19 Jan 2015
لماذا يفشل الأهل في تدريس أولادهم؟
لماذا يفشل الأهل في تدريس أولادهم؟

حوار مع: الأستاذة سلاف هاشم حاوره: فاطمة خشّاب درويش التاريخ: ٢٩/١٢/٢٠١٤ / 7 ربيع الأوّل 1436هـ


يعتبر معظم الأهل، إن لم نقل أكثرهم، أنَّ التَّدريس المنزليّ هو من أصعب المهام الموكلة إليهم كأهل، في زمن تتعدَّد المتاعب والانشغالات، وقد يصل الأمر إلى حدّ وصفه بالمهمّة "الصَّعبة" أو "المستحيلة".

لماذا يشكّل التّدريس المنزليّ عبئاً على الأهل؟ ولماذا يولون هذه المهمّة الكثير من العناية والاهتمام؟ هل يعتبر التّدريس المنزليّ هو الأساس لنجاح الطالب، أو أنّه يأتي في سياق تكامل الأدوار بين المدرسة والأهل؟ ما هي الأسباب الحقيقيَّة لإخفاق الأهل في تدريس أولادهم؟ وما هي المقوّمات المطلوبة للنّجاح في هذا الدّور؟ ماذا عن الاستعانة بمدرّس خصوصيّ؟ وهل يعتبر هذا الخيار خشبة الخلاص من همّ التَّدريس، والطّريق المؤدّي بأبنائنا إلى النجاح؟

أسئلة كثيرة، أعزّاءنا القرّاء، سنحاول الإجابة عنها في هذا التحقيق.

نظرة الأهل إلى العمليَّة التعليميّة

تولي المشرفة في الإرشاد والتّوجيه الصّحّيّ والتربويّ في جمعيّة المبرّات الخيريّة، الأستاذة سلاف هاشم، أهميّة خاصَّة لنظرة الأهل إلى العملية التربويّة، والَّتي يربطها هؤلاء عادةً بهُويتهم الشّخصيّة وتوقّعاتهم المبالغ فيها، والتي لا تتناسب مع القدرات التّعليميّة للطّالب، وتوضح: "يعتبر الأهل أنَّ علامة ولدهم هي بمثابة هويّة لهم، فالعلامة العالية ترفع من شأنهم، والعلامة المتدنّية تنعكس سلباً على شخصيّتهم، حتى يصل بهم الحدّ إلى الشّعور بالخجل من النّتائج المدرسيّة، فيصبح نجاح الولد هو نجاح الأهل، ورسوبه يعبّر عن فشلهم".

المشكلة الأساس تكمن في عدم مراعاة الأهل لمهارات أبنائهم وقدراتهم التَّعليميَّة

وتؤكّد هاشم أنَّ المشكلة الأساس تكمن في عدم مراعاة الأهل لمهارات أبنائهم وقدراتهم التّعليميَّة، والَّتي تتفاوت من ولدٍ إلى آخر، وتتفاوت أيضاً من مادّة إلى أخرى، مشيرةً إلى أهميَّة التعاطي بواقعيّة مع أولادنا، وعدم الضَّغط عليهم من أجل تحصيل العلامات القصوى، فقط لإرضاء ذواتنا.

وتتابع: "يفشل الأهل في التّدريس، إمّا بسبب عجزهم عن ضبط انفعالاتهم، ما يعطّل جانب التفاعل مع الولد، أو بسبب عدم امتلاكهم الثّقافة والمعرفة الَّتي تخوّلهم متابعة أبنائهم دراسيّاً. في الحالة الثانية، يلجأ الأهل إلى المدرّس الخصوصيّ. وهنا، يجب عليهم عدم إشعار الطّفل بأنهم غير قادرين على تدريسه، بل إشعارهم بأنَّ المدرّس موجود لمساعدتهم، وتحت رقابتهم".

أخطاء شائعة عند الأهل

وفي سياق الحديث عن مقوِّمات النَّجاح في التَّدريس المنزليّ، لا بدَّ من الوقوف عند بعض الأخطاء الشَّائعة الّتي يقع فيها بعض الأهل، وهي:

- مقارنة الولد بأخوته أو أصدقائه أو أقربائه أثناء تدريسه، ما يترك آثاراً سلبيَّة عنده، ولا يحفِّزه على الدّرس.
- الدّرس في غرفة الجلوس أمام التّلفاز، ما يفقده القدرة على التركيز.
- تدريس الولد إلى جانب أخوته، ما يشتِّت انتباهه.
- استعمال العنف بأشكاله كافّة، سواء اللّفظيّ أو الجسديّ، لأنَّه يشعر الولد بالخوف والقلق، ويعزّز لديه الشّعور بأنَّ الدَّرس هو سبب النّزاع مع الأهل، ما يدفعه إلى كره المادّة التي كان يدرسها، واستحضار كلّ التّهديدات في الامتحان، ما يعيق عملية استرجاع المعلومات.
- إكراه الولد على درس مادّة قبل أخرى، لأنَّ ذلك يفقده شيئاً من طاقته وعطائه.
- إلزام الأهل أولادهم بطرقهم التعليميّة الخاصّة، وإلغاء دور الأستاذ وما تمّ تعلّمه في المدرسة، لأنّ ذلك لا يحقّق نتائج إيجابيّة.

ماذا يقول الأهل عن التَّدريس المنزليّ؟

تتحدَّث السيِّدة ميمنة مطر عن تجربتها في التّدريس المنزليّ، وهي والدة لطفلين، وتقول: "في هذا الزّمن، فقد الأهل قدرة الصَّبر خلال تدريس أوﻻدهم، وفشلهم في التّدريس هو نتيجة عدم استيعابهم لحاجات الطّفل، وممارسة العنف بحقّه. والمشكلة، أنَّ همَّ الأهل منذ بداية التّدريس، هو الانتهاء من ذلك، بسبب وجود واجباتٍ أخرى عليهم.

وتختم بالقول: "اﻷهمّ أن يعمل الأهل على التّعامل مع الطّفل بحبٍّ وحنان، حتى ينجحوا في مهمَّة التدريس، لأنَّ العنف لا يوصل إلى النَّجاح".

استعمال العنف بأشكاله كافّةً يعيق عمليّة استرجاع المعلومات لدى الأطفال

من جهتها، ترى السيِّدة فاطمة حيدر، وهي معلّمة لغة فرنسيّة منذ أكثر من خمس سنوات، ومشرفة في مركز للدّروس الخصوصيّة، أنَّ مشاكل التّدريس المنزليّ لا تكمن فقط عند الطالب، إنما تعود المسؤوليَّة اﻷكبر إلى اﻷهل، وإلى أسلوبهم في التّعاطي مع أولادهم، وتقول: "غالباً ما يدرس الولد في المنزل في أجواء غير مناسبة، فربما لا تكترث اﻷمّ جيّداً لابنها عند تدريسه، فتكون مشغولةً إمّا بالواتسآب، أو بمتابعة مسلسل، أو حتى بأعمالها المنزليّة، فيما يسمح للأولاد باستعمال الهواتف الخلويّة والآيباد والواتسآب خلال الدّرس، ما يشتِّت أفكارهم. ولا يوجد عند معظم اﻷهل مبدأ التَّحفيز بالشَّيء الّذي يناسب عمر كلّ ولد".

وتختم بالقول: "لم يعد لدى الأهل الصَّبر لتدريس أولادهم، بحجَّة انشغالات الحياة، ولذلك، صاروا يلجأون إلى مراكز الدّروس الخصوصيّة. وعلى اﻷهل العمل على اكتساب طرق التّدريس، حتى يساعدوا أبناءهم على النّجاح والتفوّق والإبداع".

مقوّمات النّجاح في التّدريس

تؤكّد الأستاذة هاشم أنَّ النّجاح في التّدريس المنزليّ ليس بالأمر الصّعب إذا ما توافرت المقوّمات، وفي مقدّمها رغبة الأهل في إنجاز هذه المهمّة والنّجاح فيها، مشدّدةً على أهميّة أن يحدّد الأهل الموادّ الّتي يحتاج فيها الولد إلى المساندة الكاملة، والموادّ الّتي يستطيع أن يدرسها دون أيّة مساندة، مؤكّدةً ضرورة عدم إعطاء الأهل الولد الإجابة عن السّؤال المطروح عليه في الدّرس، بل عليهم الانتظار حتى يستطيع التَّفكير لإيجاد الحلول والأجوبة المناسبة.

وتضيف: "على الأهل أن يساعدوا أولادهم على التَّفكير الصَّحيح، وألا يعمدوا إلى إعطائهم الأجوبة، لأنَّ ذلك يعزِّز التّفكير غير الجدّيّ عند الولد، ما يؤثّر في أجوبته في الامتحان، حين لا يجد من يعطيه مفاتيح الحلول للأسئلة".

وتشير هاشم إلى أنَّ دور الأهل هو مساندة الولد ومتابعته خلال الدَّرس وإنجاز الفروض، وفي مقدّم ذلك، إدارة وقته، بحيث يتمّ تحديد الوقت الإجمالي لإنجاز كلّ الفروض والواجبات، ومن ثمّ العمل على وضع وقتٍ متوقّع لإنهاء كلّ مادّة. ويمكن للأهل مساعدة ولدهم في تقسيم الموادّ الَّتي تحتاج إلى حفظ، إلى مقاطع، من أجل تسهيل هذه العمليّة.

وتتابع: "كلّ مرحلة دراسيّة تحتاج إلى وقت معيّن لإنجاز فروضها وواجباتها المنزليّة، ولكن علينا أن لا نبالغ في تخصيص الوقت لإنجازها، فالحلقة الأولى تتطلّب من ساعة إلى ساعة ونصف، فيما تحتاج الحلقة الثّانية إلى تخصيص ما بين ساعتين إلى ثلاث ساعات. أمّا الحلقة الثالثة، فربما تحتاج إلى أكثر من ذلك، بمعدّل ثلاث إلى أربع ساعات، نتيجة الأبحاث والدّروس المطلوب إنجازها".

خطوات النّجاح في التّدريس المنزليّ

- تحديد ساعة للانطلاق في الدّرس، ما يساعد السّاعة البيولوجيّة للطّفل على الانتظام.
- تدريب الطّفل من المراحل الأولى على الجلوس في حالة جهوزيّة للبدء في إنجاز الفروض المنزليّة.
- تحديد مكان للدّرس، بحيث يتوجّه الولد إلى المكان المخصَّص عند حلول وقت الدرس.
- تحضير بيئة مؤاتية للدّرس، بعيداً عن التلفاز وضجيج الأخوة.
- إعطاء الولد حريّة اختيار المادّة التي يرغب في دراستها أوّلاً.
- على الأهل إعطاء ولدهم فسحةً للتَّفكير، من أجل تفعيل العمليّة التعليميّة، وعدم ممارسة الضَّغط عليهم.
- توجيه الولد إلى دراسة المادَّة التي تحتاج إلى جهد أكبر.
- في حال تمّت الاستعانة بمدرِّس خصوصيّ، ينصح بأن يكون ذلك في الموادّ التي يحتاج فيها الولد إلى المساندة، وألا يكون ذلك بشكل يوميّ.

الأهل شركاء مع المدرسة

تخلص الأستاذة سلاف هاشم إلى التّأكيد أنَّ الأهل هم شريك المدرسة في العمليّة التربوية الّتي تحصل بحركة دائريّة تكبر وتتوسّع إلى حلقة حلزونيّة، لتتكامل وتثمر كلّما كانت الخطوات مدروسة، وفق نظرة صحيحة إلى العمليّة التعليميَّة.

وحول طبيعة العلاقة بين الأهل والمدرسة، تؤكِّد هاشم ضرورة التّنسيق الدّائم بينهما، وتقول: "من المفيد أن يكون هناك لقاءات دوريّة مع المدرسة، توضح الآليّة المطلوبة من الأهل في عمليّة التّدريس، والّتي يجب أن لا تقوم على إعادة شرح الدّرس، أو وضع استراتيجيّة له، لأنَّ ذلك يندرج في إطار مهمَّات المدرسة. والمطلوب من التلميذ في المنزل، توظيف المعلومات والأفكار الّتي اكتسبها من المدرسة في البيت، بعيداً عن الأستاذ، لتسهيل استخدام هذه المعلومات في الامتحانات، ومن ثم في مجالات الحياة المختلفة".

وتضيف: "دور الأهل هو متابعة أبنائهم، ومساعدتهم على توظيف المعارف التي تعلَّموها في المدرسة، من خلال إعطائهم فرصة التفكير واستحضار المعلومات. وفي حال فشل الطالب في عمليّة استرجاع المعلومات، على الأهل المبادرة إلى التواصل مع المدرسة، لأنّ ذلك يدلّ على عدم وصول المعلومات إليه خلال عمليّة شرح الدّرس".

وفي الختام، أعزائي القرّاء، يمكن القول إنَّ عملية التدريس المنزلي ليست بالمهمّة الصَّعبة أو المستحيلة، وربما تتجاوز حظوظ النجاح إمكانيّة الفشل، إذا ما أدركنا حقيقة ما يحتاجه أطفالنا منّا في العملية التعليميّة. فلنضع انفعالاتنا وانشغالاتنا الحياتيّة جانباً، ولو لساعات قليلة، حتى نعطي أبناءنا فرصة التّفكير والعطاء، والانطلاق في هذه الحياة بنجاح وتألّق.

موقع بينات

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل