19 Mar 2014
كتاب "تعلّمية اللغة العربية" لأنطوان صيّاح تفتح الآفاق أمام المربّين وترسّخ حبّ اللغة
كتاب "تعلّمية اللغة العربية" لأنطوان صيّاح  تفتح الآفاق أمام المربّين وترسّخ حبّ اللغة

يشير الباحث الدكتور أنطوان صياح، في مقدمة كتابه "تعلّمية اللغة العربية" الصادر عن "دار النهضة العربية"، الى أنّ "الهمّ المقيم الذي كان وراء هذا الكتاب تطويع العلم الحديث النابع من الأبحاث اللغوية واللغوية التربوية والنفسية في خدمة معلّمي اللغة العربية ومتعلّميها".

يضمّ الكتاب الجديد عددا من الدراسات يصحّ أن تكون كلّ منها كتابا أو أطروحة بذاتها، من مثل مناهج اللغة العربية، تعلّمية التعبير الشفهي، تعلّمية القراءة في الحلقة الأولى من المرحلة الابتدائية، وتعلمية القراءة في الحلقة الثانية من المرحلة الابتدائية.

لا بدّ من طرح السؤال الذي يخامر المشتغل في ميدان التعليم، أو المعنيّ بتعليم اللغة العربية: هل ثمة طريقة أو وسيلة فذّة تؤثّر في التلميذ، الذي صار اسمه المتعلّم، فتجعله محبّا اللغة، منصرفا إليها، منشغلا بها، مشغوفا بتلاوينها، وساعيا الى التعبير عن مشاعره وأفكاره وأطروحاته بها، مستخدما تراكيبها وأصواتها وصورها وإيقاعاتها، إثباتا لذاته، بعدما كان المربّون لطالما اعتبروا تعليم اللغة قراءة وكتابة مجرّد موهبة أو نعمة تهبط من علُ، ولا قبلَ للمعلّمين بها؟ نعم، لو فاتشنا بعض المعلّمين والمعلّمات في مسألة تعلّم القراءة والكتابة، لقالوا إنّ الأمر مجرّد استعداد مسبق لدى التلميذ، وإنّ ما عليهم سوى أن يرددوا العبارات والقواعد حتّى يحفظها ويصير قادرا على القراءة والكتابة.

للإجابة عن هذا التساؤل، أعود الى سقراط فأقول بما معناه أنّ على التلميذ أو المتعلّم أن يحصّل معرفته بنفسه، وهو قادرٌ على ذلك. وهذا ما انتهى اليه أحد كبار علماء نفس اللغة فيغوتسكي، أوائل القرن العشرين، ولحق به آخرون، في أنّ التعلّم واكتساب المعارف والعلوم شأنُ المتعلّم، وأنّ في مقدور المتعلّم أن يبني معرفته بنفسه، بمعونة المعلّم. بيد أنّ هذه الإجابة، على بساطتها، تستتبع أسئلة أخرى: هل يكفي أن يريد المتعلّم بناء معرفته بنفسه ليحصل له ذلك؟

وهل ثمة طريقة فريدة، بل سحرية، تحوّل الطالب الى متعلّم، ينهل العلم من مصادره ولا يحول دونه حائل؟ ثمّ هل يبطل دور المعلّم عندها، وما حدود تدخّله في سعي الطالب الى بناء معرفته بذاته؟ وما هي السمات التي يحسن أن يكون عليها هذا المعلّم؟ وكثير من الأسئلة الأخرى، التي معناها المستمدّ من أصل الكلمة اللاتيني "العصاميّ، ومعلّم نفسه"، باتت اليوم (Didactique) التعلّمية أو الديداكتيك عنوانا لعلم جامع تحت رايته العديد من العلوم الإنسانية.

يرى صيّاح أن ثمة تعلّمية للتعبير الشفهي جديرة بأن تُظهّر وتُحقّق لصالح المتعلّم العربي، وأنّ ثمة تعلّمية للقراءة، لا تقي الطالب العربي شرّ الأمّية فحسب، بل تفتح له أيضا، السبل الى بناء معارفه وصولا الى الخلق. من اللافت في هذه الدراسة أنّ الباحث يؤثر الكلام على اللغة الشفهية، من دون التعبير الشفهي، لأنّ الأولى تشكّل "الحيّز الأكبر من الاستعمال اللغوي اليومي"، ويمضي الى تعيين مكوّنات اللغة الشفهية، وهي المكوّن الصوتي والمكوّن اللساني (الصرف والنحو والمعجم والدلالة) والمكوّن النصّي –الخطابي، والمكوّن الحواري، والتداولي.

ويعرض لأهمّ المستلزمات التي تتحقق معها تعلّمية اللغة الشفهية، من مثل: الجوّ الصفي المنفتح، والتزام أصول الحوار والنقاش، وتدريب المتعلّمين على الارتجال وعلى إقناع زملائهم بأفكارهم، وغيرها. يعالج الباحث في الفصلين الثالث والرابع مسألة تعلّمية القراءة، في الحلقتين الأولى والثانية، بادئا بعرض أهداف تعليم القراءة، ومهارات الإصغاء والتحدّث، منتقلاً الى تحديد مراحل القراءة: مرحلة التهيّؤ للقراءة، تليها مرحلة القراءة الاستكشافية، ومن ثم القراءة المنظّمة المستنفدة، ومرحلة انفتاح القراءة، وصولا الى الإبداع.

اللافت في هذه الدراسة، غزارة المراجع العلمية، الفرنسية منها والانكليزية، الى العربية، التي تجعل القارئ ينفتح على المراجع الوفيرة لأجل التعمّق في جانب من المسألة (القراءة) ما كان المتن ليتوسّع فيه. وإذ يشير الى تعلّمية الكتابة في المرحلة الابتدائية مؤثِرا إياها على "التعبير الكتابي"، فإنّه يبدو ضنينا بالكتابة، باعتبارها فعلا حِرَفيا "يتطلّب ممارسة يومية" وانخراطا واعيا من المتعلّم في عملية الكتابة، ما يستدعي قدرا متعاظما من تحفيز المتعلّم على يد المعلّم وتخطيطه مسار تعلّم الكتابة، تنويعه النشاطات الكتابية، من أعمال تحريرية بسيطة (الإجابات عن أسئلة القراءة خطيا)، الى ملء الفراغات، فإلى كتابة الأنماط والأنواع ومسارد الحياة وغيرها من النشاطات، مما يكفل إكساب المتعلم، المهارات والمعارف وكفاية الكتابة التي تجعله شخصا حاضرا بقوة في عصره، متفاعلا معه، ومبدعا أشكالا تواصلية وجمالية لازمة في حياته.

الكتاب، وإن كان موجّها في المقام الأوّل الى جمهور الأكاديميين من أساتذة وتلامذة، ومعنيّين بشؤون تعليم اللغة العربية للحلقتين الأولى والثانية، يتجاوزهم الى كلّ معنيّ بمعرفة الحدود التي بلغها تعليم اللغة العربية، في القرن الحادي والعشرين، وتوجهاته المستقبلية.

النهار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل