28 Jan 2015
الاعاقة ليست عائقاً...
الاعاقة ليست عائقاً...

كسبوا الرهان بعدما رفضوا الاستسلام لواقعهم، فكتبوا بتفوقهم قصصاً مثّلت نماذج أمل في جميع أقطار العالم، رافضين الاستسلام لإعاقتهم، ليصبح "نقصهم" هذا مجرد أداة للتفوق. هم ذوو الحاجات الخاصة الذين اجتازوا حاجز الخوف، رغم المشكلات التي تربّصت بهم من كل حدب وصوب وسط ظلم الحياة وجورها. أما هدفهم في لبنان اليوم فيترجم بالحصول على أبسط حقوقهم الانسانية والبديهية، بعدما رافقت التجربة القاسية طوال مسيرتهم، ودفعتهم لاجتراح المعجزات.

تجترح المعجزات

خطأ طبي في السابعة عشر من عمرها أدى إلى فقدانها النظر بصورة كاملة، هي الاعلامية داليا فريفر إبنة الثامنة والعشرين. عرفها الجمهور في بادرة غير مسبوقة كمقدمة لبرنامجي "الهوا الك" و "القصة وما فيا" عبر أثير إذاعة صوت لبنان، بالإضافة إلى تجربة تلفزيونية من ثلاث عشرة حلقة في محطة "TV Charity" بعنوان "ايدك بإدي".

وقد كلّلت داليا نجاحها ايضا باحتلالها المرتبة الثانية في المسابقة التي أجرتها اذاعة صوت لبنان لخمسمئة شخص، والتي لم يعرف فيها المستمعون أن ما يصل الى مسامعهم من صوت دافئ يعيش في جسد فاقد لحاسة البصر. هي بالفعل محطة مثلت التحدي الأكبر لداليا وللمواطنين اللبنانيين الذين عادة ما يحدّون تفكيرهم ضمن المنطق المؤيد للتمييز والمعارض لاندماج ذوي الحاجات الخاصة في المجتمع. وفي حضور لجنة من كبار الاعلاميين وعبر الحلقات الدائمة على الهواء التي تواصلت على مدى أربعة شهور استطاعت داليا، بفضل ذكائها وطموحها وشغفها بالاعلام، الفوز بالمرتبة الثانية مع جائزة أفضل حوار. وكون الإعلام يعتمد خصوصاً على القراءة والكتابة، دخلت داليا إلى الأستديو من دون أوراق، معتمدةً على ذاكرتها كمصدر وحيد لمعلوماتها. أما اليوم فهي موظفة في شركة "Alfa" في فرن الشباك، حيث لم تعرف الدولة حتى الساعة كيفية استثمار موهبة كانت لتبهر العالم بإبداعها في ظل الاهمال الصارخ.

مخاوف

يدرج القانون 220 المتعلق بحقوق الأشخاص المعوقين والصادر العام 2000 أدق تفاصيل حقوق المعوقين من بيئة مؤهلة، الى حق المعوّق بالحصول على الخدمات الصحية وإعادة التأهيل وخدمات الدعم والاحكام الضريبية، فضلاً عن حق الشخص المعوق بالتنقل والمواقف ورخص السوق والسكن، وصولاً الى العمل والتوظيف والتقديمات الاجتماعية. فلو تمعّن القارئ بما ينصه هذا القانون لظن للوهلة الأولى بأن هذه الصيغة تؤمّن الحقوق الكاملة لذوي الحاجات الخاصة بمن فيهم ذوي الاعاقة البصرية، ليكتشف أن الواقع المرير بعيد كل البعد من الحقيقة الملموسة اذ تبقى تلك القوانين مجرد حبر على ورق.

ففي مجالات العمل والوظائف المحدودة للمكفوفين، لا يرى المواطن اللبناني في الكفيف قدراته ومؤهلاته بل ينظر اليه نظرة شفقة وعجز في الوقت الذي قد تفوق كفاءته في العمل كفاءة مواطن سليم البصر. وتنص المادتان 73 و 74 من القانون 220 الصادر العام 2000 على توظيف المعوقين في القطاعين العام والخاص، بيد أن التزام المؤسسات بمنح ذوي الحاجات الخاصة نسبة 3% على الأقل من العدد الاجمالي للفئات والوظائف جميعها كما تنص عليه المادة 73 هو أمر نادر. واتضح أن موضوع توظيف الضرير يثير مخاوف عدة لدى أرباب العمل في القطاعين الخاص والعام حيث يكمن الخوف في تدني الانتاجية، البطء، وصعوبة التعاطي مع الكفيف، فضلاً عن تدني المستوى المهني وعدم ملاءمة المهنة. واقع مؤسف يترك هؤلاء الأشخاص عاجزين عن الشعور بالاستقلال الاقتصادي، ما يجعلهم في حالة معيشية صعبة.

شوارع تبكي بلا عيون

من جهة ثانية، تقف بعض الخدمات عائقاً أمام الانسان المكفوف وتحول دون تسيير نشاطه الحياتي الطبيعي. ففي التفاصيل العمرانية، شدد المهندس رامي معلوف على ضرورة تخصيص مواقف للسيارات في مختلف الأماكن من أجل تسهيل عملية خروج ودخول المعوق، وبالتالي على المواقف المخصصة لذوي الحاجات الخاصة أن تكون قريبة من المدخل الرئيسي للمبنى لتسيير وتسهيل حركة وصول هذا الشخص الى المكان المنشود. أما لناحية الأرصفة، فمن الضروري ألا تظهر أي تمديدات، ولا فتحات أرضية قد تسبب بوقوع الكفيف أو حتى الانزلاق. وبما خص تصميم الحمامات في لبنان، أشار معلوف إلى ضرورة تخصيص أقله حماماً واحداً في كل طبقة من المبنى يراعي الشروط اللازمة لذوي الحاجات الخاصة عموماً والمكفوفين خصوصاً... وسواها من التجهيزات الضرورية لذوي الحاجات الخاصة.

غياب الآليات

بعد كل ما تقدّم، ما مصير القانون 220؟ وأين الدولة من تطبيقه وبالتالي زيادة الوعي حيال الدمج الاجتماعي؟ في هذا الإطار، أكد أحد المعنيين في وزارة الشؤون الاجتماعية أن الأسباب التي تحول دون تطبيق القانون 220 تعود الى عدم صدور المراسيم التطبيقية، وبالتالي في ظل غياب الآليات المرجوة في الوزارات المعنية، تبقى المراسيم مهمشة غير خاضعة للتنفيذ. كما ان القانون المنصوص عليه لا يطال أو يحاسب أحداً، حيث لا عقوبات مفروضة على المعنيين غير الآبهين والمهتمين في تحريك القضية. وفي ظل غياب اللفتة الانسانية والنية الصادقة، لم تتردد الوزارة في تبرير هذا التقصير بحجة عدم توافر الموازنة المطلوبة، في حين أن شريحة كبرى من الناس تعاني الويلات وسط السرطان المتفشي والمآسي التي لا تنفك تتفاقم يوما بعد يوم من دون رادع يوقفها.

موقع مهارات نيوز

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل