09 Oct 2014
الطفل الموهوب وسبل التعامل معه
الطفل الموهوب وسبل التعامل معه

كلّ الأطفال أذكياء إذا إحترمنا نمط تفكير كلّ واحد منهم وإيقاع إستيعابه! بيد أنّ البعض يتمتّع بقدرة عالية على الإبداع فكرياً معرفياً في مجالات محدّدة. من هنا، تختلف نسبة الذكاء، وسرعة النموّ الذهني والقدرات العقليّة، لتظهر علامات فارقة تميّز ولداً عن سواه. لكن ما الفرق علمياً بين الذكاء والتفوّق؟ متى يصنّف الطفل على أنه يتمتّع بقدرة إستثنائية أو بذكاء خارق؟

من جهة أخرى، إنّ هذه الأقليّة من الأشخاص في المجتمع بحاجة إلى معاملة خاصة وتعاون ما بين العائلة والمدرسة والمرشد الإجتماعي والنفسيّ لسهولة الدمج مع الآخرين، بسبب التباين الحاصل ما بين النمو الذهني والنموّ العاطفيّ والعمري. فكيف يتمّ التعامل مع ذوي المعدّل الذكائي العالي؟

يمكن القول إنّ الذكاء عبارة عن قدرة ذهنية تعكس قدرة الشخص على إستيعاب المعلومات وتحليلها. وهي تحسّن نوعية التعلّم والفهم وترتبط إرتباطاً وثيقاً بالتصرّف اليومي وتؤثَر في السلوك.

من جهة أخرى، يتمتّع أصحاب الذكاء المرتفع أو العالي بمظاهر مختلفة متعلّقة بالموهبة والقدرة على الإبداع. ويشكّل هؤلاء نسبة ضئيلة في المجتمعات ولكن البيئة الحاضنة وبعض العوامل قد تؤثر سلبياً أو إيجابياً في ذكاء الطفل وتطوّره.
تتحدث الإختصاصيّة في علم التربية رامونا أسمر عن الطفل الموهوب ومميّزاته وإحتياجاته الخاصة وسُبل دمجه مع أقرانه.
كما تتطرّق الإختصاصيّة في علم الإجتماع ساندرا جبّور إلى الشقّ الإجتماعي والنفسي والعائليّ، عارضةً لأبرز المشاكل والعوائق التي قد تصادفه والحلول المؤاتية لها.

مؤشّرات الذكاء

من أهمّ الصفات التي يتمتّع بها الطفل الذكي، الفضول وحبّ الإكتشاف منذ الصغر، والإستمتاع باللعب والسعادة. تقول أسمر «إنّ الطفل الموهوب Gifted هو الذي يتمتّع بقدرة إستثنائية أو بإستعداد فطريّ غير عاديّ، موروثاً كان أو مكتسباً. يُظهر هذا الطفل قدرة عالية على الإبداع والإلتزام بأداء المهمّات المطلوبة منه».
تضيف: «يتمتّع الطفل الموهوب ببعض الخصائص التي تميّزه عن سواه، إذ يفوق مستوى نموّه الجسديّ المستوى العادي، فيمشي ويتكلّم في سنّ أبكر، كما نلحظ نضجاً جسدياً أبكر لسنّه. أمّا من حيث المعرفة، فيكون نموّه العقليّ أسرع منه لدى أقرانه، كما أنّ عمره العقليّ يكون أكبر من عمره الزمني. فيكون قويّ الذاكرة، محباً للإكتشاف والإستطلاع، عنده حسّ الفضول الإيجابيّ واليقظة ودقّة الملاحظة. ويتمتّع بسرعة الإستجابة والقدرة العالية على إختراع سُبُل لعب جديدة لألعاب معروفة أو قديمة، كما يفهم معاني الكلمات ويفكّر بمنطق رغم صغر سنّه ويتعلّم القراءة في سنّ مبكرة ويتمتع بحصيلة لغوية كبيرة وشغف كبير للمطالعة».

قياس نسبة الذكاء

تختلف إختبارات قياس ذكاء الأطفال حسب العمر. وهي تحتاج إلى خبير بغية إجرائها وتحليلها وتفسيرها. وعادة تُجرى هذه الإختبارات وأبرزها الIQ test للمساعدة على تحديد الوضع الدراسي الملائم للطفل وتسهيل إستخدام الأساليب التعليمية. وغالباً ما يُستعان بها في حال ملاحظة نموّ وتطوّر متأخّر وغير طبيعيّ، أو على العكس تميّز مبكر وغير عادي. وكلّما كان التعرّف مبكراً، كان ذلك أفضل، لمحاولة دمج الطفل مع رفاقه مع مراعاة وضعه الخاص.

وراثة وتربية

تؤثر البيئة والعائلة والتربية بشكل عام على تنمية الذكاء أو تقليصه! فصحيح أنّه غالباً ما يكون بالفطرة، متوارثاً ومتناقلاً في العائلة، لكنه بحاجة إلى المتابعة والإحاطة الكاملة.
تفسّر أسمر: «تقع المسؤولية على عاتق الأهل للمتابعة والإحاطة بالطفل الموهوب منذ صغره، حتى تنمو قدراته وتتطوّر مواهبه. فإختيار نوعيّة ألعاب ذات طابع ذهني وفكريّ تثقيفيّ ، وأخرى تحتوي على الألوان والأشكال المختلفة، من المحفّزات التي تشجّع إهتمام الطفل وتنمّي فضوله. كما يمكن توجيهه إلى الموسيقى بمختلف أنواعها، إضافةً إلى توفير مساحة لعب حرّ وإكتشاف. كما انّ القراءة عن مختلف المواضيع، والرياضة بكل أنواعها تعطي الدفع اللازم إلى الأمام».
أمّا المعوّقات التي قد «تدمّر الذكاء» وتقلّص من موهبة الولد، فهي بحسب أسمر «تركه وحيداً لفترات طويلة من الوقت، إلهائه بالتلفزيون والألعاب الإلكترونية لساعات عديدة، سوء التغذية، قلّة النوم، التوبيخ المستمرّ والضرب». فالدماغ مثل العضلات، إذا لم تستخدمه سوف يتراجع ويضمر.

جانب نفسيّ إجتماعيّ

تقول جبّور: «إنّ الطفل الموهوب أكثر حساسيّة من سواه وأكثر إستقلالية ومحبّ للقيادة. كما يتمتّع بقدرة على تكوين علاقات إجتماعية جيّدة، لكنه يميل إلى إختيار رفاق أكبر منه سناً ليتوافق معه فكرياً. كما هو قادر على التكيّف مع أيّ بيئة ويتقيّد بالقواعد والقوانين في الألعاب ويتمتّع بقدرة عالية على إنتقاد الذات.
لكنه في المقابل سريع الإنفعال بسبب التباين بين نموّه الذهني ونموّه الإنفعالي العاطفي. إذ إنّ قدراته العقليّة متفوّقة على سنّه، وأمّا تلك العاطفية فمماثلة لأبناء جيله».
تتابع: «يمكن أن يعاني من صعوبة إجماعية أو حتى أكاديمية في التكيّف، بسبب الإختلاف في حال نقص الإهتمام والعناية. كما قد يشعر بالإحباط وعدم الإستقرار النفسي والشعور بالأمان والتذمّر من القيود الصارمة التي تعوق دونما إنطلاقته. لذلك لا بدّ من محاولة إحتوائه فكرياً وإنفعالياً».

دمج وتعاون

تؤكّد أسمر «وجوب وضع برنامج تربويّ ومنهجيّة تناسب مستوى ذكاء الأفراد الذين يتمتعون بذكاء عالٍ. كما من الجوهريّ التعامل بمرونة في البرامج التعليمية مع هؤلاء الأشخاص، كالسماح لهم بالإنتساب باكراً إلى المدرسة أو تجاوز صفوف والإنضمام إلى صفوف أعلى أو حتى متابعة مناهج ومقرّرات مدرسيّة أعلى». فالمدرسة هي البيئة الإجتماعية التعليمية الحاضنة التي تصقل المهارات وتنمّي الذكاء وتطوّر الخبرات الإجتماعية.
تضيف أسمر: «إنّ إختيار معلّمين لإختصاصيين مدرّبين على التعامل مع الأولاد ذوي الذكاء المرتفع أساسيّ لمساعدتهم على المتابعة وللإحاطة بهم من كل الجوانب. فالخبرة في التعليم والنضج والشخصيّة الرصينة من أبرز ما يجب أن يتحلّى به التعليميون المحيطون بهؤلاء التلامذة. كما يجب التنسيق مع الإختصاصيين المدرّبين على تحليل النتائج وإستخلاص المؤشرات اللازمة عبر القيام بإختبارات موضوعية مثل إختبارات الذكاء، وإختبارات القدرة على التفكير الإبداعي، وإختبارت القدرة العقلية وغيرها».
وتلفت إلى وجوب «التنسيق أيضاً مع الأهل والمرشد الإجتماعي لدعم الولد وتعزيز ثقته بنفسه وتحفيز قدراته ومساعدته على تقبّل الإختلاف».

دور الأهل

في عصر الإنترنت والعولمة، بات من السهل الحصول على مختلف المعلومات والإستشارات النفسية او الإجتماعية أو التربوية. إنّ الجوّ العائلي المتوازن هو أفضل ما يمكن تأمينه للولد للإنخراط التام مع إخوته وأهله. كما يمكن للأهل أن يخضعوا لدورات متخصّصة في تربية الأطفال الموهوبين، عبر الإنترنت أو حتى في معاهد خاصة.

وتقول جبّور: «على الأهل أن يعملوا على تعزيز ثقة الولد بنفسه وتشجيعه على تنمية مهاراته. كما عليهم أن يقنعوه أنه قادرة على مواجهة وحلّ أيّ معضلة تعترضه. وعليهم أن يعلّموه إحترام تباين وجهات النظر وإختلافه عن سواه فكرياً». كما يجب الإهتمام بالذكاء العاطفي للولد عبر توفير مناخ عاطفيّ ملائم للتعامل مع مختلف المشاعر التي يحسّ بها لبناء علاقات إجتماعية سليمة. ولا تجوز المقارنة نهائياً مع إخوته أو أصدقائه، لأنها سوف تنعكس سلبياً على العلاقات بينهم.

من جهة أخرى، تقول أسمر «إنّ مكافاة السلوك الجيّد وتوفير مساحات لعب وتأمين ما ينمّي الموهبة ويصقلها يصبّ في خانة الدعم المعنوي والعائليّ. فالحديث بشفافية حول ما يشعر به من إختلاف أمر أساسيّ. كما أنّ مساعدته على التكيّف والتواصل الإجتماعي مع الآخرين والإنصات إلى مخاوفه وقلقه والعمل على توفير إحتياجاته الخاصة والإهتمام بميوله المعرفية وحاجاته العقلية، تعزّز أواصر التعاون العائلي».

ويبقى الأهمّ هو التعبير عن المحبّة داخل الأسرة والإهتمام بكلّ فرد فيها والمساواة في التعامل مع الإخوة، والأخذ في الإعتبار أنّ الطفل الموهوب هو: طفل أولاً وموهوب ثانياً! فلا يجوز حرمانه من طفولته أو الحكم عليه ومعاملته مثل الراشدين.

هل تعلم؟

الطفل الموهوب ليس خارقاً في كلّ الأوقات والمجالات. فلا يجوز أن تكون التوقعات مرتفعة لأدائه في كل المجالات.
الطفل الموهوب يعاني من نموّ غير متناغم، إذ هناك فجوة بين النمو العقليّ والنموّ الإجتماعي والعاطفي.
يتمتّع الطفل الموهوب بتركيبة سيكولوجية خاصة ويكوّن عالماً داخلياً فريداً ويسأل أسئلة وجودية وكونية منذ سنّ صغيرة.
لا يجوز الضغط على الطفل الموهوب بل يجب تشجيعه على السعي للتميّز وليس لبلوغ الكمال.

مجلة لها

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل