07 Jul 2015
الأطفال ذوو القدرات الخاصة «أحسن أصحاب» في المجتمعات المتحضّرة
الأطفال ذوو القدرات الخاصة «أحسن أصحاب» في المجتمعات المتحضّرة

في صباح ذلك اليوم، وصل الجميع باكراً. باصات تحمل الصغار ومعلماتهم. سيارات يقودها الأهل ومعهم أبناؤهم. مواصلات عامة أسقطت حمولتها من الصغار والكبار، عند البوابات في أول الطريق. بعضهم يتحدّث العربية ممزوجة بكلمات إنكليزية وأحياناً فرنسية، وبعضهم الآخر يتحدّث العربية فقط الغارقة في العامية الشعبية، وآخرون يلتزمون الإنكليزية حيث قواعد المدارس الدولية وأصول التعاملات الراقية. لكن الجميع ظلّ منتظراً بفارغ الصبر أمام البوابات حتى التاسعة صباحاً، وقت تفتح الأبواب وتبدأ الملذات وتعلن البهجة والفرحة عن يوم مليء باللعب ذي المغزى، والغناء المحمّل بالمعنى، والرقص غير المنزّه عن الأغراض في يوم عنوانه «أحسن أصحاب»، وفحواه قبول ورضا من دون شفقة أو إجبار وغايته دمج.

دمج الأطفال ذوي «القدرات» الخاصة في المجتمع، عبارة تتردّد آلاف المرات في مئات المؤتمرات والفاعليات على مدار العام، لكنها تبقى حبراً على ورق باستثناء جهود متناثرة تحدث هنا وهناك، مرة بحكم أن مدير المدرسة بصفة شخصية يؤمن بأهية دمج الأطفال الذين يعانون من صعوبات في التعلّم، أو أن المعلّم يرغب في إضافة تجربة جديدة إلى سيرته الذاتية، أو أن وزيراً في مرحلة ما أراد أن يُكتب له إنجاز إدماج الأطفال من ذوي الحاجات الخاصة بعد خروجه من الوزارة.

وبين ذوي «الحاجات» الخاصة وذوي «القدرات» الخاصة، تقف كتيبة مغايرة من المؤمنين والمؤمنات والقادرين والقادرات والداعمين والداعمات لدمج الأطفال بأنواعهم سوياً. هذه الكتيبة بدت ملامحها ووضحت معالمها بتضافر جهود شركات عاملة في السوق المصرية مع جمعية «ويانا» (العاملة في مجال دمج ذوي الحاجات الخاصة في المجتمع)، لتنظيم فاعليات ترفيهية في مدينة «كيدزانيا» (مدينة الأطفال التي تحاكي العالم الحقيقي)، تمزج الأطفال العاديين بأقرانهم من ذوي الحاجات الخاصة. الأطفال، الذين ما أن فُتحت البوابات حتى انطلقوا في أرجاء المدينة غير مفرّقين بين حاجات خاصة أو عامة، أمضوا يوماً غايته دمج ووسيلته أيضاً دمج.

تقول رئيسة مجلس أمناء مؤسسة «ويانا»، هالة عبد الخالق، إن «الدمج عنوان الحل. فتمضية أوقات ترفيهية مفيدة للأطفال، لأنهم يكتسبون قيم تقبّل الاختلاف والاندماج والتفاعل مع غيرهم في صورة طبيعية». وعلى رغم أن الدمج اقتصر هذه المرة على اللعب والترفيه، إلا أنه رسالة نجاح قوامها حق كل طفل في أن يتعلّم، ويصبح عضواً فاعلاً وناشطاً وناجحاً في المجتمع الذي يعيش فيه.

وليس هناك من هو أكثر فاعلية أو أعتى نشاطاً أو أعمق نجاحاً من رحمة، الفتاة الجميلة اللبقة الأنيقة الواثقة الطموحة خفيفة الظل، المتّصفة بأنها «من ذوي الحاجات الخاصة»، التي تتخصّص في قطاع السياحة والفنادق، والسباحة، الحائزة عشرات الميداليات في دورات «بارالمبية» عدة، والهاوية للتمثيل، وقد اعتلت المسرح للتحدّث عن نفسها وأحلامها، والأهم عن إيمانها من واقع تجربتها الشخصية، بـ «أننا مع بعضنا بعضاً، يمكن أن نفعل أشياء كبرى».

ومن الأشياء الكبرى التي تطرح نفسها كلّما تحدّث أحدهم عن ذوي الحاجات الخاصة، قصة «أم الرجال»، سهير عبدالحفيظ، الحائزة درجة الدكتوراه في التربية الخاصة، والمكرمة بإبنين من ذوي الحاجات الخاصة، وتحديداً من فاقدي السمع الشديد. وقد حصل الأول على بكالوريوس الفنون التطبيقية، وحاز الثاني بكالوريوس علوم الحاسب الآلي.

الإبن الثاني كريم (24 سنة)، تعلّم في مدارس عادية عبر قراءة لغة الشفاه، ومن خلالها تعلّم الكلام والتواصل مع الآخرين. يقول: «حين وصلت إلى المرحلة الثانوية، حاول والداي الضغط عليّ لألتحق بالثانوي الصناعي أو الزراعي لأنهما أسهل من الثانوي العام، لكني رفضت، وذاكرت وحصلت على الامتياز». يصفّق له الجميع فيشكرهم، ثم يواصل: «في الجامعة، ساعدني أصدقائي في كل كبيرة وصغيرة. وأحياناً كان أساتذتي يساعدونني»، ويعلو التصفيق.

لكن يخفت التصفيق وتخفت الهمم حين تتكلم الأم عن خيبة المجتمع. فابنها المتفوّق لا يجد عملاً، والسبب تخوّف أصحاب الشركات من تشغيل أصحاب الحاجات الخاصة، حتى لو كانوا متفوقين ومبدعين وقادرين على التعامل مع كلّ من حولهم، ما يعني أن أصحاب الشركات أنفسهم في حاجة إلى تعلّم فن الاندماج. ولا يتحقق ذلك إلا بالتوعية والاحتكاك المباشر، وهو تحديداً ما فعله أحمد عبدالخالق (مصاب بإعاقة حركية). يقول: «أنا مسؤول التنمية البشرية في «ويانا»، ومن خلال عملي واختلاطي وتعاملي مع الآخرين، أدركت أن الاختلاف سُنة كونية، وأن لكل إعاقة طاقة».

طاقة أصحاب الحاجات الخاصة مطاطية، فيمكن حشدها وشحنها إيجاباً، ويمكن تقليصها وتقزيمها وتهميشها. الفنانة بسمة، ترجح أن يكون مسمى «ذوي الإعاقة» عائداً على المجتمع الذي يعيق قطاعاً من أبنائه، مانعاً إياهم من التعلّم والعمل والعطاء والإبداع، وهو المعنى الذي تترجمه لبنى إبراهيم، بلغة القصة الواقعية. فابنتها البالغة من العمر 20 سنة، والتي تصفها بـ «النعمة» وليس «الابتلاء»، واجهت رفضاً عاتياً من المجتمع، ونبذاً من المدارس العادية. ولولا قدرة الأسرة على إلحاق الإبنة بمدرسة خاصة لأصحاب الحاجات الخاصة، للحقت بغيرها من الملايين ممن عجز أهلهم عن تعليمهم، أو سقطوا سهواً من عمليات الإحصاء.

وتلفت الدكتورة عبدالحفيظ إلى أن بداية تمكين أصحاب الحاجات الخاصة تأتي من معرفة أعدادهم وطبيعة حاجاتهم، و «يكفي أن نسبة كبيرة جداً من أصحاب الإعاقات السمعية والبصرية، غير مشخّصين أصلاً».

مبادرة «أحسن أصحاب» تبذل جهداً لتصحيح المفاهيم الخاطئة من طريق «داوِها بالتي كانت هي الداء». فإذا كان المجتمع ينظر إلى الأطفال من ذوي الحاجات الخاصة نظرة ينقصها الوعي أو الفهم أو القبول، فإن إذابة الفروق من طريق اللعب وتعلّم مهارات الحياة، نقطة بداية.

بداية أخرى لكنها عنكبوتية، قدّمتها إحدى الشركات الداعمة لفكرة الدمج عبر برنامج المسؤولية المجتمعية، حيث دعوة لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي الى تغيير الصورة الشخصية، ووضع شعار «دعم أصحاب الحاجات الخاصة»، وفي مقابل كل تغيير تدفع الشركة جنيهاً لـ «ويانا»، فقد آن أوان الدمج، بل تأخّر كثيراً. كما تأخّر كثيراً تعديل المصطلح وتغيير المحتوى، فأولئك «أصحاب قدرات خاصة» وليس «حاجات خاصة» في المجتمعات المتحضّرة.

جريدة الحياة

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل