22 Oct 2015
مؤتمر لبناني أول عن مرونة الدماغ وعلاج اضطرابات التعلّم
مؤتمر لبناني أول عن مرونة الدماغ وعلاج اضطرابات التعلّم

«الصعوبات التعليميّة المحدّدة» Specific Learning Difficulties: تستطيع تلك الكلمات الثلاث أن تصيب الأهل بالهلع والقلق، خصوصاً حين تطلعهم المدرّسة أو المسؤولة التربويّة على الوضع الخاص لطفلهم وتطلب منهم التعاون لتجاوز تلك المشكلة التي يمكن أن تخرج ذلك الطفل من المدرسة. ففي لحظات كتلك، تتوارد إلى أذهان الأهل كلمات من نوع: فشل، عيب، إعاقة وغيرها. ويضاف إلى ذلك، الشعور بالذنب الذي يضع الأهل أمام تساؤلات جمّة تعزّز قلقهم. هل كانوا سبباً في وصول طفلهم إلى تلك المشكلة؟ هل المحيط المنزلي يؤثّر سلبيّاً فيه؟ هل صعوبة التعلّم تعني أنّ طفلهم سيترك المدرسة بصورة حتميّة، فيصبح على هامش المجتمع؟

تسير تلك الأسئلة وغيرها إلى بُعد واحد: وجود «صعوبة في التعلم» أمر لا شفاء منه، بل يحكّم على الطفل بالفشل المحتم.

لا يتجه الأهل وحدهم إلى ذلك البُعد في تفكيرهم، بل يشاركهم فيه بعض الأساتذة والمعلّمين من غير المدركين لحقيقة «الصعوبات التعليميّة المحدّدة». إذ يحكم الأخيرون بالفشل وحتمية التسرّب المدرسي على طفل لا يتجاوز عمره خمس أو ست سنوات، يعاني من خلل في واحدة (ربما أكثر) من العمليات الذهنية التي تتشارك في آليات فهم اللغة واستخدامها ونطقها وكتابتها. ويظهر الخلل على هيئة نقص في القدرة على الاستماع أو التفكير أو التكلم أو القراءة أو الكتابة أو التهجئة أو إداء عمليات الحساب.

ومع ذلك المحيط السلبي كله، لا يمكن إلا توقّع حدوث تأثير في الطفل نفسه. إذ يلاحقه الشعور بالفشل في كل مكان، بداية من نظرات أهله ووصولاً إلى اللوم الذي يوجه إليه من قبل أساتذته لأنّه لا يستطيع مواكبة الصف الدراسي وتحقيق نتيجة متوسطة على الأقل. وبذا، تكتمل حلقة الحتمية. النتيجة؟ إما أن يرفض الطفل الذهاب إلى المدرسة، أو يذهب إليها مع معاناته جملة من الاضطرابات النفسيّة التي تعيق عملية التعلّم. ويصبح السؤال الرئيسي هو: هل «الصعوبات التعليميّة المحدّدة» توصِل إلى مصير حتمي فعلاً؟

تجدّد المخ ومرونته

شكّل ذلك السؤال محوراً لاهتمام «المؤتمر السنوي الأول حول الصعوبات التعليميّة المحددة» الذي نظّمه «المركز اللبناني للتعليم المتخصّص» Lebanese Center for Special Education، تحت رعاية عقيلة رئيس مجلس الوزراء السيدة لمى تمّام سلام، ومشاركة وزير التربية إلياس بو صعب وحشد واسع من التربويّين. ومثّلت الاستفادة من الخبرات الأجنبيّة دعامة رئيسيّة لذلك المؤتمر، لأن البحوث عن «الصعوبات التعليميّة المحدّدة» باتت في مراحل متطوّرة جداً في معظم الدول المتقدّمة، وكذلك أساليب علاج الأطفال الذين يعانون منها. وتتمحور غالبية تلك البحوث حول مفهوم «مرونة الدماغ» Brain’s Plasticity.

حمل بيار ماجيستريتّي، وهو طبيب وعالم متخصّص في الجهاز العصبي وأستاذ في «جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا»، إلى لبنان خبراته الطويلة ومخزونه المعرفي. وجمع ماجيستريتّي خبراته في كتابه المنشور عام 2004 تحت عنوان «لكلٍ دماغه»A Chacun Son Cerveau.

ويضم الكتاب اكتشافات ماجيستريتّي في عمل الخلايا العصبيّة والجزئيات الكامنة وراء العلاقة بين النشاط العصبي واستهلاك الدماغ للطاقة. وفي المؤتمر، شدّد ماجيستريتّي على رسالة أساسيّة مفادها بأنّ الصعوبات التعليميّة المحدّدة ليست قدراً لا مفر منه، بمعنى أنها قابلة للعلاج بالاعتماد على مفهوم مرونة الدماغ. ووفق شرح ماجيستريتّي، لا يكون الدماغ مجرد آلة إلكترونيّة تكون الاتصالات بين وحداتها آليّة ومحكمة، بل إنّ الخلايا العصبيّة تتلقى الإشارات وترسلها في شكل مستمر. ويضم الدماغ ما يزيد على 100 بليون خلية تتصل كل منها بالأخرى عبر تشابك عصبي («ساينابس» Synpase) أو أكثر. وتقبل تلك العمليات من التشابك وتراسل الإشارات، الكثير من التحفيز و التثبيط أيضاً، بمعنى أنّ الشبكة العصبيّة ليست جامدة أبداً، بل تتغير بأثر مما يمر به الإنسان من تجارب وأحوال.

إذاً، كيف يمكن الاستفادة من مفهوم مرونة الدماغ في مجال الصعوبات التعليميّة؟ وفق ماجيستريتّي، ليس مقبولاً القول بحتميّة فشل الطفل الذي يعاني من تلك الصعوبات، بل إن كل تدخل إيجابي يمكن أن يؤدي إلى تغّيرات في التشابكات العصبيّة للدماغ، التي هي مرنة تماماً، ما يعطي أملاً كبيراً بإيصال الطفل إلى مرحلة يكون فيها قادراً على تجاوز مشكلاته وصعوباته.

كذلك يلفت ماجيستريتّي إلى أنّ الأمور لا تتغيّر بضربة واحدة، بل هناك حاجة إلى تنبيهات مستمرة ومتغيّرة تتلاءم مع حاجات الدماغ بطريقة تؤدي إلى تجاوبه في شكل دينامي. وخلص ماجيستريتّي إلى حضّ التربويّين جميعهم على عدم الاستسلام، خصوصاً أن البحوث العلميّة تبيّن أيضاً أن الدماغ يقدر على إنتاج خلايا عصبيّة جديدة، ما يعني أن العلاج المتخصّص يستطيع تغيير طريقة عمل الدماغ وإعادة الطفل إلى السكّة الصحيّة.

مرونة الدماغ... ولكن!

في مداخلاته في المؤتمر، استكمل الاختصاصي فرانسوا انسيرميه، وهو محلّل نفسي ورئيس قسم الطب النفسي للأطفال في «جامعة جنيف»، الرسالة الإيجابيّة التي أوصلها ماجيستريتّي. وتشارك انسيرميه مع ماجيستريتّي في تأليف كتاب «لكلٍ دماغه»، متناولاً النواحي السلبيّة لمرونة الدماغ. إذ يؤكّد انسيرميه أنّ التربويّين لهم الدور الرئيسي في العمل وفق مبدأ مرونة الدماغ لعلاج مشكلات التعليم.

وفي المقابل، شدّد انسيرميه على جوانب سلبيّة في ظاهرة مرونة الدماغ، لأنّ الدماغ يمكن أن يحفّز للعمل، كما يمكن أن يثبّط أيضاً بأثر عوامل كالإجهاد والتوتّر، وهو ما يتعرّض له الطفل الذي لا يجد محيطاً داعماً له ومتفهماً لمشكلته. وفي علاج الصعوبات التعليميّة المحدّدة، لا يكفي الاعتماد على مرونة الخلايا العصبيّة، بل يجب النظر في النواحي النفسيّة والمعرفيّة والعائليّة، وكلّها تؤثّر في الطفل.

ولذا، أكد انسيرميه أهمية تفهم الأهل مشكلة طفلهم بأبعادها الكاملة، لأنّهم يمكن أنّ يشكلوا المصدر الأساسي للتوتر بالنسبة إلى الطفل. وكذلك دعا التربويّين إلى التشبيك بين العلوم العصبيّة والنفسيّة والتربويّة للوصول إلى نتيجة فعّالة، تحمي الطفل الذي يعاني «الصعوبات التعليميّة المحدّدة» من التسرّب المدرسي.

جريدة الحياة

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل