06 Nov 2015
اضطرابات اللغة عند المصابين بقصور الانتباه وفرط الحركة
اضطرابات اللغة عند المصابين بقصور الانتباه وفرط الحركة

من الخطأ أن يتم تناول حالات اضطرابات قصور الانتباه وفرط الحركةAttention Deficit Hyperactivity Disorder ADHD بشكل منفصل عن باقي الاضطرابات، فقد أظهرت الدراسات الإحصائية علاقتها باضطرابات أخرى مهمة تلازم المصابين بنسبة كبيرة، ولذا فإن التركيز على جانب واحد فقط، وهو الجانب السلوكي، يعتبر تناولا قاصرا وغير مكتمل لأن هؤلاء الأطفال لديهم من الصعوبات اللغوية ما يجب تناوله بشكل متخصص عن طريق إخصائي النطق واللغة حتى لا ينعكس ذلك على مهارات التعامل الاجتماعي، ومستوى التقدم الممكن تحقيقه على المستوى الأكاديمي. 

تدني التفاعل اللفظي 

* ولإيضاح هذه العلاقة وكيف يمكن الاستفادة منها، توجهت «صحتك» بمجموعة من الأسئلة الخاصة بهذا الموضوع إلى أحد المتخصصين في هذا المجال، الدكتور وائل عبد الخالق الدكروري استشاري علاج أمراض النطق واللغة (البورد الأميركي) رئيس قسم اضطرابات التواصل بعيادات العناية النفسية والباحث في اضطرابات اللغة عند الأطفال، فأكد في البداية على أهمية هذا الموضوع وأشار إلى دراسة أجريت على أطفال سعوديين، من قِبله مع مجموعة من زملائه في التخصص نفسه عام (2010) وقد تم تقديمها في فعاليات المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية للنطق والسمع (ASHA) والذي أقيم بمدينة فيلادلفيا. وقد أظهرت نتائج هذه الدراسة أن كمية التفاعل اللفظي عند أطفال قصور الانتباه وفرط الحركة كان أقل بكثير مقارنة مع أقرانهم على مستوى عدد الكلمات وعدد الأدوار الكلامية، بالإضافة لقصور نمط الأدوار لديهم من حيث عدد الكلمات ونمط التراكيب الدلالية واللغوية المستخدمة. 

ثم أشار الدكتور الدكروري إلى دراسة أخرى أجريت أيضا على أطفال سعوديين أجراها هو وزملاؤه عام (2011)، وقد تم تقديمها في فعاليات المؤتمر الثالث لاضطرابات قصور الانتباه وفرط الحركة بمدينة برلين، بألمانيا. وأوضح أن نتائج هذه الدراسة أظهرت أن قصور أداء الأطفال المصابين لا يقتصر على نقص عدد الكلمات فحسب، بل يتخطاها إلى صعوبة فهم تبادل الأدوار مع الغير أثناء الحديث، وتداخل شديد في الأدوار بينهم وبين محاوريهم أثناء الحوار، ويرجع ذلك إلى عدم فعالية مهارات استخدام اللغة لديهم. 

وقد خلصت الدراستان إلى أنه يجب أن يتم فحص مهارات اللغة والكلام عند الأطفال الذين يعانون من اضطرابات قصور الانتباه وفرط الحركة بشكل «إلزامي» عند مرحلة التشخيص. وقد بدأ بالفعل تطبيق ذلك والعمل به في بعض دول العالم؛ منها النرويج وفنلندا والسويد وهو ما ينادي به، حاليا، كثير من الباحثين في مجالات علاج أمراض النطق واللغة وصعوبات التعلم بالولايات المتحدة الأميركية وكندا. 

وأظهرت كثير من الدراسات أن نسبة الأطفال المصابين باضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة يمثلون 35 إلى 60 في المائة من الحالات التي يقوم إخصائي علاج النطق واللغة بعلاجها بالمدارس داخل الولايات المتحدة الأميركية (ASHA، 2010). 

مستويات الاضطراب 

* أوضح الدكتور وائل الدكروري أن هناك كثيرا من الدراسات الحديثة التي أظهرت أن أطفال قصور الانتباه وفرط الحركة يعانون من اضطرابات في اللغة، وتكون على مستويات مختلفة، نذكر منها ما يلي: 

- النحو: سواء على مستوى اللغة الشفهية أو المكتوبة، ويتمثل ذلك في صعوبة استخدام التراكيب النحوية بشكل صحيح، بل ويمتد التأثير على مستوى الفهم أيضا. 
- الدلالة: وهي صعوبة استخدام الكلمات والدلالات الصحيحة ومحدودية المفردات، وصعوبة إيجاد الكلمة المناسبة للمعنى المقصود. 
- الفهم اللغوي: وهو يتمثل في صعوبة فهم ما يقال مع ضعف المتابعة للحوار وعدم الاهتمام بالتفاصيل خاصة على مستوى الفهم السمعي. 
- التعبير اللغوي: وهو قصور الأداء التعبيري الذي يتمثل في محدودية المفردات، وقصر طول الجمل المستخدمة، وعدم كفاءتها من الناحية التركيبية وضعف الصياغات. 
- استخدام اللغة (اللغة العلمية): ويتمثل في صعوبة استخدام اللغة بهدف التفاعل الاجتماعي، ويظهر ذلك في كثرة المبادرات الكلامية وصعوبة الاستمرار في الحديث حول الموضوع نفسه لفترة كافية تسمح بإيصال المعنى والفكرة المقصودة، والانتقال العشوائي والسريع بين المواضيع، وقصور مهارات متابعة السياقات والتحكم فيها، بالإضافة لصعوبة فهم واستخدام الاستعارات والتورية. كما يواجه المريض صعوبة في مفهوم التماسك اللغوي، سواء كان ذلك على مستوى اللغة المنطوقة أو المكتوبة فيظهر كلامه وكتاباته ضعيفة ومفككة. 

صعوبات المعالجة السمعية 

* يقول الدكتور وائل الدكروري: «الفرق الأساسي بين الأطفال الذين يعانون من اضطرابات اللغة فقط، وبين من يعانون أيضا من اضطرابات اللغة واضطرابات قصور الانتباه وفرط الحركة، يتمثل في أن هؤلاء الأخيرين يعانون من صعوبة في معالجة المعلومات السمعية بنسبة تتراوح بين 70 إلى 90 في المائة أكثر من أطفال اضطرابات اللغة فقط، بل لقد أظهرت دراسة قام بها ويلكت وزملاؤه (2014) أن نسبة وجود الأعراض الكافية لتشخيص اضطرابات قصور الانتباه وفرط الحركة عند الأطفال الذين يعانون من قصور الأداء اللغوي تصل إلى 45 في المائة عند الحالات المتوسطة والشديدة. 

إن العلاقة القوية بين قصور الأداء اللغوي واضطرابات قصور الانتباه وفرط الحركة يجب أن يتم تناولها من قبل إخصائي علاج أمراض النطق واللغة بشكل حثيث وفعال، يهدف إلى توعية الأسر وباقي المختصين لضرورة التعامل معهم في سن صغيرة وبشكل مكثف، يهدف إلى التقليل من تأثيرها على مستوى التطور الأكاديمي ومهارات التفاعل الاجتماعي. 

ويوضح الدكتور الدكروري أن صعوبة معالجة المعلومات السمعية هي قصور في قدرة الدماغ على تحليل الإشارات السمعية وهو ما يعني ببساطة عدم توافق الإذن والدماغ، فرغم سلامة الجهاز السمعي فإن الطفل يظل يعاني من صعوبة معالجة المعلومات التي تصل إليه بواسطة القنوات السمعية. 

ومن الجدير بالذكر أنه حتى ثمانينات القرن الماضي كان يتم التعامل مع صعوبة معالجة المعلومات السمعية على أنه مرادف لاضطرابات قصور الانتباه وفرط الحركة وذلك للتشابه الكبير على مستوى الأعراض وهو ما تم نفيه حيث أصبح كل منهم اضطرابا قائما بذاته. إلا أن الدراسات الحديثة أظهرت نسبة تزيد على 60 في المائة من وجود صعوبة معالجة المعلومات السمعية عند أطفال اضطرابات قصور الانتباه وفرط الحركة. 

إن عملية التعلم تحتاج إلى تجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات السمعية عن طريق الجهاز السمعي، إلا أن الطفل المصاب بصعوبة معالجة المعلومات السمعية يجتاز فحوصات السمع التقليدي، وذلك لأن صعوبة معالجة المعلومات السمعية تنتج عن قصور في الجهاز العصبي المركزي لدرجة تؤثر على آلية تحويل الموجات الصوتية إلى نبضات عصبية، حتى يستطيع المخ التعامل معها ومعالجتها بطريقة تساعد على تحليلها وفهمها. فالمعالجة الصحيحة للمعلومات السمعية تعني أن المخ قادر على فهم وتمييز وتحليل الأصوات سمعيا بكل دقة وكفاءة، إلا أنه إذا وجد ما يعيق الدماغ عن الاستقبال والتعامل مع الأصوات فإن صعوبات التعلم وقصور الانتباه وسرعة التشتت قد تعتبر نتيجة طبيعية. 

أسباب وأعراض 

* من الجدير بالذكر أن أسباب صعوبة معالجة المعلومات السمعية غير معروفة أو على الأقل محل جدال، وعلى العموم يمكن تلخيصها في الآتي: 

إصابات الدماغ 

* النوبات المتكررة لالتهابات الأذن 
* نقص الأكسجين عند الولادة 
* مشاكل تطور المخ في المراحل الأولى من العمر 

كما يمكن أن نلخص أعراض صعوبة معالجة المعلومات السمعية في الأعراض التالية: 

* سهولة التشتت 
* صعوبات في التنظيم 
* التوتر الشديد من الأصوات العالية والضوضاء 
* صعوبة متابعة تنفيذ الأوامر اللفظية خاصة المتعددة الخطوات 
* صعوبة تطوير مفردات لغوية 

ولكن في نهاية الأمر يجب أن ندرك أن تطوير مستوى أداء الأطفال المصابين بصعوبة معالجة المعلومات السمعية يتطلب تدريب المخ على الوعي والتمييز الصوتي المبني على النظرية الإدراكية باستخدام وحدات صوتية كلامية وهو ما ثبتت كفاءته مقارنة بالوسائل الأخرى. 

جريدة الشرق الأوسط

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل