14 Mar 2014
«كيمياء الأدب» وسيلة التداوي بالقراءة
«كيمياء الأدب» وسيلة التداوي بالقراءة

ليست خافية أو جديدة، شهادات وتأكيدات المعنيين، على متعة القراءة وسحر المطالعات الأدبية. ذلك كونها تحيلنا إلى عوالم فريدة، نعيش معها حيوات كثيرة، لا حياة واحدة، وعلاوة عن تشويقها وجماليات ما تبعثه في النفس، فإنها تكسبنا الخبرات الكثيرة، وتمدنا بأدوات معرفة وقدرات إدراك وتجريب، مهمة..

ولكن اللافت في هذا السياق، أن معنيين عديدين، من أدباء ونقاد وأطباء، غدوا يجدون الكتب والقراءة، وسيلة فاعلة في التداوي وتلقي جرعات أمل وتفاعل. إذ، وكما أن العلم الحديث اكتشف منظومة للعلاج النفسي بـ«الموسيقى»، فإن القراءة، وبخاصة قراءة الأعمال الأدبية المختلفة كالروايات والأشعار والقصص القصيرة والمسرحيات وخلافه، وجد متخصصون أنها تلعب الدور ذاته أيضاً، لدرجة أن بعض المصحات النفسية في العالم، شرعت تنصح روادها بـ«قراءة الأدب» كعلاج فعال ومضمون، للتغلب على بعض المشكلات النفسية والأمراض المختلفة.

ربما نجد في هذا الإطار، أنه ليس أدل وأبلغ تعبيراً عن هذه الحالة والحيثية، من توصيف الأديب الراحل، عباس محمود العقاد، حين قال: «لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة، ولكنني أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني، ومهما يأكل الإنسان فإنه لن يأكل بأكثر من معدة واحدة، ومهما يلبس فإنه لن يلبس على غير جسد واحد، ومهما ينتقل في البلاد فإنه لن يستطيع أن يحل في مكانين، ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع أن يجمع الحيوات في عمرٍ واحد، ويستطيع أن يضاعف فكره وشعوره وخياله، كما يتضاعف الشعور بالحب المتبادل، وتتضاعف الصورة بين مرآتين».

تحليل علمي

يبين متخصصون أن القراءة تفيد في جوانب علاج الأفراد من وضع نفسية محددة، لأنها تضع أمام الملتقى عوالم متوازية لعالمه، يخوض فيها، فيقل انحصاره في ذاته، ما ينتج عنه حالة من الصفاء الذهني والسمو النفسي، والارتقاء إلى حد تناسي ما ألم به من أوجاع ومشاعر سلبية من جراء متاعب الحياة، وتصل به إلى حد إشعاره بحالة من الاسترخاء والهدوء العقلي والروحي.

علاج أدبي

اتبعت بعض مراكز الصحة النفسية والعلاج النفسي في بريطانيا، أسلوب المداواة والعلاج بالأدب مع المرضى، ومنها: «مدرسة الحياة» التي أسست في العام 2008، كأول مؤسسة اتبعت فكرة العلاج بالقراءة، إذ تهدف إلى تأكيد أن الأعمال الأدبية، والروايات على وجه التحديد، تحوز مفعول السحر في إحداث تحولات نفسية جذرية عميقة تبلغ تخوم الروح.

وكانت إحدى الوكالات المعنية بشؤون القراءة والكتاب، وهي وكالة «ريدينغ» البريطانية، قد رصدت مجموعة من الكتب التي تسهم في تقديم علاج نفسي للقراء، ومن بينها روايات شهيرة عدة، كما رصدت الوكالة، في الصدد، العديد من الروايات وطبيعة مفعولها «الطبي» المعالج للقارئ، ومنها مثلاً: رواية «العجوز والبحر» لإرنست همنغواي، والتي وصفتها بأنها أقوى «مرهم مهدئ». وهناك أيضاً، كما توضح الوكالة، رواية لعلاج «الصداع»، وأخرى لعلاج «الأرق»، وثالثة لعلاج «الاكتئاب».

علاج للأرق والصداع

يشير الروائي والناقد المصري، جار النبي الحلو، في حديثه عن هذا الموضوع، إلى أن الأعمال الأدبية بوجه عام، سواء كانت الروايات أو المواد القصصية وقصائد الشعر، تشكل علاجاً نفسياً في المقام الأول، ثم يأتي بعد ذلك العلاج العضوي، خاصة أن البعض يعالج «الأرق والصداع» بالإقدام على القراءة قبل النوم.

ويضيف: «الأعمال الأدبية المختلفة ليست علاجاً لبعض الأمراض الجسدية والنفسية للقارئ فقط، لكنها تُشكل علاجاً فعالاً للكاتب نفسه، فالكاتب يستطيع من خلالها أن يُفرغ طاقاته في الكتابة، ويُخرج مشاعره، ويساعد نفسه كإنسان على التحقق وممارسة الحلم الخاص به أو الحلم العام لأمته، كما أنه يعبر عن ذاته، ويفرز شحناته النفسية على الورق، حتى يصل إلى الصفاء والهدوء النفسي..

ومن ثم الراحة الجسدية كذلك». ويوضح الحلو، أن الأعمال الأدبية تؤدي إلى علاج القارئ والكاتب معاً من حالات نفسية سيئة، ومن آلام الاكتئاب، وتدفعهما نحو الاندماج في العالم والمجتمع، عبر معايشة عوالم أخرى خلال أيام طويلة هي بطول فترة كتابة أو قراءة المادة الأدبية، ما يؤدي إلى تنقية النفس من شوائب الروح ومن الكآبة والملل والأرق والصداع أيضاً.

صفاء ذهني وعقلي

يلفت القاص الشاب والصحافي المصري، محمد عبدالكريم، صاحب المجموعة القصصية (زجاج عاكس)، إلى أن الأعمال الأدبية تدفع إلى صفاء ذهني ونفسي، ما يؤدي إلى حدوث حالة من الارتياح الجسدي والاسترخاء، مثلها في ذلك مثل الموسيقى التي تستخدم كذلك للعلاج، فالفن بوجه عام، لديه تأثيرات إيجابية جداً في متذوقه، ولا يلعب دوراً كموضوع للتسلية قط، وذلك كما يعتقد البعض، إذ إن دوره الأكثر أهمية هو كونه يؤثر نفسياً في حياة الجمهور ويسمو بأرواحهم.

ويضيف: «للسبب ذاته، فإن كثيراً من قراء الأدب تنتابهم حالة من (الكآبة الشديدة) عقب أن ينتهوا من قراءة رواية عاشوا معها لفترة طويلة، وربما يعانون من (الأرق) كذلك؛ لأن العمل الأدبي الذي كانوا يقرؤونه حملهم إلى عوالم أخرى غير عالمهم الحالي الذي يعيشونه، ومن ثم وصلوا إلى حالة من الصفاء الذهني والعقلي، جرى ترجمتها على حالتهم النفسية والمزاجية، ومن ثم ترجمت على حالتهم الجسدية كذلك، وبعد أن فرغوا من قراءة ذلك العمل، شعروا بفجوة كبيرة؛ عادوا مُجدداً إلى عالمهم، وافتقدوا لذة ومتعة ما كانوا يقرؤونه».

«تطهير داخلي».. وتجاوب وعوالم تمتع العقل والنفس

تشير الناقدة الأدبية الدكتورة أماني فؤاد إلى ما قاله أرسطو، في ما يعني هذا الموضوع المطروح، «إنك عندما تتلقى عملاً أدبياً، تحدث لك حالة من التطهير الداخلي». وتستدل بهذا القول للتأكيد أن الأدب يلعب دوراً مهماً في العلاج النفسي للقارئ أو المتلقي، خاصة أنه يحمله نحو عوالم أخرى غير عالمه، ويطلعه على تجارب آخرين ينخرط فيها وتصبح جزءاً من اهتماماته الشخصية، ومن ثم لا ينخرط القارئ في دواخل نفسه، فيصبح مهتماً بالاطلاع على تلك العوالم. إلا أن أماني تؤكد، في الوقت ذاته، أن الأدب في المقام الأول، ما هو إلا «متعة عقلية ونفسية»، موضحة أن الأعمال الأدبية تقدم تلك المتعة للمتلقي وللكاتب عينه، ولكن لا نستطيع أن نقول إنها في حد ذاتها تشكل علاجاً مباشراً، فالأدب في المقام الأول متعة بما في الأعمال الأدبية من جماليات في اللغة والتعبير، وما بها من فلسفة.

وتقول هنا: «إن الأعمال الأدبية لا قيمة لها من دون أن تحقق المتعة العقلية والنفسية المرجوة منها»، وتتابع: «حقيقي أن الأعمال الأدبية لها تأثيرات نفسية جديرة بالدراسة، لكن تلك التأثيرات لا يمكن أن تستخدم كهدف يفيد في العلاج من بعض الأمراض النفسية الأخرى. ومن ثم فإنني أرى أن ذلك مبالغة نوعاً ما، فالأصل في الأدب هو المتعة، ثم يأتي العلاج النفسي ضمن اهتمامات وأهداف أخرى».

والأمر ذاته، يوضحه الروائي المصري، أحمد عبدالعليم، صاحب رواية «عبقرية الشر»، إذ يجد أن القراءة غذاء الروح، ويشرح وجهة نظره: «الكتابة علاج الروح كون الروائي، وما دام يعشق الكتابة ولديه آليات ذلك، بمقدوره أن يصل إلى درجة صفاء الروح عبر كتاباته، ومن ثم فالأمر يقف فقط عند حد المتلقي أو القارئ».

تراجع مستويات القراءة.. وضرورات

يلمح متخصصون إلى جملة عقبات يحتمل أنها تعوق تجسد الأدب فعلياً، كأسلوب علاجي ناجع ومتداول في هذا الشأن، ضمن العالم العربي. إذ يرون أنه ربما يكون (الأدب) بمثابة الثورة المقبلة في عالم «الطب النفسي»، إلا أن هناك العديد من العقبات أمام تلك الثورة، وفي مقدمتها تراجع الإقبال على «القراءة» في عالمنا العربي، وهو ما يحتاج إلى جهود مضنية؛ من أجل تعزيز تلك الفكرة في المجتمعات العربية، وذلك حسب ما يؤكده نُقاد، ويتحدث عنه مراراً، كافة المهتمين بالحقل الثقافي.

البيان الإماراتية

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل