05 Aug 2015
كيف أعلّم ولدي الاستقلالية؟
كيف أعلّم ولدي الاستقلالية؟

يسعى الأهل في تربية أولادهم إلى شتى الطرق لحمايتهم ورعايتهم وجعلهم ينمون ويكبرون بأفضل طريقة ممكنة. ومع أن نياتهم حسنة وتصبو لتكوين شخصية كل ولد، يبالغون في أحيانٍ كثيرة في رعايتهم وتدخّلهم في حياتهم لدرجة أصبح فيها أبناؤهم معوّلين عليهم في كل شيء.

على الأهل أن يعلّموا الولد الاستقلالية، كي يعتمد على نفسه ويتّخذ القرارات بنفسه معوّلاً على قدراته وجدارته، من دون الحاجة إلى أهله، ويمكنهم تحقيق ذلك عبر الأمور التالية:

1- تقدير جهوده بغضّ النظر عن النتيجة:

يشير تقريرٌ في صحيفة "ذا هافينغتون بوست" في آب الماضي إلى أن الأهل يخطئون جدّاً عندما يهنّئون ولدهم على النتائج الجيدة التي تحصّل عليها في مدرسته أو بعد مشاركته في مسابقة ما أو لدى مشاركته في مباراة رياضية معينة. ففيما من الضروري تهنئته على نجاحه هذا، لا يجب أن يقف تصرّف الأهل عند هذا الحد. إذ يجب عليهم أن يهنّئوه أيضاً على مجهوده الذي سبق النتيجة الجيدة، وعلى إرادته وطموحه.

يذكر التقرير مثالاً نموذجياً يحصل مع الكثير من الأهل وهو التهنئة على علامة جيدة في امتحانٍ مدرسي: يتوجه الأهل لولدهم بالقول إنه ذكيٌّ جدّاً، وهو كذلك لأنه ابنهم، وهو مثلهم "شاطر"، ويجعلهم فخورين به. يعتقدون أنهم يساعدونه ويُفرحونه في كلامهم هذا، لكن الحقيقة أنهم يخلقون له سجناً، بما أنه سيظل بحاجة إلى هذا المديح ليشعر أنه مهم ومحبوب، وسيعتقد أنه إذا لم يأتِ بنتائج جيدة فلن يحبّه أهله.

كذلك هم يحدّون من محاولاته لتجربة أمور أخرى، لأنه سيظلّ محاوِلاً أن يأتي بنتائج جيدة في المدرسة فقط، بما أنه يظهر ذكياً ومجتهداً هكذا. سيبتعد عن الأمور الأخرى، ويمتنع عن تجربتها خوفاً من الفشل فيها. وهنا تبرز أهمية تقدير جهوده، وليس النتيجة. إذا لم يمدح أهلُه مجهودَه لن يكون مجازِفاً وسيبتعد عن التحديات.

أفضل طريقة للتوجه بالمديح إلى الولد بعد نيله علامته الممتازة من المدرسة يكون بهذا الشكل: "علامتك ممتازة! هذا رائع! من الواضح أنك درست وتحضّرتَ جيّداً، فمن يقوم بمجهودٍ مركّز، ينجح أينما كان!"، بدل القول: "أنت ذكي جدّاً! أذكى ولد في العالم وأفضل من كل الباقين". التهنئة الأخيرة غير صحية لأنها غير مستندة إلى وقائع، وهي تنمّي الحس النرجسي عند الولد، خلافاً للأولى التي ترتكز على مجهود الولد كوسيلة لنجاحه.

2- علّموه من أخطائه وأيضاً من نجاحه!

يغيب عن بال الكثيرين أن بإمكان الشخص التعلم من نجاحه تماماً مثل أخطائه، هذا ما توضحه صحيفة "ذا غارديان" في تقريرٍ لها عن تربية الأهل لأولادهم حتى يعوّلوا على نفسهم في اتخاذ القرارات. تستشهد الصحيفة باستراتيجية قوات البحرية الأميركية بعد كل معركة مزيفة تقوم بها، إذ يُسأل الأعضاء المشاركون في المعركة لماذا اتخذوا هذه الوضعية أو هذا الموقع أو لماذا أطلقوا النار هنا، وتوقفوا هناك، ثم تقدّموا في مرحلة أخرى، ليهجموا لاحقاً. يتم تقييم ما حصل مع كل المشاركين في التدريب لمراجعة القرارات التي اتخذوها ومعرفة ما إذا كانت في محلّها، حتى يتّخذوا قراراتٍ أفضل في المرة المقبلة.

فعندما لا يأتي الولد بعلامة جيدة على امتحانه في المدرسة، أو لم يفُز بالجائزة في مسابقة ما، على والدَيه أن يجلسا معه لتقييم ما حصل، لكن بدل أن يقولا له: "كان عليك أن تدرس أكثر!" أو "لم تتحضر بالشكل الكافي!"، من الأفضل أن يسألاه: "ما الذي كان بإمكانك أن تقوم به بطريقة مختلفة حتى تحصل على علامة أفضل أو حتى تربح المسابقة؟". إذ على الأهل أن يجعلوا أبناءهم يعتادون تقييم تصرفاتهم، حتى يعتمدوا على أنفسهم ويتّخذوا قراراتٍ أفضل في كل مرة.

وعدا عن تعلّمهم من الأخطاء، عليهم أن يتعلّموا من النجاحات. إذ على الأهل تهنئة الولد على نجاحه والأهم على مجهوده، وتقييم هذا المجهود أيضاً، عبر طرح الأسئلة عليه: "لماذا تعتقد أنك ربحت هذه الجائزة؟"، "ماذا يعني لك الأمر؟"، "هل تعتقد أنك تستحقها؟"، "لماذا؟ أو لمَ لا؟".

3- دعوه يقود حياته ويتّخذ القرارات بنفسه:

تتطرق المجلة الكندية الشهرية Today's Parent إلى مسألة اعتماد الولد على نفسه وتحمّل مسؤولية قراراته وأفعاله، وتؤكد أنها الطريقة المثلى لتعليم الولد الاستقلالية عن أهله. فمن أبسط الأمور حتى أصعبها وأكثرها تعقيداً، ان على الأهل أن يتركوا ولدهم يقوم بالأمر بنفسه: ربط شريط حذائه، حل تمرين الرياضيات، الاستحمام بنفسه، اللعب ودخول فريق كرة القدم بشجاعة ومصادقة غيره... عليه أن يقوم بهذه الأمور بنفسه، من دون أن يقوم بها أهله عنه.

أما في حال استعان بهم، يجب أن يقدّموا المساعدة والنصح والإرشاد، وألا يقوموا بالأمر برمّته. وإذا كان الولد عنيداً، وطلب مُلِحّاً من والدَيه مساعدته في فرضه المدرسي، فعلى الأهل أن يكونوا واضحين والقَول: "نفضّل أن تقوم أنت بالأمر، نحن نعلم أن بإمكانك حلّه بنفسك"، ما ينعكس اعتماداً على الذات لديه وثقة بالنفس أكبر. وعندما يكبر الولد ويواجه مشكلات اجتماعية أو صراعات مع الغير، أيضاً على الأهل إعطاؤه حريته في التصرف، فيتحمل المسؤولية ويقوم بقراراته وحيداً، مستعيناً بهم فقط للنصائح.

جريدة النهار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل