30 Apr 2015
العدالة اللغوية ومعايير المناهج بين "النظري وأدب الأطفال"
العدالة اللغوية ومعايير المناهج بين "النظري وأدب الأطفال"

كان هدف مؤتمر القرائية الذي نظمته مؤسسة الفكر العربي (عربي21) وجمعية "تارا" بلورة فكرة تعلُّم العربية المبني على المعايير، وذلك من أجل إطلاق رؤية جديدة لتعليم اللغة العربية وتعلّمها. والفكرة ذاتها غاصت في النظري، إذا استثنينا مناقشات الورش التي عرضت فيها تجارب تعلّمية للأولاد وطرق مختلفة تتجاوز ما هو سائد في مناهج التعليم العربية.

ولعل التركيز على المعايير، نظرياً، أفقدها بعض عناصر نجاحها، فإذا كانت توضح طرائق تقويم المعارف، انطلاقاً من أن أي مشروع حقيقي للتطوير، ينطلق من مفهوم التعلّم المبني على المعايير، الا ان جانباً من المناقشات، خصوصاً من جانب المتحدثين الرئيسيين، تجاوز المعايير ليطرح أفكاراً عن أساسيات اللغة العربية، وما إذا كانت تصلح لأن تكون لغة عالمية مرتبطة بالفكر والحياة. فلم يُجب اللغوي المغربي عبدالقادر الفاسي الفهري في موضوع "أي اختيار عادل وأي معايير؟" عن معنى العدالة اللغوية التي تتمحور حولها نظريته في القرائية، فغرق نظرياً في تقسيم نظري بين ما سمّاه "اللغة الهوياتية" و"اللغة الأداتية" ليقدم نفسه متسامحاً مع اللهجات المختلفة، وإن كان في السابق متزمتاً ومنحازاً الى اللغة المركزية الفصحى. فمن الطبيعي أن تتبنّى كل سياسة لغوية التدبير السياسي العادل للألسن المتعايشة فوق التراب الواحد أو الفضاء المشترك. فالعدالة في بُعدها السياسي، تمثّل العدالة الأساس الأول لتنظيم المجتمع بالطريقة الأنسب، بنظام ديموقراطي منصف ومتضامن، وهذا التصوّر ينسحب على العدالة اللغوية، بالموازاة مع أبعاد السياسة اللغوية.

ويعتبر الفهري الذي لم يتحدث بالفصحى، أن هناك ضرورة لطرح المشكلات المتولّدة على العدالة اللغوية، وتحديد مقوّمات ومبادئ فلسفة التقنين اللغوي، التي تقوم عليها سياسة لغوية منسجمة مع مبادئ القانون اللغوي الدولي والمحلي.

وتحدّث عن ثلاثة أبعاد للعدالة اللغوية تبدو أساسية في اختيار لغات التعليم وهي: العدالة اللغوية الترابية أو المحلية، والعدالة اللغوية السلالية والعدالة اللغوية الكونية. وخلص إلى أن حاجات تعلّم المواطن من اللغات تكمن في ما يلي أساساً: لغة معيارية وطنية هي أساس التواصل الفعّال في مختلف مناحي المعرفة والتقانة والحياة لها الامتياز السيادي على التراب، ولغة كونية تحدّد بحسب الفوائد الأداتية لها لهجات تنوّعية تتكفّل بالوظائف غير الرسمية، وليست محكومة بالمعيارية.

من المعيارية الى أدب الطفل العربي، ودوره في تعليم اللغة العربية وتعلّمها، وطرائق دمجه في المناهج. في هذا الشق، كانت لافتة ورش العمل والمناقشات التي أظهرت ضعف المناهج في تعليم الأولاد العرب، خصوصاً في التعليم الابتدائي. فهل عالم التربية الحديث وممارساته الفضلى تجاه الأولاد حضر بقراءات نقدية؟ هنا لا بد من الإشارة الى أن اختيار جوائز أدب الطفل العربي كان يمكن أن يكون أكثر شمولاً، اذا اعتبرنا ان هذا الأدب يساهم في تنشئة الأولاد وتعلّمهم، ولذا كان يمكن توسيع مروحة الاختيارات والقراءات لتكون أكثر عدالة في مختلف المستويات.

وقد حاول المتحدث محمد المومني في مداخلته عن "أدب الطفل في موصولاته الجمالية والعرفانية"، إعادة النظر في المفردات المفهوميّة والتنسيق بين المقولات. وأكّد أنه من حقّ الطفل علينا أن نقدّم له أدبه الّذي يرى نفسه فيه، لا أن نقدّم له أدباً يرانا فيه. ومن واجب المدرسة ومن حقّ الطفل أن نقترح عليه نصوصاً أدبيّة تناسبه وتتغنّى بجماليّات الحياة لا جماليّات الموت.

وفي تكريس أهميةِ مفهومِ القرائيةِ في اللغةِ العربية، وتوحيد المفاهيمَ الأساسيةَ، للوصول إلى نوعٍ من المساواةِ التعليميةِ، بحيث نعطي أبناءَ اللغةِ العربيةِ لغةً موحَّدةً وموحِّدةً ومعارفَ ومفاهيمَ أساسيةً ترتبطُ بعصرِهم لا بعصرِنا، عرضت عميدة كلية المعلمين في البحرين بالإنابة الدكتورة هنادا طه لنماذج من مقررات التعليم الابتدائي في بعض المناهج العربية. كان لافتاً حجم المشكلة، عندما قرأت نصاً من الابتدائي الأول، لحوار بين صبي وشقيقته، لتنهي بقول الولد لشقيقته: "أنا لي معك حديث آخر". وكأن الولد ابن السنوات الست يهدّد شقيقته بالعقاب والعنف في ما بعد، وهذا ما يتعلّمه الأولاد في اللغة العربية في مناهجنا.

وفي ما يتجاوز القراءات في أدب الطفل العربي، ماذا عن استخدام المعايير في الجيل المطوّر من مناهج اللغة العربية؟ هنا كان رد مبسّط بأن مجتمع القرائية يحتاج إلى إدارة مدرسية متعاونة وواعية بما لهذا المنهج التعليمي من تداعيات تفرض عليها أن تتغيّر، وتغيير طرائق تواصلها مع مجتمع التعلّم المدرسي وآليات إدارتها.

هل "شهرزاد أدب الطفل طريقاً لتصحيح أوضاع اللغة العربية"؟ يؤكد عبدالله الحامدي أن مشكلة العزوف عن القراءة، ومشكلة إهمال اللغة العربية تبدأ من مرحلة الطفولة، وتتوزّع مسؤوليتها على البيت والمدرسة والدولة ومؤسّسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المختلفة، المقروءة والمسموعة والمرئية.

ولعل ورش عمل المتخصّصين وورش عمل المدرّسين، والنقاشات حول "أدب الأطفال مفتاح القرائية"، بمشاركة هالة صادق ومنى جنينغ، اقتربت من مفهوم المعيارية لتعلّم اللغة العربية. لكن يبقى أن النقاش النظري وحده في اللغة لا يدفع الى تطوير العربية وجعلها لغة عالمية. وكأن بعض المداخلات كانت تقول في شكل غير مباشر إن العربية لا تستطيع في عالم اليوم ان تستوعب المصطلحات والعلوم الحديثة!

النهار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل