27 Jan 2014
الشهادات المزوّرة في لبنان... أهلاً بالمافيات المنظَّمة!
الشهادات المزوّرة في لبنان... أهلاً بالمافيات المنظَّمة!

م.ر (24 سنة) انتزع شهادته الجامعية في التسويق الإلكتروني، من واحدة من أهم جامعات بيروت. حصل ذلك قبل سنتين تقريباً، تمكَّن خلالهما من تأمين وظيفة محترمة داخل لبنان، وهو إلى ذلك يستعدّ للسفر إلى إحدى الدول العربية، حيث الراتب مغرٍ والفرص متاحة أكثر. كل ذلك، ولا من حسيب أو رقيب.

مزوّرو الشهادات في لبنان مافيات منظَّمة تحظى في الغالب بغطاءَين أمني وسياسي. الأمثلة في هذا المضمار كثيرة، وتُنبئ بكارثة بالغة الآثار تربوياً وإجتماعياً وثقافياً وفكرياً وأخلاقياً. يكثر الزيف عموماً في شهادات معينة كالإعلام والمحاماة وإدارة الأعمال وعلوم الصحة وعلوم النفس والعلوم الدينية، في مقابل ندرتها على صعيد الشهادات العلمية كالطب والهندسة. الفكرة وحدها باعثة على الكثير من القلق؛ فعندما يكون المهندس الذي تستقدمه بهدف الإشراف على بناء منزلك المستقبلي أولى من المنزل بالأساسات العلمية... وعندما يخدعك محامٍ لا يفقه في القانون قيد أنملة... وعندما تتابع وزنك خريجة الإبتدائي... وعندما تشرف مَن تعاني الفصاميَّة على صحتك النفسية... وعندما... عندها فقط يصبح التشكيك بالمعطيات حقاً، وتمسي إعادة النظر في جواب الجواب حاجة ماسّة. "تسليع" التزوير وقتل الوعي هو تماماً ما نتناوله آسفين. بل أكثر، إنه تزييف العلم والخبرة والفكر... والأخلاق!

ع. ص من سكان عاصمة الشمال طرابلس، يجاهر علناً أنه حصَّل، قبل ستّ سنوات، شهادته الثانوية في الإقتصاد والإجتماع، بواسطة إجراء تعديل "طفيف" في إخراج القيد. المحيطون بـ ع. ص يعرفون قصَّته من الألف إلى الياء، ويتداولون في ما بينهم كيف تخلَّف الأخير بين عامي 2007 و2008 عن حضور الإمتحان الرسمي آنذاك، مكتفياً بتوكيل صديقه المجتهد الذي انتحل شخصيته لمدَّة أسبوع كامل وقدَّم الإمتحانات المقرّرة بإخراج قيد مزور.

في الإطار نفسه، يروي ر. ش أنه خلال تردّده وصديقه ب. ج إلى منزل غ.ج للتفاوض معها على سعر الشهادة الثانوية التي اشتراها ب.ج لاحقاً، حصل أن عثرا في منزلها على مئات النماذج من الشهادات الجامعية في أكثر من اختصاص، مكدَّسة بانتظار أن تحمل اسم الشاري. ولمَن لا يعلم، فـَ غ. ج سيدة تقطن في بيت منفرد في منطقة المنصورية (قضاء المتن)، حيث يحيط بمنزلها ثلاثة حراس. قُبض عليها، قبل أكثر من شهرين، بتهمة تزوير شهادات أكاديمية ومستندات رسمية، ليُفرَج عنها بعدما كانت سُجنَت لمدة قصيرة على ذمة التحقيق. كل مَن تعامل مع غ.ج يؤكد حرصها ودقتها في التعاطي بتجارة الشهادات، لكن يبدو أنَّ أحدهم وشى بها، فوقعَت في الفخ لتخرج "متل الشعرة من العجين". أسعارها تبدأ من 4 آلاف دولار للشهادات المتوسطة، وتنتهي بـ90 ألف دولار لشهادات الدكتوراه.

لا تزال أعيُن شعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي ساهرة على غ.ج حتى اللحظة. وهي إلى ذلك كانت قد عاهدت نفسها إيقاف جميع نشاطاتها بانتظار غضّ الطرف عنها نهائياً. يتذمر البعض ممَّن على علم وخبر بعمل هذه السيدة غير الأخلاقي، مشيرين إلى أنها مدعومة أمنياً وسياسياً من أطراف رفيعي المستوى، كانوا السبب الأساس في الإفراج عنها بهذه السرعة، على حدّ قولهم. كذلك تؤكد مصادر أنَّ غ.ج كانت على تواصل مع موظفين من داخل وزارة التربية والتعليم العالي. هؤلاء كانوا يسهِّلون آلية العمل، مقابل حفنة من الدولارات، كلٌّ بحسب خدماته.

وعندما كان من البديهي والسريع تكشُّف مَواطن الضعف العلمي التخصّصي لدى حامِلي الشهادات في الاختصاصات العلمية التطبيقيّة كالعلوم الطبيّة والهندسية، ندَر الزيف والغش في هذه المجالات أكثر من غيرها. في هذا الإطار، يؤكد الإختصاصي في علوم النفس الإجتماعية ربيع سلّوم أنه من النادر جداً أن ينجح ذوو الشهادات المزوَّرة في التأقلم مع واقع العمل في لبنان وخارجه، إذ أن المستقبل كفيل بكشف أمر التزوير. يتابع سلّوم شارحاً أن مشتري شهادة الهندسة (معمارية، زراعية، كهربائية وغيرها) مثلاً، لن يُحسن مزاولة عملاً علمياً، كما أنه لن يستطيع رسم الخرائط التي تسبق عملية البناء، والتي تتطلب بدورها منطقاً محدداً للتخطيط، هو غافلٌ عنه ولا يملكه أساساً.

من هنا، فإنَّ مشتري شهادة مماثلة لن يمتلك أي حظوظ تُذكر في النجاح مستقبلاً، بحسب سلّوم. ويتابع الإختصاصي شرحه مؤكداً أن مَن ينوي مثلاً العمل في قطاع المال والأعمال، لن يُحسن احتساب الجدوى الإقتصادية لمشروع ما قبل القيام به، وقد يُفتضح أمره عاجلاً أم آجلاً. في المقابل، تؤكد ميراي حداد (مُجازة في الفلسفة) أنَّ تزوير الشهادات وشراءَها هو سيف ذو حدَّين، لأنه قد يأتي بمنفعة لمزاولي بعض المهن التي لا يشكّل فيها التخصّص الأكاديمي أهمية بالغة، كالإعلام أو العلاقات العامة والإعلان. توضح حداد أنه على رغم التعدِّيات الحاصلة من تجاوز لأخلاقيات مهنة الإعلام على سبيل المثال، إلا أن المشاكل قد تكون في أسوأ الأحوال أقل وطأة لناحية الممارسة العملية الميدانية، بخلاق ما يحصل في التخصصات العلمية، كالهندسة والطب.

وفي اتصال مع مستشار وزير التربية ألبير شمعون، أكّد لنا أن التزوير جناية يعاقب عليها القانون بالسجن، إذ أنَّ كل مرتكب جرمٍ مماثل تتمّ إحالته على النيابة العامة، حيث تُتَّخذ الإجراءات اللازمة بحقّه. "الجامعات الخاصة أنشئت أساساً وفق مرسوم خاص (ترخيص قانوني) تصادق عليها لجنة فنية مختصّة تابعة لوزارة التربية والتعليم العالي، من شأنها الإشراف على سير الأمور اللوجستية والإدارية داخل المؤسسة الجديدة" يقول شمعون، مشيراً إلى أن ذلك يشمل الإشراف على المباني والمختبرات والمكتبات وغيرها من مقتنيات المشروع الجديد.

مهمة الجامعة الخاصة إرسال Specimen عن إمضاء الشخص المخوَّل التوقيع على الشهادات الجامعية، إلى وزارة التربية والتعليم العالي. بعدها يتمّ التأكد من دقة هذا الإمضاء داخل الوزارة مع صدور كل شهادة جديدة. ولدى سؤاله عن صدقية الجامعات اللبنانية الخاصة، رفض شمعون الدخول في متاهة الأسماء، مشدداً على شفافية بعض الجامعات، الحديثة العهد، والتي تعمل جاهدة على بناء صيت جيد وسمعة حسنة، على عكس جامعات أخرى عريقة.

وللوقوف على التزوير المستفحل على صعيد الشهادات الثانوية والمتوسطة، يضيء شمعون على نقطة جديرة بالإهتمام، وهي استغلال طلب الوزارة بشأن إخراج القيد الجديد، الذي يتوجَّب أن يحمل صورة جديدة لكل مَن يتقدم لإجراء الإمتحانات الرسمية السنوية. "هنا الغش وارد"، يقول شمعون، مشدداً على إمكان أن يتحمل المختار أو مأمور النفوس جزءاً من عملية الغش، الذي يخدم الكسول ويفيده.

ووقت كانت الاتهامات بالغش لا تزال محصورة ضمن فضاءات الجامعات الخاصة، يتباهى عميد كلية الإعلام والتوثيق جورج كلاس بنزاهة الجامعة الرسمية، التي تنأى بنفسها عن الجميع وتغرّد وحيدة خارج السرب. "إنه الوجه المظلم للتطور التكنولوجي"، يقرّ كلاس، الذي يتعاطف مع بعض حالات التزوير، مشيراً إلى أن المسؤولية تقع على عاتق عصابات ممنهجة لا علاقة للجامعات الخاصة بها في معظم الأحيان.

في الشق النفسي، تبحث آنيتا غاوي (مُجازَة في علم النفس) في نفسية الحاصل على شهادته بعيداً من القانون، "هو في الغالب شخصية خادعة تعاني ازدواجاً وفُصاماً"، تقول غاوي. وتوضح أن مشتري الشهادة، أيّاً كانت درجتها، مدركٌ لحقيقة أنه يغشّ نفسه قبل غيره، لكنه لا يتردَّد في الإقدام على هذه الخطوة في محاولة لإخفاء فشله، خصوصاً أنه لا يحتمل صفة الأمية أبداً. من هنا فهو يلجأ إلى محوِها بما توافر له من سبل وطرق ملتوية، ظنّاً منه أنه بهكذا تصرف قادرٌ على حماية نفسه من نظرة المجتمع التي لا ترأف بالجاهل وغير المتعلّم.

وتمتلك شهادتا الماجستير والدكتوراه قاعدة جماهيرية في لبنان وخارجه. ويراوح ثمن الشهادة الأولى ما بين خمسين وستّين ألف دولار أميركي، فينجح المزورون بالمضاربة على أندادهم ممَّن يزيِّفون الشهادات حول العالم، من الولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، بأسعار أبخس، ولكن بضمانات أقل. في هذا الإطار، تُعدّ جامعة "بوكستن" واحدة من أهم الجامعات "الوهمية"، وهي إحدى واجهات موقع InstantDegrees.com، التي تسعى إلى تأمين شهادات على مستوى رفيع من الغش والإحتيال، بمبالغ تراوح ما بين 150 الفاً وقد تصل إلى 800 ألف دولار أميركي لشهادة الدكتوراه. تلي "بوكستن"، في العراقة، جامعة "كانتربوري" التي لا تتوانى عن تأمين مختلف أنواع الشهادات، في أي اختصاص يرغب به المشتري، وتصله الشهادة إلى بيته خلال خمسة أيام فقط.

في هذا الإطار، تمكَّنت الأجهزة الأمنية الأميركية عام 2005 من الإيقاع بإحدى شبكات الشهادات المزيفة الواقعة في ولاية واشنطن، فكان أن ابتدَعَت شخصية سورية وهمية سمَّتها محمد السعيد. والمفارقة هي أن السعيد عرّف عن نفسه آنذاك خلال اتصالاته مع الجامعة الوهمية على أنه إرهابي يحتاج إلى تأشيرة أميركية، ما مكَّنه من الحصول على درجة الماجستير في الكيمياء والهندسة البيئيّة من جامعة "سانت ريجيس" التي أصبحت في عداد المقبوض عليهم. في المقابل، كانت الأجهزة الأمنية اللبنانية أوقفت في أواخر نيسان 2012، سبعة أشخاص ثبُتَ اضطلاعهم بتزوير شهادات ثانوية وجامعية في الإختصاصات، باسم الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة. وجاءَت الفضيحة، مجلجلة، حين اكتشف جهاز أمن الدولة أن شهادات عشرات المتقدمين للإلتحاق به، ليس لها أي أصول في سجلات وزارة التربية والتعليم العالي. عشرات الشبان ممَّن اشتروا الشهادات المزوَّرة تمَّ توقيفهم للتحقيق معهم، ليتبيَّن لاحقاً أنَّ المبالغ المدفوعة للعصابة المنظمة راوحَت بين 2000 و5000 دولار أميركي.

أخيراً، قد لا يختلف اثنان في الفساد المستشري القابض على أنفاس قطاعات الدولة والمتحكم بها. فساد سياسي وإداري وإقتصادي وإجتماعي. فساد أيديولوجي وعقائدي ورشوة. ابتزاز ومحسوبية وإختلاس. تبعية واستزلام، وصولاً إلى فساد الوعي وتزوير العلم. كل ما سبق من مفردات ما هي إلا تجسيد لواقعنا الفعلي البائس. واقعٌ سيظل قاتماً ما دام المتسبّب في الزور والتزوير مجهولَ الهوية، وما دام الشعبُ مبتهجاً بجهله!

جريدة النهار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل