20 Nov 2015
حين يسأل الطفل ما هو الإرهاب؟
حين يسأل الطفل ما هو الإرهاب؟

باتت صور العنف والقتل في الآونة الأخيرة من المشاهد الأكثر رواجًا، واعتاد الناس على رؤيتها بشكل شبه يومي، وسماع أخبار التفجيرات الإرهابية. ورغم صغر سنهم إلا أن الأطفال متابعون لكل ما يجري حولهم من أحداث، لذا نراهم متأثرين جدا بموجة العنف والإرهاب التي تجتاح لبنان والعالم، وتتناقلها وسائل الإعلام، وخاصة التلفاز، وشبكات التواصل الاجتماعي.

يميل الأطفال الى طرح الكثير من الاسئلة الصعبة بالاجمال، وتشكّل الأسئلة حول أعمال الإرهاب أو الحرب هاجسًا كبيرًا عند الأهل، ان من ناحية شرح الإرهاب للأطفال، أو من حيث المعلومات التي يجب شرحها وكيفية توفير الراحة النفسية والشعور بالأمان لأطفالهم.

الحوار هو الحل الأمثل

يعتقد الأهل في لبنان أن إخفاء الحقائق يشكل الطريقة المثلى لتفادي تفسير الأمور لأطفالهم بينما يعتبر الطب النفسي ذلك سلوكًا خاطئًا ومضرًّا. في هذا المجال تعتبر دانيل بيشون المعالجة النفسية للاطفال أن ما نقوله لأطفالنا رهن بأعمارهم، اذ إن الأطفال والمراهقين بين الـ 7 والـ 15 سنة متطلبون ويميلون الى طرح الكثير من الأسئلة، لأن حب الاطلاع لديهم يكون كبيرًا. أما الاطفال بين الـ 3 والـ 7 سنوات فهم الأكثر عرضة للتأثير السلبي، لأنهم لا يستطيعون التعبير بشكل واضح عن مشاعرهم.

وتوضح بيشون "للنهار" أن بعض الأطفال يتعرّضون لصدمة نفسية (trauma) عند سماع انفجار أو رؤية مشاهد لهجوم إرهابي، لأن قدرة الاستيعاب لديهم في هذا العمر لهذه الأحداث الضخمة ضئيل ويولّد لديهم شعورًا بالقلق والخوف من أن يتعرضوا لنفس الأمر. وتشدد على أن تفسير الإرهاب للاطفال هو من أصعب الأمور وأخطرها لأن الأهل يعتبرون أن الصغار لا يفهمون هذه المواضيع، بينما في الواقع يفهم الولد ويشعر، وإحساس الخوف عنده لن يتوضح إن لم نفسر له التساؤلات التي تدور في رأسه.

عدم الغوض في التفاصيل مع الطفل أمر أساسي لأنه لن يستوعب. والطريقة المثلى تكمن في اعطائه تفسيرًا مبسطًا وواضحًا للأحداث وإجابته بما يناسب سنّه. بشكل عام، يميل الطفل إلى التعبير عن خوفه بأسئلة وهنا يجدر بالمحيطين به استغلال هذه النقطة وفتح حوار معه ليتحدّث عن كل ما شاهده ويخاف الإفصاح عنه. وتؤكد بيشون على أهمية الحوار خاصة للتأكد مما يعرفه الطفل عن موضوع الإرهاب، وكيف عرف به وتطمينه بأننا نتفهم الإرباك الذي يعتريه، كما تشدد على ضرورة سؤال الطفل عن الأمور التي تخيفه لتبديد هاجس الخوف لديه.

على الأهل أن يدعو أطفالهم يعلمون بأنهم سعداء بالتحدث إليهم عن المسألة، وأن يشاركوهم رأيهم ومشاعرهم حيال الهجمات والانفجارات والاصغاء لرأيهم بتعابيرهم الخاصة. فأن لِسلوك الأهل دور كبير في زيادة القلق لدى الأطفال أو التخفيف منه بوعي وإدراك. والأهم من كل ذلك، أن يكون الأهل مستعدون لتكرار الشرح والرّد على السؤال ذاته أكثر من مرة. فمفهوم الإرهاب معقّد لدى الأطفال وقد يستغرق استيعابه وقتا أطول مما نتصور.

لماذا تحصل هذه الأمور البشعة؟

"لماذا تحصل هذه الأمور البشعة؟" سؤال يطرحه أي طفل خائف على أهله، وبرأي بيشون فإن على الأهل أن يشرحوا لهم أنه يوجد في الحياة خير وشرّ، وعلى الإنسان أن يختار بينهما، ثم يعطونهم أمثلة بسيطة توضح لهم ما هي الأعمال الخيّرة وما هي الأعمال الشريرة مما يساعدهم مستقبلا على إطلاق الاحكام الاخلاقية على الاشياء.

وعن مراقبة ما يشاهده الأطفال من صور ومشاهد عنيفة تبث عبر التلفاز أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ترى بيشون أن على الأهل عدم السماح لأطفالهم بمتابعة هذه المشاهد، والحذر من تكرار مثل هذه المشاهد التي تضرّ بصحتهم النفسية وتدفعهم الى الظن بأن ما يرونه طبيعي.

اما عن ربط مفهوم الإرهاب بالاسلام، فتعتبر بيشون أنه من الصعب تفسير الموضوع للاطفال فكيف باستطاعتنا تبرير القتل الذي يحصل باسم الدين واستغلالهم له. بالنسبة لها يجب توضيح مفهوم المحبة التي تتميز بها جميع الأديان السماوية التي ترفض العنف والقتل بأسلوب بسيط، والتشديد على أن الإرهابيين لا يمتون بصلة إلى الاسلام. كما يجب على الأهل أن يبتعدوا عن استعمال المفردات السلبية لأن الأطفال يميلون الى طرح المزيد من الأسئلة، لذا يجب أن يبقى الأهل إيجابيين في إجاباتهم.

وتشير بيشون أن الدور الأهم في مجال التوعية في مجال الإرهاب في لبنان يقع على عاتق الأهل فقط، خاصة مع غياب الدور الفاعل للدولة في القطاعات كافة وعدم قدرتها على التأثير في المواطن وفقدانها للمصداقية فكيف سيصدق الطفل تطمينات تقدمها له دولة تهدر أبسط حقوق مواطنيها.

مبادرة فرديّة للمدارس

لا شك في أن موضوع الإرهاب اليوم يأخذ حيزاً كبيراً من اهتمامات الدول وشعوبها، وهو مشكلة عالمية، فكيف نطلع أطفالنا على الأمر ونعدّ جيلا صالحا للمستقبل، وأي دور للمدرسة على هذا الصعيد.
يشدد الدكتور جان ابو صوان مدير مدرسة لويس فاغمان- فرع بيروت في اتصال مع "النهار" على أهمية الدور الذي تلعبه المدرسة في مجال التوعية حول المواضيع الاجتماعية، ومن ضمنها الإرهاب، فسياسة مدرسة لويس فاغمان تقضي بتفسير كل ما يحصل من أحداث للتلامذة وعدم إخفاء أي أمر عنهم، فمن الضروري قول الحقيقة دائما طبعا حسب مستوى التلميذ الفكري وعمره.

ويفسّر ابو صوان أن الخطوة الأساسية، في حال حدوث أي اعتداء أو عمل إرهابي نجبر على إثره أن نستبقي التلامذة في المدرسة، تكمن في طمأنتهم حتى لو كان الوضع خطيرًا، مؤكدا على أهمية اخبار التلامذة بالحقيقة دائما، لأنهم يتمتعون بالذكاء. فاذا اكتشفوا اننا لم نقل الحقيقة لمرة واحدة سوف يفقدون ثقتهم بنا. اما بالنسبة للاطفال فيفسّر لهم الاساتذة الوضع بطريقة وتعابير تناسب عمرهم، إضافة الى ذلك تحدّد لهم بعض النشاطات الترفيهية لإلهائهم.

يتابع ابو صوان: "لا توجد ضمن المنهاج الدراسي حصص معينة تُعنى بمواضيع الإرهاب. لكن يقوم الأساتذة بمناقشة الموضوع مع التلامذة وتفسير الأحداث لهم. ويؤكد على أن ما تقوم به مدرسة لويس فاغمان يدرج ضمن إطار المبادرة الفردية، لأن لكل مدرسة في لبنان مرجعيتها وخاصة المدارس الخاصة، فلا تلعب وزارة التربية والتعليم أي دور يذكر في هذا المجال، بما أن هذا الموضوع ليس مدرجا ضمن المنهاج الدراسي.

بغض النظر عمّا نشعر به حيال ما يجري في لبنان أو العالم، لا بدّ من أن نستمرّ في تشجيع أطفالنا على أن يقدّروا الحلول السلميّة للمشاكل، وأن يظلوا محبّين للاستطلاع، ويرتاحوا باللجوء إلينا في أي موضوع أو مشكلة تشغل بالهم. واستغلال الفرصة لتذكيرهم بأهمية احترام الآخرين، مهما اختلفت وجهات النظر وذلك لبناء مجتمع سليم.

جريدة النهار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل