15 Mar 2014
الحماية المفرطة أسرع وسيلة لصنع جيل معقد نفسيا
الحماية المفرطة أسرع وسيلة لصنع جيل معقد نفسيا

بعض الآباء لا ينتبهون لسلوكهم الخاطئ مع الأبناء، ولا يعلّمونهم كيف يمكن أن تكون للواحد منهم شخصيته المستقلة وأن يتمتع بالثقة في النفس.

تبدأ السلوكيات الخاطئة بالحرص الزائد على سلامة ومصلحة الطفل، وبالتالي القيام بأعمال كثيرة نيابة عنه ليتحول الآباء إلى سجانين يكبلون الابن ويمنعونه عن الحركة، فتكون النتيجة كيانا مشوّها عدوانيا متوترا أو ضعيف الشخصية، وبالتالي يقف الآباء ليسألوا أنفسهم: ماذا نفعل إذن؟ هل نتشدد معه أم نترك الحبل على الغارب؟، لكن تظل السلوكيات الخاطئة مستمرة ويظل هذا الإفراط في حماية الطفل يعني في النهاية أن يكبر في البيت “الرجل الطفل”!

لدينا نموذج ريهام مصطفى التي تبدي دهشتها من محاصرة الآباء والأمهات لأطفالهم قائلة: الوالد مشغول دائما بعمله، أما الأم فهي موظفة بإحدى الجامعات، ولكنها حريصة جدا عليّ، وتدقق دائما في كل ما يخصني، فأمي حرصت منذ فترة رياض الأطفال على منعي من الذهاب إلى الرحلات مع بقية زملائي واستمرت حتى الآن رغم أنني في المرحلة الثانوية، وكانت حجة الأم وأنا طفلة أنني صغيرة ولا أستطيع أن أرعى نفسي أثناء الرحلات، ولكنني الآن كبرت وأستطيع أن أحمي نفسي، ولكنها لا تعترف بذلك.

وتضيف: أمي أيضا لا تعترف بأن الابنة من حقها أن تتبادل الزيارات مع صديقاتها ويكفيها التحدث معهن في التليفون فقط، وبشرط أن يكون ذلك أمامها وهي أيضا ترفض أن أتلقى أية دروس في منزل آخر غير منزلنا، وإذا حدث تصر على أن تصطحبني إلى مكان الدرس بل وتنتظرني أسفل العمارة حتى أنتهي ثم نعود إلى المنزل معا. ورغم اقتناعي بأن ما تفعله أمي هو نوع من الحماية المفرطة بدافع حبها لي، خصوصا مع مداومة أمي على قراءة الحوادث التي تملأ الصحف وأغلبها يحدث بسبب إهمال الوالدين لأبنائهم، ولكن للأسف كل هذا صنع مني في النهاية شخصية مترددة، فأنا بالفعل لا أستطيع اتخاذ قراري بمفردي بل لابد من مشاركة أمي.

الحماية مطلوبة كوقاية ولابد من أن تكون واعية ومعتمدة على الجانب الأخلاقي والديني معا، بحيث نعطي الحرية والمرونة بقدر ما نتجنب الفوضى

ماذا عن رأي علماء النفس والاجتماع ؟ يقول الدكتور سيد صبحي، أستاذ الصحة النفسية، إن الحماية الزائدة تنقلب للضد بعد فترة ولذا ينبغي أن تكون هناك حماية واعية ومتابعة رشيدة وفعالة على أساس أن إيقاع العصر تغلب عليه المادة، مما يترتب عليه ضرورة المتابعة والحماية؛ ولكن ليس بالصورة المتشدّدة التي تجعل الأولاد يعيشون في قفص وتقتل فيهم ملكة الإبداع والإحساس بالاختلاف، فمن الضروري العمل على تكوين مفهوم الذات بالتعامل مع الآخرين، مما يساهم في تكون الخبرة لديهم، ولكن عندما نحرمهم من ذلك بالحماية المفرطة، سوف نكّون نماذج لا تستطيع مواجهة المجتمع ولا تؤدي دورها بالمهارة المطلوبة، فنحن بحاجة إلى الحماية الواعية التي لا تخرج عن أصول الرعاية السليمة، بالإضافة إلى مراعاة اختلاف الرعاية حسب المرحلة العمرية، فالرعاية والمتابعة تختلفان في سن الروضة عن سن المراهقة.

ويضيف صبحي، في سن الشباب مثلا، عندما يشب الطفل ويدخل الجامعة لابد من أن تكون له شخصيته، فيعبر عن رأيه، وتتاح له حرية انتقاء ملابسه، كذلك كتبه ومستلزماته وأصدقائه، ويكون دور الوالدين هو المتابعة غير المباشرة والتدخل لا يكون إلا في حالات الضرورة القصوى ودون أن نلغي شخصية الشاب، مؤكدا على أن أغلب الحالات المرضية في سن منتصف العمر والتي تعاني من وساوس وتردد، في الغالب تُعرض في سن صغيرة إلى قهر نفسي نتيجة التربية الخاطئة.

ويشرح الدكتور فكري عبدالعزيز، أستاذ الطب النفسي، قائلاً: الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة كثير التقليد والمحاكاة والحركة الزائدة وتكوين الأصدقاء والجماعات، وذلك بغرض اكتساب الخبرة من المحيطين، وممّن هم في حكم سنه، والطفل في هذه المرحلة كثير المطالب والإلحاح والاستفسارات، ويحتاج من الأهل دائما لمعلومات مبسطة وإجابات لاستفساراته وتشجيع قدراته وإمكانياته، لكن الإفراط يعني التدليل وبالتالي عدم الاعتماد على النفس، فيصبح الطفل مستهترا يطلب تحقيق الاستجابة لما يريده فورا وبأية وسيلة، ويمكن بهذا الشكل أن يؤذي نفسه والمحيطين به، بينما القسوة والحرمان يدفعان الطفل للانزواء والاكتئاب والخوف، وما يصاحب ذلك من اضطرابات في النوم وكوابيس، بالإضافة إلى التبول اللاإرادي وقضم الأظافر ومص الأصابع.

الحماية الزائدة تنقلب للضد بعد فترة، ولذا ينبغي أن تكون هناك حماية واعية ومتابعة رشيدة وفعالة على أساس أن إيقاع العصر تغلب عليه المادة

مشيرا إلى بعض الأسر التي لا تعرف كيف تربي أبناءها، وتعتبر كل مسؤوليتها هي توفير الطعام والغذاء والملبس لهم فقط، بينما هناك أسر أخرى تهتم بكل التفاصيل، في النوع الأول سنجد الأم تترك طفلها يلعب في أي مكان وتذهب هي لقضاء احتياجاتها وفي النوع الثاني سنجدها تصطحبه إلى مكان ولا تفارقه إلا عند النوم أو الدرس وكلها سلوكيات خاطئة والمطلوب أولا هو أن نعلّم الطفل كيف يكون واعيا في علاقاته بالآخرين؟ وأن نصنع منه إنسانا اجتماعيا يحب الآخرين، ويعتمد على نفسه، فمنذ صغره لابد من أن تمنحه الأم فرصة أن يقف بمفرده وتساعده إذا سقط وشيئا فشيئا يتعلم المشي بمفرده وبثقة عالية.

بينما ترى الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، أن الحماية مطلوبة كوقاية، ولابد أن تكون واعية معتمدة على الجانب الأخلاقي والديني معا، بحيث نعطي الحرية والمرونة بقدر ما نتجنب الفوضى مع عدم الاعتماد على القسوة التي تسبب آلاما نفسية أهمها الإصابة بالأمراض العصبية.

جريدة العرب اللندنية

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل