لتكوين شخصية متشبعة بالقيم الإيجابية وقادرة في الآن ذاته على الإسهام بفعالية في تحقيق التنمية الاقتصادية والثقافية وبناء الحضارة. فالتركيز فقط على تلبية حاجيات سوق الشغل سيؤدي حتما إلى تشويه دور المدرسة وجعلها أداة لتخريج أفواج من المواطنين ممن ينتسبون إلى الإنسانية لكنهم حتما لا ينتمون إليها.

تعليم جديد

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل