27 Oct 2014
"يوم أصبح ابني ولداً خجولاً"
"يوم أصبح ابني ولداً خجولاً"

"كان رامي ولداً مرحاً، اجتماعياً محبّاً للآخرين. مع دخوله إلى المدرسة، تبدت عليه ملامح غريبة، غيّرت انطباعه وبدّلت سلوكه، فأصبح يجلس بيننا كالصنم، يراقب كلاً منّا، يصغي إلى أحاديثنا، نوجّه له الكلام لكنّه يلتزم الصمت وتحمرّ وجنتاه. رامي أصبح ولداً خجولاً منطوياً على نفسه. ابني مريض؟ ماذا أفعل؟" تتضارب الآراء في ما يختص بالخجل. فبالنسبة إلى البعض، الخجل سمة يرثها الأطفال عن أهلهم وأفراد عائلاتهم، وهي بالنسبة إلى البعض الآخر سمة يولّدها المجتمع لدى الفرد نتيجة بعض العوامل المحيطة به. ولكن ما حقيقة الأمر؟

أصل الخجل علمياً:

لم تثبت البحوث وجود أيّ جين للخجل لدى الإنسان، إنما أشارت إلى وجود نزعة إلى الخجل. في هذا السياق، يوضح Jérome Kagan من جامعة هارفرد الأميركية إلى أن 15 إلى 20% من الأطفال، يولدون وهم يحملون معهم هذه النزعة. يقدّم هؤلاء لمحة عصبية كيميائية معيّنة، إذ تكون اللوزة الدماغية لديهم حساسة في المواقف العصبية. لا يمكننا، إذاً، الجزم أنّ الخجل موروث فيزيولوجي، والدليل على ذلك أن التسبب بالخجل للفرد يحصل من خلال التحدّث عن حسناته ومدحه وليس عن سيئاته أو ذمّه. فالخجل يكمن في عدم تقبل الفرد رأي الآخر، إيجابياً كان أم سلبياً تجاهه.

العائلة والمحيط:

إن البيئة الأسرية التي ينمو فيها الولد ويترعرع تؤثّر في توليد الخجل لديه. فإذا كان الأهل خجولين بطبعهم، سينقلون هذه السمة إلى أولادهم بالإضافة إلى مخاوفهم وأنماطهم السلوكية. كما أنّ الأهل الصارمين جدّاً قد يكونون مسؤولين عن خجل أولادهم. والعكس كذلك صحيح، فالأهل الذين يدلّعون أولادهم كثيراً ويمدحونهم بشكل فائض، قد يجعلونهم عرضة للخجل، لأنه في كلتا الحالتين، يتمّ قمع رغبة الطفل وحبسه في قوقعة مثالية لا يرغب في التواجد داخلها. أضف إلى ذلك تأثير علاقة الوالدين الواحد بالآخر في أولادهما: فإذا كان الأهل لا ينعمون بعلاقة ثابتة، فيها الحبّ والمودة والاحترام، سيؤثر ذلك سلباً في الطفل الذي لن يتلقى منهما جواباً واضحاً عن أسئلته، وسيظهر حالة من الضياع ويعجز عن إثبات نفسه. وفي هذا الإطار، يوضح فرويد أنّ الخجل يعني الخوف من الهجر. يظهر هذا الخوف بشكل طبيعي في مراحل النمو أي في الطفولة والمراهقة، إنما في حال استمرّت ظهور عوارض الخجل في سنّ البلوغ وفي طريقة غريبة وكثيفة، يعني هذا وجود مشكلة يجب حلّها. والخجل ليس ثمرة صدمة معيّنة، ولا خطأ ارتكبه أحد الوالدين، إنّما هو حصيلة آليات نفسية تتشكّل مع الوقت.

وفي حديث لـ "النهار"، توضح المعالجة النفسية كارولين تابت أنّ الخجل نوعان. فقد يكون من جهة طبيعياً، والمقصود هنا هو الخجل الذي يصيب الاولاد عند وعيهم وتفتّحهم على الحياة. فيصبح الولد بالتالي خجولاً عند وعيه، ويعتبر هذا الخجل طبيعياً إن لم يكن يتعارض مع سعادته وتصرّفاته، إذ بإمكانه أن يتخطّى هذا الخجل عند انخراطه مع المجموعة. ولكن في حال كان يرافق هذا الخجل الطفل لمرحلة طويلة من حياته ويؤثر فيها، فلا يتمكن الولد من تسميع دروسه في الصف أو من اللعب مع أصدقائه. فيحمل الخجل معه القلق، وهذا هو النوع الثاني من الخجل.

وهناك بحسب تابت ثلاثة عوامل تؤدي إلى الخجل وهي العوامل الجينية الوراثية المتعلّقة بالطبع، العوامل التربوية، والعوامل الحياتية أي التجارب التي يتعامل معها. فقد يخجل الولد في سنّ المراهقة لا إرادياً، وقد يتعرّض لإهانات أو كلمات جارحة بحقه، ما يولد عوامل سلبية تسببّ له الخجل وتؤثر في نمو شخصيته. وتعتبر هذه الحوادث من المغامرات السلبية التي يخوضها الولد في هذا السنّ، خصوصاً في ظلّ غياب البيئة التربوية وعدم توجيه الاولاد إلى الطريق السليم والسلوك المحبّذ به كإيقافه عن الخطأ مثلاً. فقد يعيش الولد في عائلة يغيب التواصل فيها، أو قد يكون تلميذاً في مدرسة ليس لديها إدراك لهذه الأمور ولا تعطي للتواصل مع التلميذ أيّ أهميّة. كذلك، هناك بعض المجتمعات والثقافات الذي يمارس ضغطاً على الولد، فلا يسمح بأن يتكون لديه سلوك معيّن، فيطالب بشيء يفوق طاقته مما يؤثر في شخصيته.

وتضيف تابت أنّ علاج الخجل مرتبط بأسبابه. فإذا كان الولد قد تعرّض لصدمة معيّنة، يجب التواصل معه، تشجيعه على إثبات نفسه، حمايته وحتى معالجته نفسياً. فإنّ كلّ ولد خجول لدرجة القلق، تكون لديه مجموعة من الأفكار التي تقيّد سلوكه وتحجب عنه الراحة. من هنا، يجب على الولد أن يخضع لعلاج نفسي، ليتعرّف إلى هذه الأفكار، يشكك بصدقيتها، ويصححها. وقد ينبع الخجل من غياب المهارات الاجتماعية التي تمكّن الولد من ان يكون اجتماعياً، فلا يكون معوّداً على الانخراط والاندماج . في هذه الحال، يجب تنمية لديه مهارات اجتماعية تساعده في كسب الثقة بنفسه، كالمهارات اللغوية في حال كان الطفل قليل التكلّم لأنه لا يجد الكلمات اللازمة ليعبّر عن آرائه.

النهار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل