29 Mar 2014
العربيّة مكروهة والاستعمار بريء!
العربيّة مكروهة والاستعمار بريء!

هذه العبارة كتبت على لوح في إحدى الجامعات

أخفق المحدّثون اللغويّون عبر العصور في جعل اللغة العربية محبّبة لدى أبنائها تحديداً. تبدو طرائق تعليم اللغة الأم ضرباً من الأشغال الشاقة التي يهرب منها التلامذة إلى لغات أكثر سلاسة وتشويقاً، في حين تعمد السياسة التربوية الرسمية الى محاربتها بتقليص عدد ساعاتها والتركيز على تعقيدات القواعد أكثر من الجانب الجمالي والفريد للغة العربية

اللغة العربية مكروهة من أبنائها. لا يأتي هذا الكلام من فراغ، بل بات قناعة مشتركة يمكن تلمّسها في نقاشات المدرّسين والأدباء والشعراء والمحدّثين اللغويين. مفجع بالنسبة إلى المهتمين بأحوال العربية أن تكون اللغة مريضة وأن يتم التصرف معها كما لو كانت بخير.

وإذا كان هناك من لا يزال يقف عند حدود أنّها لغة استطاعت احتضان الهموم الوطنية والقومية وتجسيد الإبداعات العربية في العلوم والطب، فالحرص على التراث، بحسب البعض الآخر، لا يكون باعتماد سياسة النعامة في التعامل مع ما آلت إليه اللغة اليوم، ولا يكون بتحنيطها، بل بتطويرها وجعلها قادرة على مجاراة الحياة ومواجهة تحديات العصر. برأي هذا البعض، لم تنجح حركات التحديث التي قام بها عدد من اللغويين والمربين العرب عبر العصور، بدليل أن العربية تتقهقر باستمرار استناداً إلى النتائج الميدانية في المدارس والجامعات وما يقع عليه المهتمون من «أخطاء قاتلة» في الصحف ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة وما يسمعونه في خطب المسؤولين السياسيين «التي تفاقم فيها اللحن واستشرى».

ما سبب كل هذا الكره للعربية والهروب من تعلمها، والابتعاد عن التحدث بها؟ هل هي فعلاً لغة صعبة، أم أنّ طرق تدريسها لا تزال ضرباً من الأشغال الشاقة؟ كانت هذه إحدى أبرز الإشكاليات التي طرحت في حلقة نقاشية نظمها المنتدى القومي العربي في «دار الندوة».

عدد الذين يتقنون العربية في نهاية المرحلة الثانوية أقل بكثير من عدد الذين يتقنون لغة أجنبية في المرحلة ذاتها، ينطلق الشاعر أنطوان رعد من هذا المعطى ليقول إنّ خللاً ما يعتري بنية اللغة وتدريسها. يقرّ رعد بأنّ العربية لغة صعبة لمجرد أنّها مُعرَبَة (أي أن حركة إعراب الكلمات فيها تتغير بحسب موقعها في الجملة، أو أنّ الحركة تغيّر معنى الكلمة) وأنّ قواعدها معقدة. ومن المفارقات الغريبة التي يسجلها بعد 27 عاماً من التدريس في مجموعة من المدارس الخاصة، أن امتلاك القواعد لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على الكتابة السليمة أو التحدث بسهولة ويسر «فاللغة التي نحكيها اليوم تختلف اختلافاً شاسعاً عن اللغة التي نكتب فيها».

يذكر أن أحد تلامذته كان يبذل كل ما في وسعه كي لا تأتي نتيجته في العربية مخيّبة للآمال. كان مثال التلميذ المواظب الذي يصغي إلى الدرس باهتمام. ولئن نجح في امتلاك القواعد، فقد فشل فشلاً ذريعاً في كتابة الإنشاء، إذ لم تكن علامته التشجيعية في هذه المادة تتجاوز 6 من 20، في حين أن علامته المستحقة في مسابقات القواعد لم تهبط عن 16 من 20. الحالة كانت بالنسبة إلى رعد محطة للتأمل في المناهج حتى الجديدة منها «التي تجعل من التلميذ آلة تسجيل تردد ما سمعته، إضافة إلى استمرار تفشي ظاهرة الحفظ حرفياً في مدارسنا وجامعاتنا». ولما كان التلميذ يسعى إلى النجاح في الامتحانات الرسمية بأي ثمن، فهو يجد نفسه مضطراً إلى اعتماد الحفظ لأنّه أجدى وأضمن، بحسب رعد. هكذا ينجح التلامذة في الامتحانات ويفشلون في امتلاك اللغة. يسأل: «كيف نريد من أولادنا أن يقبلوا على دراسة العربية بشغف، ونحن نغدق عليهم المنغّصات من دون حساب؟». ينفّر التلامذة، كما يقول، التركيز على متاهات ترهقهم وافتراض حالات وهمية لا يقعون عليها في ما يطالعونه نثراً أو شعراً مثل التصغير والإعلال بالتسكين وقواعد العدد الأصلي والمركب ولا النافية للجنس، الخ. العربية تحتاج إلى تيسيرها بوسائل سمعية وبصرية والتركيز على الجانب الموسيقي الجميل في اللغة ورفد التلامذة بكتب مطالعة تنسجم مع تطلعاتهم.

الكتب المدرسية الخاصة باللغة العربية لا تغري التلامذة، على عكس كتب اللغة الأجنبية، سواء كانت فرنسية أو إنكليزية، هذا ما قاله مشاركون كثر في الندوة. النصوص المطروحة في الكتاب ليست جميلة وليست مشوقة، بحسب تعبير معلمة اللغة العربية جاندارك أبي عقل. أزمة العربية تتطلب مواجهتها بعقلانية وصدق، يستدرك رعد «فالأساليب التربوية المتبعة، وليس الاستعمار كما يحلو للكثيرين التذرع به، هي المسؤولة عن تنفير التلامذة من لغتهم».

لا يوافق الباحث اللغوي د. جوزيف الياس على أن محنة العربية تكمن في كونها لغة صعبة، بل إنّ «حلية العربية أنّها مُعرَبَة». برأيه، المحنة في مكان آخر، إذ ضربت السياسة التربوية الرسمية اللغة العربية إن من خلال المناهج والكتب المدرسية التي تحتاج إلى إعادة نظر «إذ كيف تصدر عن المركز التربوي للبحوث والإنماء كتب مليئة بالأخطاء، مع أنّه يفترض أن من يكتبها هم أساتذة جامعيون». الضربة الثانية تمثلت في تقليص ساعات التدريس لصالح اللغات الأجنبية، فيما كان الأنكى أنّ يعثر الطلاب في امتحاناتهم الرسمية على نصوص مترجمة وغير مرتبطة بواقعهم.

ومع ذلك، فالتعليم ليس منهجاً تربوياً وكتباً فحسب، فللمعلم دور مفصلي في جعل المادة محببة لدى التلميذ وتحفيزه على التعلق بها. المشكلة الكبرى، بحسب الياس، هي الثنائية بين العامية والفصحى. يقول: «لا أفهم كيف أنّ معلماً أو حتى أستاذاً جامعياً يشرح درساً في اللغة العربية باللهجة العامية».

الأخطاء اللغوية في الإعلام ليست منفصلة عن التعليم، يؤكد الياس. هو يرصد منذ 30 عاماً الأخطاء في الصحف والمؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة ولا يتردد في إرسال الملاحظات إلى المسؤولين عن التحرير فيها. يفهم الباحث أن تقع هفوة مرة أو مرتين، لكن أن تتكرر لتصبح خطأً ثابتاً وليس خطأ شائعاً كما يحلو للبعض تسميته، فهذا ليس مقبولاً. اسم الشرط لا يجزم الفعل في الإعلام. يعثر المراقب دائماً على عبارة «من يريد أن يفعل كذا وليس من يُرد». برأيه، الحاجة ماسة لتدريب المذيعين والمذيعات واعتماد قارئ لغوي متمكن في الصحف وكل الوسائل الأخرى.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل