14 Jan 2014
مهنة «التدريس الخصوصي» في مهبّ الريح!
مهنة «التدريس الخصوصي» في مهبّ الريح!

قلّما تقف في محل، أو تدخل إلى بناية، ولا تجد إعلاناً عن أساتذة يرغبون في إعطاء «دروس خصوصية» في مواد مختلفة، وخصوصاً لصفوف الشهادات الرسمية. هذا العمل الإضافي بالنسبة إلى كثيرين بدأ يتحوّل إلى مهنة مضنية، في ظلّ قلة فرص العمل. مهنة لها عالمها الخاص

عندما باشر ناجي حايك (متخرّج تصميم غرافيك) عمله كمدرّس خصوصي لطلاب التعليم الأساسي، لم يكُن يدرك أنه سيستمر على هذه الحال وقتاً طويلاً. «بدأتُ التدريس في السنة الجامعية الثانية، معتقداً أنها مرحلة مؤقتة لا بدَّ لها أن تنتهي مع تخرّجي وحصولي على عمل لائق ضمن اختصاصي» يقول. لكنه يحتفل اليوم بمرور أكثر من أربع سنوات على ممارسته تعليم المواد الأدبية (لغة عربية، تاريخ، جغرافيا، تربية مدنية) وهو لا يزال على حاله، ولا تغيير يلوح في الأفق. يعترف ناجي بأنه غير قادر على الاعتماد على مردوده من المشاريع التي يتسلمها في مهنته «فهي موسمية وقليلة».

أما روني عبود، فقد مضى على تخرُّجه في الجامعة سنة واحدة، لم يفلح خلالها في الالتحاق بمدرسة خاصة أو رسمية لتعليم اللغة العربية وآدابها. لذا، اتَّجه إلى التدريس الخصوصي. وهو حالياً يلقِّن المواد العلمية، إلى جانب الأدبية، الخاصة بطلاب الثانوي، ويمكن أن يبقى طويلاً على هذه الحال. في المقابل تؤكد نور جعجع (طالبة إعلام وتوثيق) أنها لم تجرِ خلف مهنة التدريس الخصوصي، التي أتتها «على صينية من ذهب». فهي وجدَت نفسها «متورِّطة» في تلقين مادة الرياضيات لجارتها طالبة الصف الأساسي. ورغم نجاح التجربة، فضَّلت الابتعاد عن هذا العمل «اللذيذ» لإنشغالها الجامعي وإيمانها بتحقيق ذاتها ضمن اختصاصها الذي تعشق.

هذا الوصف الإيجابي للتدريس الخصوصي يجمع عليه كلّ من قابلناهم. يقول ألان واكيم «أتحمَّس جداً لكوني مدرِّساً خصوصياً لطلاب الأساسي»، وهو يجد نفسه محظوظاً لكونه انخرط في هذه المهنة «الراقية» منذ سنتين، نافياً إمكانية هجرانها ريثما ينتهي من تخصصه في إدارة الأعمال والمال. كذلك تؤكد نادين رفول (طالبة حقوق) أنها فخورة بكونها مدرِّسة خصوصية، لا نادلة في مطعم، وتفرح بتأديتها جزءاً من «رسالة سامية» أتاحت لها قدراتها التعليمية القيام بها.

عن كيفية التعاطي في هذه المهنة وخوض غمارها، يؤكد أكثر من أستاذ خصوصي متمرّس في لبنان أن اللقاء الأول هو الحاسم. لقاءٌ، قد يُكتب له النجاح كما الفشل. وغالباً ما ينتج منه اتفاق شفهي، يحصل بين الأستاذ وأولياء الأمر، حيث يتمّ التطرّق إلى نقاط ضعف التلميذ، مع طرح الأسباب، النتائج، وصولاً إلى الحلول. كلّ ذلك يحصل طبعاً مع تحديد الأجر المادي للأستاذ، لكن في ظلّ غياب قانون مدني حاكم بين الطرفين.

ولما كانت الشروط الأكاديمية والعمرية مفتوحة في هذا المجال، تخبر روز شحادة (43 عاماً) أنها تواظب على مزاولة مهنة التدريس الخصوصي منذ 24 عاماً. اللغة العربية وآدابها هي المادة التي تلقِّنها المتخرّجة في كلية الترجمة، إضافةً إلى مادَّتَي الاقتصاد والاجتماع لطلاب الشهادة الثانوية. كذلك يخاطب إيلي نقول (39 عاماً) طلاب الثانوي، جاعلاً من منزله في سن الفيل ملتقى للعلم من خلال مادَتَي الرياضيات والفيزياء. المتخرّج في كلية العلوم، يجد أن «الدروس الخصوصية لا
ضير منها في هذه الأيام»، موضحاً أنه يعتمد عليها مادياً بشكل ثانوي، إلى جانب تدريس الرياضيات في مدرسة أخرى. بخلاف الشائع، لا يشكل هذا العمل مورد رزق كبير للعاملين فيه، إذ يتفاوت أجر الساعة باختلاف الصفوف والشهادات

 في بادئ الأمر، تتردد غرايس داغر (طالبة إعلام) في الإفصاح عن أجرها المادي. لكنها ما تلبث أن تجيب، حازمة، بأنَّ أجرها يتراوح بين 100 ألف ليرة لبنانية و150 دولاراً كحد أقصى، مقابل خمس ساعات أسبوعياً، أي ما يعادل أكثر من ثلاثين ساعة في الشهر. وعن السؤال نفسه، تؤكد طالبة التوثيق جوليان غريشي أنها تزاول مهنة التعليم الخصوصي للسنة الثالثة على التوالي، مشيرةً إلى أنها بدأت تعمل بمبلغ 200 ألف ليرة لبنانية، ولا تزال تقوم بمهمّتها، مع فارق أنها باتت تتقاضى اليوم مبلغ عشرة آلاف ليرة لبنانية مقابل حصة تعليمية واحدة لصفوف الشهادة المتوسطة (البريفيه). ويرى أنطوان رحال (طالب هندسة) أنه «مغبون من الناحية المادية»، رغم «التفاني في العمل إلى أقصى الحدود». فهو حريص على متابعة أدق التفاصيل في سبيل نجاح تلاميذه وتفوقهم، ما يجعله يستحق أكثر من مبلغ 25$ يتقاضاه مقابل حصة تعليمية واحدة لثلاثة طلاب أساسي!

طبعاً، تبرز بعض الاستثناءات في هذا المجال. ويتَّضح أن الذين لا يشتكون من شحّ المادة التي تؤمنها مهنة التدريس الخصوصي، هم في غالبيتهم من المتخرّجين، ومَن يزاولون مهناً أخرى. «أمارس العمل الصحافي، إلى جانب التدريس الخصوصي بعد الظهر»، يقول ميشال حداد، موضحاً أنه ينجح في تقسيم وقته، ويرى أنه قد يستمر على هذه الحال وقتاً طويلاً في المستقبل. كذلك تخبر فاطمة عياش أنها تلقّن الدروس الخصوصية في مواد الاقتصاد والاجتماع واللغة الإنكليزية منذ ما يزيد على ثلاث سنوات، بالرغم من أنها عضو فاعل في منظمة الأمم المتحدة لمساعدة اللاجئين السوريين منذ مطلع عام 2012. أما عن المقابل المادي، فتشرح عياش أن الحصة التعليمية الواحدة لطلاب الشهادة الثانوية تساوي عشرة دولارات أميركية، في حين أن طلاب الابتدائي والأساسي يعودون بمبلغ مئة دولار أميركي فقط شهرياً.

لكن رغم هذه الشكوى، لا يبدو أن أحداً ممن قابلناهم ينوي تغيير مهنته التي يجد فيها مسؤولية، خصوصاً لجهة التعامل مع التلاميذ، والحرص على عدم جعلهم اتكاليين. وفي هذا الإطار، تؤكد هدى خوند، مستشارة وباحثة في علوم النفس البشرية، أهمية أن يدرك الأستاذ أنَّ «وظيفته تتعدّى كونه مدرساً لمادّة معينة، بل أن يبدأ الأستاذ بترويض طالبه على تحمّل جزء من المسؤولية تدريجاً، لجهة نجاحه أو فشله في تحصيل العلامات المرجوَّة، ما قد يحفز الطالب ويُشعره أن نجاحه متعلّقٌ بيده، كما فشله».

وفي إشارة إلى الأهمية التدريجية التي يكتسبها قطاع التدريس الخصوصي في لبنان، يجري العمل حالياً، أكثر فأكثر، على إدراج هذه المهنة ضمن المهن الخاصة الأخرى كالمحاسبة والتسويق، إلى جانب وظائف الإدارات العامة والقطاع العام. في هذا المجال، تكثر حالياً شركات التوظيف التي تسعى إلى تأمين فرص عمل متنوعة يتعلّق بعضها بالتدريس الخصوصي، مع تسهيل التواصل بين المدرّسين والعائلات التي تعلن حاجتها إلى مدرّس خصوصي.

الاخبار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل