07 Jan 2015
القمع والثقافة "التسكيتية" تنشئان أفرادا يخشون الحوار
القمع والثقافة "التسكيتية" تنشئان أفرادا يخشون الحوار

“تربيت‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬كله‭ ‬رعب”‭ ‬بهذه‭ ‬الكلمات‭ ‬علل‭ ‬الثلاثيني‭ ‬علي‭ ‬منتصر‭ ‬خوفه‭ ‬من‭ ‬إبداء‭ ‬رأيه‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬حديث‭ ‬يدار‭ ‬أمامه‭.‬
يقول‭ ‬منتصر‭ ‬“فرض‭ ‬علينا‭ ‬والدي‭ ‬الخوف‭ ‬منه،‭ ‬والصمت‭ ‬في‭ ‬حضوره‭ ‬والرد‭ ‬بمفردة‭ ‬نعم‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬فقط،‭ ‬وإن‭ ‬حاول‭ ‬أحدنا‭ ‬ان‭ ‬يفتح‭ ‬فمه‭ ‬بكلمة‭ ‬مناقشة،‭ ‬يواجه‭ ‬بعاصفة‭ ‬من‭ ‬الصد‭ ‬وأمر‭ ‬بإغلاق‭ ‬الصوت”‭.‬
ويضيف‭ ‬“يلازمني‭ ‬هذا‭ ‬الخوف‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬ولا‭ ‬استطيع‭ ‬مواجهة‭ ‬الآخرين،‭ ‬أو‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬الغرباء‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬أعرفهم،‭ ‬ورغم‭ ‬قدرتي‭ ‬التعبيرية‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬أعجز‭ ‬عن‭ ‬رفع‭ ‬صوتي‭ ‬أو‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬أي‭ ‬حوار‭ ‬حضاري”‭.‬
ويفسر‭ ‬منتصر‭ ‬السبب‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يعتد‭ ‬التحاور‭ ‬منذ‭ ‬الصغر،‭ ‬وسيطرت‭ ‬على‭ ‬شخصيته‭ ‬ثقافة‭ ‬“الأمر‭ ‬والتسكيت”،‭ ‬وفق‭ ‬تعبيره،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬ثقافة‭ ‬تتعدى‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الآخر،‭ ‬بل‭ ‬أبسط‭ ‬حقوقه‭ ‬وهي‭ ‬تمتعه‭ ‬بالحديث‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭.‬

يعتقد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬أسلوب‭ ‬التحفظ‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ (‬الصمت‭) ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة‭ ‬أيا‭ ‬كانت‭ ‬أفضل‭ ‬وسيلة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يتحاورون‭ ‬معهم،‭ ‬ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ (‬الخوف‭) ‬أسبابا‭ ‬أو‭ ‬مواقف‭ ‬عدة‭ ‬يعلمها‭ ‬أو‭ ‬يجهلها‭ ‬أصحابه‭.‬
وكذلك‭ ‬حال‭ ‬الطالبة‭ ‬الجامعية‭ ‬فدوى‭ ‬جابر‭ ‬التي‭ ‬تشرح‭ ‬بأنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬رأيها‭ ‬دائما،‭ ‬وتقول‭ ‬“لا‭ ‬يختلف‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬المنازل”،‭ ‬متابعة‭ ‬“المعلمة‭ ‬تصنف‭ ‬الطالبة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتكلم‭ ‬ولا‭ ‬ترفع‭ ‬صوتها‭ ‬بالمهذبة‭ ‬والشاطرة،‭ ‬والفضلى‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬الإصبع‭ ‬على‭ ‬الفم‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التقفيل‭ ‬السليم‭ ‬والصحيح”‭.‬
وتتابع‭ ‬جابر‭ ‬“نشأنا‭ ‬على‭ ‬كلمة‭ (‬هص‭ ‬ولا‭ ‬كلمة‭)‬،‭ ‬وتجاهل‭ ‬المربون‭ ‬تعليمنا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬والمحادثة‭ ‬وقت‭ ‬الحاجة”،‭ ‬متمنية‭ ‬أن‭ ‬يستبدلوا‭ ‬الثقافة‭ ‬“التسكيتية‭ ‬التي‭ ‬يتعاقبون‭ ‬على‭ ‬فرضها‭ ‬منذ‭ ‬الصغر‭ ‬بمراقبة‭ ‬الأبناء‭ ‬والبنات‭ ‬الصغار‭ ‬كيف‭ ‬يتحاورون،‭ ‬أو‭ ‬يديرون‭ ‬أحاديث‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬أو‭ ‬المدرسة‭ ‬أو‭ ‬الشارع‭ ‬بالطريقة‭ ‬المثلى‭ ‬التي‭ ‬تكسر‭ ‬حاجز‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الرأي”‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يلفت‭ ‬الاختصاصي‭ ‬النفسي‭ ‬د‭. ‬محمد‭ ‬الحباشنة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الأردني‭ ‬هو‭ ‬“مجتمع‭ ‬أبوي”،‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬“منخفض‭ ‬جدا”‭ ‬بحكم‭ ‬التنشئة‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬تثبط‭ ‬وتحبط‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬برأي‭ ‬مخالف‭ ‬لهم،‭ ‬وعليه‭ ‬ينشأ‭ ‬الشخص‭ ‬لديه‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬المنزل،‭ ‬المدرسة،‭ ‬العمل‭ ‬وغيرها‭.‬
ويضيف،‭ ‬هناك‭ ‬عامل‭ ‬آخر،‭ ‬أن‭ ‬أشخاصا‭ ‬لديهم‭ ‬قدرات‭ ‬ضعيفة‭ ‬في‭ ‬مهارات‭ (‬المواجهة‭) ‬والقناعة‭ ‬بأن‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬رأيك‭ ‬حق‭ ‬دون‭ ‬الإساءة‭ ‬إلى‭ ‬الآخر،‭ ‬وأيضا‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يخشى‭ ‬قبول‭ ‬ردود‭ ‬الآخرين‭ ‬مما‭ ‬يجعله‭ ‬لا‭ ‬يدلي‭ ‬برأيه‭.‬
والعامل‭ ‬الرئيسي،‭ ‬وفق‭ ‬أبو‭ ‬زناد‭ ‬هو‭ ‬“الخوف‭ ‬من‭ ‬السلطة”،‭ ‬فيعتقد‭ ‬الغالبية‭ ‬أن‭ ‬“الأحكام‭ ‬التي‭ ‬تسود‭ ‬الوطن‭ ‬مزاجية‭ ‬العقوبة،‭ ‬فكثيرون‭ ‬يخشون‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬آرائهم‭ ‬لافتقادهم‭ ‬أدوات‭ ‬إيصال‭ ‬الرأي”‭.‬
أما‭ ‬الموظف‭ ‬أبو‭ ‬زيد‭ ‬فوجد‭ ‬ضالته‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الآخرين‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬رأيه‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬قائلا‭ ‬“لا‭ ‬أتفق‭ ‬غالبا‭ ‬مع‭ ‬آراء‭ ‬الآخرين‭ ‬خلال‭ ‬حوارهم‭ ‬عن‭ ‬قضية‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬موضوع‭ ‬ما‭ ‬يطرح،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬بهذه‭ ‬الحوارات‭ ‬معهم”‭.‬
ويتابع‭ ‬أبو‭ ‬زيد‭ ‬“أشعر‭ ‬بضغط‭ ‬نفسي‭ ‬كبير‭ ‬لاحتباس‭ ‬مشاركتي‭ ‬هذه،‭ ‬وعليه‭ ‬استخدمت‭ ‬فيسبوك‭ ‬وسيلة‭ ‬للتنفيس‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬آرائي‭ ‬المتعددة‭ ‬باسم‭ ‬مستعار‭ ‬غير‭ ‬حقيقي‭ ‬استضفت‭ ‬به‭ ‬غالبية‭ ‬الزملاء‭ ‬في‭ ‬العمل”‭.‬

كما‭ ‬اعتادت‭ ‬الخمسينية‭ ‬أم‭ ‬فهد‭ ‬الخضوع‭ ‬لآراء‭ ‬زوجها‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬لزواجهما‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬وفقا‭ ‬لنصيحة‭ ‬والدتها‭ ‬ومفادها‭ ‬“أن‭ ‬ربة‭ ‬المنزل‭ ‬الناجحة‭ ‬من‭ ‬تطيع‭ ‬زوجها‭ ‬بكل‭ ‬شيء”‭.‬
تقول‭ ‬أم‭ ‬فهد‭ ‬“لا‭ ‬أذكر‭ ‬يوما‭ ‬أنني‭ ‬تناقشت‭ ‬مع‭ ‬زوجي‭ ‬بأمر‭ ‬ما،‭ ‬حتى‭ ‬ان‭ ‬أبناءنا‭ ‬الخمسة‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬مناقشته‭ ‬بأمور‭ ‬تتعلق‭ ‬بدراستهم‭ ‬أو‭ ‬رغباتهم‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬وللأسف‭ ‬أرى‭ ‬شخصياتهم‭ ‬ضعيفة‭ ‬مقارنة‭ ‬بأصدقائهم‭ ‬وأقاربنا”‭.‬
تعترف‭ ‬أم‭ ‬فهد‭ ‬أنها‭ ‬عاشت‭ ‬حياة‭ ‬أسرية‭ ‬تسودها‭ ‬السكينة،‭ ‬لكنه‭ ‬أصابها‭ ‬بضغط‭ ‬نفسي‭ ‬كبير‭ ‬انعكس‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬صحتها،‭ ‬والأدهى‭ ‬خوفها‭ ‬الدائم‭ ‬على‭ ‬أبنائها‭ ‬بعدم‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الحياة‭ ‬بأي‭ ‬أمر‭ ‬سيواجهونه‭ ‬سواء‭ ‬الذكور‭ ‬أم‭ ‬الإناث‭. ‬

من‭ ‬جهتها‭ ‬تقول‭ ‬الاختصاصية‭ ‬الأسرية‭ ‬والارشاد‭ ‬التربوي‭ ‬سناء‭ ‬أبو‭ ‬ليل‭ ‬“كي‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إبداء‭ ‬رأيه‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نبدأ‭ ‬من‭ ‬اعطاء‭ ‬الفرصة‭ ‬للطفل‭ ‬بالتعبير‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬وعن‭ ‬آرائه‭ ‬وتعزيز‭ ‬ثقته‭ ‬بنفسه،‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬الطفل‭ ‬أن‭ ‬لرأيه‭ ‬أهمية‭ ‬وبأنه‭ ‬ليس‭ ‬مهمشا‭ ‬ولا‭ ‬نكرة‭ ‬وإنما‭ ‬له‭ ‬وجوده‭ ‬وكيانه،‭ ‬ولرأيه‭ ‬أهمية‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬بسيطا‭"‬‭.‬
وتنوه‭ ‬أبو‭ ‬ليل‭ ‬إلى‭ ‬أمر‭ ‬مهم‭ ‬تلمسه‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬أولياء‭ ‬الأمور‭ ‬بأنهم‭ ‬يعتبرون‭ ‬إبداء‭ ‬رأي‭ ‬طفلهم‭ ‬“أمرا‭ ‬سيئا”،‭ ‬وأن‭ ‬الطفل‭ ‬المؤدب‭ ‬هو‭ ‬المنقاد‭ ‬لآراء‭ ‬أهله‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬أبيه‭ ‬ومن‭ ‬أستاذه‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬صاحب‭ ‬عمله‭ ‬وخوفا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬سلطة‭ ‬أعلى‭ ‬منه،‭ ‬وبالتالي‭ ‬سيصبح‭ ‬فردا‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إبداء‭ ‬رأيه‭. ‬
وتشدد‭ ‬أبو‭ ‬ليل‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تعليم‭ ‬الطفل‭ ‬كيفية‭ ‬التحاور‭ ‬وكيف‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬اراء‭ ‬الأطفال‭ ‬الآخرين،‭ ‬والتي‭ ‬تكون‭ ‬معاكسة‭ ‬لرأيه،‭ ‬وكيف‭ ‬يحترمها‭ ‬ويناقشها،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬الإحساس‭ ‬بأهمية‭ ‬رأيه‭ ‬ورأي‭ ‬من‭ ‬حوله‭.‬
وتنوه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأهالي‭ ‬والمربين‭ ‬لو‭ ‬اتبعوا‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نبني‭ ‬جيلا‭ ‬لديه‭ ‬الثقة‭ ‬بنفسه‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إبداء‭ ‬رأيه‭ ‬وقبول‭ ‬الآخر،‭ ‬وهذا‭ ‬يحتاج‭ ‬لزمن‭ ‬وجهد‭ ‬متكاتف‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭.‬

موقع الغد

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل